القاهرة ـ «القدس العربي» عبد السلام الشبلي: بعيداً عن التحزبات السياسية والانتماءات الغريبة عن الهوية، خاض الروائي الفلسطيني يامي أحمد رحلته الإبداعية. وجد بدايته الأدبية الأولى في مصر، مع ثلاث روايات بدأها بـ»يوسف يا مريم» ثم «حديثك يشبهني» ليعود وينجز الجزء الثاني من روايته الأولى بعنوان «بقايا مريم»، لتكون أعماله الثلاثة راصدة للواقع الفلسطيني الحالي المليء بالتحزب والفساد السلطوي، الذي ينعكس سلباً على المواطن وقضيته الأبدية. هنا حوار معه حول تجربته الأدبية.
□ لأي الهويات تنتمي، وهل أثر ذلك على أعمالك الروائية أم أنك تكتب مجرداً من أي انتماء؟
■ أنا أنتمي لفلسطين فحسب، كنت سابقاً ذا انتماءات أخرى، لكنها تغيرت مع الوقت بسبب الانفتاح على الآخرين والانخراط في القراءة، التي أدت إلى تكوين قناعة بأن الوجود في أي أيديولوجيا يؤدي للتعقيم والتحديد، ووحده الانفتاح على الآخرين ما يصنع الفارق. الهوية الفلسطينية قبل كل الهويات التي لم نصنعها نحن بل أجبرنا عليها. مقتنع تماماً أن كل الأيديولوجيات الفلسطينية مخترقة من جهات معينة داعمة أو غير ذلك، وبالنسبة لي لولا انتمائي لفلسطين لما كتبت الرواية، فهي التي منحتني الهامش لذلك، حيث تفاجأت بما تعنيه القضية للناس في الخارج، ونحن كشباب نتعرض للتهميش من الداخل، حيث الصورة الحقيقية لفلسطين ولنا، التي لا تشبه ما يصل المجتمعات العربية والعالمية الأخرى.
□ القارئ لرواياتك يظنها رومانسية للوهلة الأولى، لكنها تتحول مع الوقت لروايات سياسية كتبت لإيصال أفكار معينة، ما الهدف الذي تطمح له من الكتابة بالتحديد؟
■ أنا إنسان غير رومانسي إطلاقاً، والرومانسية لم تكن غرضاً أبداً، هي أحد المداخل المفضلة لدى الشباب، وهم جمهوري المقصود من الكتابة، لذلك أبدأ بها رواياتي، لكنني بعد ذلك أدخل في المقصودات الأخرى وأبرزها السياسة، محاولاً دفع جينات التفكير النائمة لدى الشباب، من أجل الانطلاق في السياسة بشكل أفضل، والتفكير بشكل سليم في جميع نواحيها.
□ يعاني الأدب العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً من التسييس، بالنسبة لك هل تبتعد عنه في رواياتك أم تفرض عليك السياسة الكتابة في زوايا معينة؟
■ أنا ضد التحول لبوق لأي سلطة أو حركة سياسية، فبمجرد التحول لذلك سيصبح الأديب سلاحا للسلطة التي ربما تكون مستبدة وهذا طبيعي في سلطات بلادنا، ولا أعتقد أني سأكون يوما صوتا لجهة سياسية معينة. روايتي «بقايا مريم» توضح ذلك، حيث كنت على مسافة نقدية واحدة من جميع الأطراف، وعموما الكثير من الأدباء الفلسطينيين ورغم تحزباتهم لكنهم استطاعوا الهرب من التسييس وكان ذلك في مصلحة أعمالهم.
□ شخصيات رواياتك تعاني من حالة انهزامية مزمنة، هل يعود ذلك إلى واقع معاش أم أنه توظيف للانهزامية بإطار روائي فقط؟
■ لا أستطيع تقديم حلم وردي لقارئي، فالوضع لدينا فلسطينياً ينجر من السيئ للأسوأ، وشخصياً لا أميل لخداع قارئي، بل على العكس أسعى لأن أظهر له كل شيء بوضوح وشفافية، ولو وجدت أي أمل أمامي لزرعته للناس، لكن ما كتبته في أعمالي هو جزء صغير جدا من الوضع الفلسطيني السوداوي.
