القوى السياسية الفلسطينية المنضوية تحت راية منظمة التحرير تعيش أزمة بنيوية

حجم الخط
0

مع مضي قرن على وعد بلفور المشؤوم، وسبعين عاما على قرار التقسيم الدولي رقم 181 وواحد وخمسين عاما على إنطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وإثنين وخمسين عاما على تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وثلاثة وعشرين عاما على قيام السلطة الفلسطينية والتوقيع على اتفاقيات اوسلو، بقيت القضية الفلسطينية تراوح مكانها. رغم ما واكبها من صعود وهبوط، غير انها لم تتمكن من تحقيق الأهداف الوطنية المتفق عليها، وهي إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق العودة للاجئين على أساس القرار الدولي 194.
مما لا شك فيه، ان الشعب العربي الفلسطيني وقواه الحية المنضوية تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد، حققت العديد من الانجازات السياسية في مواجهة إسرائيل الاستعمارية والمنابر العربية والأممية وخاصة الأمم المتحدة، أبرزها: إعادة الاعتبار للقضية من خلال نفض الغبار عنها، ونقلها من كونها مسألة إنسانية إلى وضعها في مقدمة القضايا السياسية الإقليمية والعالمية، وأدخلتها مرحلة نوعية جديدة، بإعادتها إلى جذورها المكونة لها كقضية سياسية.
وأوقفتها على قدميها؛ وارتقت بمكانة المنظمة، كممثل شرعي ووحيد للشعب العربي الفلسطيني؛ وإنتزعت العديد من القرارات الأممية الداعمة والمؤيدة للنضال الوطني في إستخدام كافة أشكال النضال بما في ذلك الكفاح المسلح لإستعادة الحقوق السياسية، والتأكيد للعالم على حق تقريرالمصير للشعب الفلسطيني، وإعتبرت الحركة الصهيونية، حركة رجعية عنصرية (للأسف تم التراجع عن هذا القرار بعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو)؛ وأدانت الاستيطان الاستعماري في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وأكدت على رفض الضم والتهويد والمصادرة للأرض الفلسطينية وخاصة في القدس الشرقية؛ وتمكنت من فك الارتباط بين الضفة الفلسطينية والمملكة الأردنية الهاشمية؛ وأسقطت عمليات التصفية المتوالية، التي إستهدفت الظاهرة العلنية للثورة في الأردن ولبنان؛ وأفشلت مشروع روابط القرى والتقاسم الوظيفي بين إسرائيل ودول الجوار العربية؛ وضربت في الصميم هيبة ومكانة دولة التطهير العرقي الإسرائيلية وجيشها الدموي في معركة الكرامة آذار 1968 وفي لبنان وخاصة عندما إجتاحت بجيشها المجوقل وبقوام 160 ألف ضابط وجندي وبأسلحته المختلفة البرية والجوية والبحرية في حزيران/يونيو 1982 والمدعوم من قبل أمريكا وحاملات طائراتها، التي رابطت على السواحل اللبنانية، حيث صمدت طيلة ثمانية وثمانين يوما في حرب غير متكافئة، وتمكنت من إفشال مخطط بيغن، شارون وإيتان وحلفائهم من القوات الانعزالية اللبنانية وفيليب حبيب، ممثل إدارة ريغان الجمهورية آنذاك وفي ظل صمت وتواطؤ عربي رسمي؛ وتصدت لحرب المخيمات في بيروت 1985- 1987، التي شنتها حركة أمل اللبنانية نيابة عن نظام حافظ الأسد آنذاك؛ كما أفشلت المحاولات الرسمية العربية بتصفية القضية الفلسطينية في مؤتمر القمة العربية تشرين ثاني/نوفمبر 1987 من خلال الانتفاضة الكبرى في الأراضي المحتلة 1987- 1993؛ وإستطاعت ان تنقل تدريجيا مركز القرار للداخل الفلسطيني؛ وتجاوزت الغام مؤتمر مدريد 1991، حيث حاولت إدارة بوش الأب طمس المشاركة الفلسطينية بإشراكها تحت العباءة الأردنية… إلخ من الانجازات. وقدمت فصائل العمل الوطني عشرات ومئات آلاف من الضحايا بين شهيد وجريح وأسير على مذبح الثورة، ورفعت عاليا سقف الأمل ببلوغ الأهداف الوطنية في الحرية والاستقلال وتقرير المصير والعودة.