□ في رواية « حديثك يشبهني» خضت تجربة الهجرة غير الشرعية عبر شخصية آدم، هل ترى أنها أصبحت حلا لمشكلات الشباب العربي؟
■ لا بالطبع، بل أصبحت مشكلة، وأنا كتبت عن هذا الموضوع قبل موجات الهجرة الحالية، حيث كان الأمر قد بدأ في فلسطين منذ بداية الحرب على غزة. والحقيقة فإن المشكلات التي نسمعها عن أوروبا من ناحية الاندماج وغير ذلك تعطي انطباعا عن سوء الوضع للاجئ هناك، فضلاً عن قناعتي بأن أوروبا لو كانت فعلا مع اللاجئ، لما أجبرته على خوض هذه التجربة القاسية.
كذلك فإن التظاهرات ضد اللاجئين هناك لا تحصى، ونستطيع القول أن من أراد النجاح في أوروبا، فعليه أن يمللك المال الكافي لذلك، فالبلاد الأوروبية لن تمنحك أي شيء من الأحلام الوردية ما لم تكن تملك ثمنا لأحلامك.
□ أين تجد نفسك على خريطة الأدب الفلسطيني؟
■ أنا ما زلت في بداية الطريق، الأسلوب في تطور والجمهور الشاب هدفي الذي وصلت إليه، وهذا شيء جيد، وأعتقد أني لن أخرج عن المواضيع المتعلقة بأزمات فلسطين، سأستمر في الكتابة عن مشكلاتها طالما كانت موجودة، فالفكرة تسليط الضوء من خلال الكتابة وليس الكتابة لأجل الكتابة فقط.
□ ماهي أبرز أزمات الرواية الفلسطينية؟
■ النشر هو أكبر الأزمات، نتعرض لظروف سيئة بعملية النشر، كالنصب والاحتيال والاستغلال المادي، فضلاً عن إجبارك على النشر في الخارج، كذلك فإن الكاتب يعاني من وجع الحرية الذي يفتقده في بلاده، ويجده خارجها، مما يضطره للتحول لكاتب مهجري كي ينال جزءا من حريته التي تنعدم في فلسطين، بسبب التحزبات والسياسة التي تؤدي بالكاتب للهرب من البوح بالواقع إلى الرمزية التي قد لا تصل لجميع القراء ما يفقد العمل الأدبي قوته.
□ الوطن العربي مشتعل بالثورات والحروب منذ خمس سنوات، كيف تنظر لذلك وهل ترى فلسطين بمنأى عنه؟
■ الأزمات في الوطن العربي مرتبطة بفلسطين وشعبها، كل شيء ينعكس على فلسطين عربيا، وذلك يعود لعمق القضية الفلسطينية عربياً، فما يحدث في مصر أو سوريا أو الأردن يؤثر كثيراً، المواطن يعيش على التطورات التي تجري حوله التي تؤثر بكل تأكيد على قضيته وبلده.
□ هل ترى أن غزارة الإنتاج الأدبي العربي مقارنة بعدد القراء طبيعية؟
■ في الحقيقة بمقارنات الغزارة سنجد أنفسنا ضعفاء جدا أمام أممٍ أخرى تنشر في شهر ما ننشره في سنة، لكن لو قارناها بالقارئ العربي، سنجد فعلا أن هناك غزارة لا تتناسب مع القراءة الضعيفة التي يعاني منها الأدب العربي، فالكاتب الشاب مثلي لو باع خمسين أو مئة نسخة فمعنى ذلك أنه حقق نجاحا كبيرا.
□ كيف تنظر للجوائز الأدبية العربية، وهل تكتب لأجل تحقيقها أم أنك بعيد عنها؟
■ الجوائز الأدبية هي تعويض للأدباء عن معاناة عدم الانتشار، حيث تنعكس قلة البيع والانتشار على اهتمام الكاتب بالجوائز، فهي تحقق له الدعم النفسي والمادي الضروري للاستمرار.
وبالتالي فإن الجوائز الأدبية هي سبب رئيسي في استمرار الأدب العربي حتى اليوم، وهي ملاذ الأديب لتحقيق ذاته بعيداً عن سوق تداول الكتب الضعيف جدا، وأنا أجدها مفيدة للأدب العربي عموماً.