لكنها للأسف الشديد لم تتمكن من تحقيق الأهداف الوطنية، رغم إنخراطها في العملية السياسية السلمية منذ إنعقاد مؤتمر مدريد في العام 1991 بعد حرب الخليج الثانية. نعم كان وما زال للقوى الدولية والإقليمية والعربية دور سلبي مؤثر على مسار النضال الوطني التحرري. لا بل يمكن الجزم، ان الإرادة الدولية وخاصة الغرب الرأسمالي لم تكن معنية يوما فيما مضى بإقامة الدولة الفلسطينية. ولو كانت لديها الرغبة منذ صدور قرار التقسيم الدولي 181 الصادر في 29 تشرين الثاني/نوفمبر1947، وبغض النظر عن موقف الجماهير الفلسطينية الرافـــض لذلك القرار الجائر آنذاك، لأقامت الدولة الفلسطينية العربية.
غير ان القاء اللوم بشكل دائم على العامل الموضوعي، على أهميته وإتسامه بالطابع الحاسم غالبا والتقريري أحيانا، لا يفي بقراءة المشهد الفلسطيني. ويعكس قصورا في التحليل العلمي لمعضلات الساحة الوطنية. حيث يلعب العامل الذاتي دورا أساسيا في المحاكمة العقلانية للواقع. لا بل انه يشكل نقطة الانطلاق وبوصلة التشخيص لمحاكاة التجربة الفلسطينية بسلبياتها وايجابياتها.
إنطلاقا من ذلك، وبنظرة موضوعية لمركبات المسألة الفلسطينية، يلحظ المرء، ان القوى السياسية الفلسطينية المنضوية تحت راية منظمة التحرير، تعيش أزمة بنيوية عضوية منذ زلزال الاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف 19882. رغم تمكنها من إفشال أهداف المخطط الإسرائيلي الأمريكي. ادخلتها لاحقا إلى غرفة العناية المركزة. ولولا إشتعال الانتفاضة الكبرى (ثورة كانون الاول/ديسمبر) 1987 ـ 1993 لتمكن الأعداء جميعا من دفن الثورة والمنظمة على حد سواء. إلا ان الانتفاضة على ما لعبته من دور عظيم في النهوض بالذات الوطنية، وما حققته من انجازات إلا ان القيادة الشرعية للمنظمة لم تحسن الاستثمار الإيجابي للانجازات الوطنية غير المسبوقة، ووقعت في شرك إتفاقيات اوسلو 1993و1994 وما حملته للشعب والقيادة من ألغام في طريق إستكمال عملية التحرر الوطني. وحتى لم تحسن التعامل مع بعض الايجابيات، التي نجمت عنها، وعنوانها الأبرز تشكيل كيانية فلسطينية، وعودة مئات آلاف من أبناء الشعب لربوع الوطن وغيرها.
وإذا دقق المراقب السياسي في الحالة الفلسطينية، يلحظ أن مرحلة ما بعد السلطة الوطنية فاقمت من أزمة المشروع الوطني برمته، لان القوى السياسية الفلسطينية: اليسار واليمين والوسط وفق التوصيفات المتداولة تراجع دورها ومكانتها وتأثيرها في العملية السياسية، وعادت لحالة الموات الكلينيكي. وإستهلكت السلطة أدوارها، وحتى دور منظمة التحرير ككل. رغم انها المرجعية السياسية، والممثل الشرعي والوحيد للشعب حيثما كان. والسلطة وحكومتها ليست أكثر من أداة إدارية وخدماتية لتنفيذ سياسات المنظمة في الأراضي المحتلة عام 1967. غير ان الأدوار إنقلبت رأساً على عقب، فأمست السلطة وحكومتها، هي صاحبة الباع الطويل في التقرير بالمسائل. وتراجع إلى حد كبير دور اللجنة التنفيذية للمنظمة، بإعتبارها القيادة اليومية للشعب. وأمسى رئيس الوزراء أي كان إسمه وخلفيته على سبيل المثال لا الحصر، له المكانة العليا على أعضاء قيادة منظمة التحرير. وغاب البرنامج السياسي الناظم للقيادة والشعب. وضعف حضور مؤسسات المنظمة على مختلف الصعد والمستويات: المالية والإدارية والتنظيمية والكفاحية. وأصبحت القوى السياسية من مختلف التلاوين تنتظر إسوة بالموظفين الفلسطينيين حصتها المالية نهاية كل شهر. وكل نقاشتها السياسية تدور في نطاق ما هو مسموح سياسيا، وحتى عندما ترفع بعض القوى صوتها، على إعتبار أنها تحمل رؤية مختلفة نسيبا عما يجري في الساحة، تجد انها عاجزة عن حشد أعضاءها وليس الجماهير الفلسطينية في هذه المدينة أو تلك وخاصة في العاصمة السياسية المؤقتة رام الله. وهذا ملموس بالعين المجردة في محافظات الوطن الشمالية (الضفة الفلسطينية). أضف إلى انها بشكل منفرد ومشترك لم تحاول جديا طرح رؤى برنامجية تعالج القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والصحية والثقافية. وإقتصرت معالجاتها على المسائل المثارة بشكل جزئي، وليس وفق رؤية شاملة ومتجددة. وحدث ولا حرج عن دورها في المقاومة الشعبية، التي تطرح شعاراتها صباح مساء، فهي أولا لا تستطيع حشد أنصارها، كما ورد آنفا، ولم تعد تقنع الجماهير الفلسطينية بدورها. وهذا نجم عن فقدان الثقة بها وبسياساتها القاصرة، ونتج عن عجزها في تمثل نبض الشارع. ولو أخذ المرء، حضورها في الأوساط الجامعية، سيكتشف أي مراقب، ان جلها لا يتمكن من الحصول على عضو واحد في هذه الجامعة أو تلك، وحتى عندما تشكل إئتلافا فيما بينها إن كانت قوى اليسار أو القوى القومية، فإنها لا تتجاوز في الغالبية العظمى للانتخابات الجامعية نسبة الحسم للحصول على مقعد واحد. باستثناء الجبهة الشعبية، التي تراجع دورها وحضورها بشكل فاقع، لكنها بقيت تحصل على الموقع الثالث مع فارق كبير بينها وبين الموقعين الأول والثاني حركتي فتح وحماس.
كما ان دور فصائل منظمة التحرير شبه معدوم، وغير ذي تأثير في مجال المصالحة الوطنية. وبعضها يلعب دور الصليب الأحمر في العلاقات الداخلية. ومواقفها لا تمت بصلة لخلفياتها الفكرية والسياسية. لانها لم تحدد موقفا واضحا من خيار الانقلاب، الذي قادته حركة حماس في محافظات الجنوب (قطاع غزة) في أواسط حزيران/ يونيو 2007 على الشرعية الوطنية. ولم تتميز، ليس لمجرد التميز، ولكن للاعتبارات الوطنية في مواقـفـــها عن السياسة العامة. وإن ذهب اليــسار للتميز، تلاحظ انه سقط في متاهة تصفية الحساب مع حركة فتح والشرعية الوطنية.
الاستخلاص المنطقي لواقع حال القوى السياسية في الساحة، يشير إلى انها تعاني من إنفصام في الشخصية السياسية. فهي تلعب الدور ونقيضه. وهذا نتاج الأزمة العضوية العميقة، التي تعاني منها تلك الفصائل. ولا يبدو في الأفق انها قادرة على تجاوز واقعها المأساوي.

القوى السياسية الفلسطينية المنضوية تحت راية منظمة التحرير تعيش أزمة بنيوية

عمر حلمي الغول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية