في السؤال العسير الذي وجهه اوري مسغاف لايمن عودة، «قل، هل يمكن لابو مازن أن يأتي إلى جنازة مهندس اتفاقات اوسلو، وانت لا؟»، اجاد في التعبير عن التساؤل المشترك ليهود إسرائيليين كثيرين من على جانبي المتراس السياسي. كيف يحصل ان زعيم الفلسطينيين في الضفة، التي تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، أبدى عظمة روح وجاء إلى مراسيم وطنية رسمية للدولة المعادية كي يودع من كان الرمز الواضح لها على مدى أجيال؛ بينما رئيس حزب إسرائيلي، يشارك في الكنيست، ادار على نحو تظاهري قدميه عن هذه المناسبة؟ يمكن أن نتفهم المتسائلين، إذ أن مظهر العربي «الخير» ـ الذي منعوا عن رؤيته بسبب عودة «الشرير» ـ كان يسحر دوما قلب اليهودي، من اليسار ومن اليمين على حد سواء.
كما يمكن أن نتفق مع القول المبدئي لمسغاف، بأنه لم تكن حكمة سياسية كبيرة في تغيب عودة عن جنازة شمعون بيرس. ولكن ينبغي الاعتراف بأن مجرد التوقع التلقائي بأن يتصرف رئيس القائمة المشتركة الفلسطينية ـ الإسرائيلية في الحالة الراهنة مثلما تصرف رئيس السلطة الفلسطينية يعكس فهما مغلوطا لجوهر المكانة الوطنية ـ المدنية الخاصة للفلسطينيين الإسرائيليين بهويتهم الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء.
محمود عباس، الذي يقف على رأس حركة وطنية محطمة، لواحد من أواخر الشعوب ذوي الوعي الوطني ـ السياسي في العالم لم يحقق استقلالا رسميا بعد، مضطر لأن يشق طريقه مع إسرائيل والقوى العظمى التي تقف إلى جانبها بمرونة وباعتدال. وخلافا لدعاية اليمين الإسرائيلي من مدرسة بنيامين نتنياهو وجادي طؤوب («هآرتس» 28/9)، التي تعرضه كرديف ياسر عرفات في بدلة، يعرف عباس جيدا الاضطرارات ولهذا فهو مستعد لأن يتنازل عن الرضى اللحظي عن الكرامة الوطنية، يتجاهل الجانب الهدام من تراث بيرس بالنسبة للفلسطينيين وان يشيعه في طريقه الاخير، إلى جانب آخرين من الدائسين على حقوق ابناء شعبه، على امل أن يقدم في ذلك إلى الامام خروجه من العبودية إلى الحرية.
وبالمقابل، بالنسبة للفلسطينيين في المناطق، فإن الفلسطينيين الإسرائيليين هم أحرار. حتى لو لم يكن أي من أعضاء القائمة المشتركة يعترف بذلك، فإن المواطنة الإسرائيلية ـ العليلة بحد ذاتها بسبب التمييز البنيوي في المنطق غير المتساوي للدولة القومية العرقية الدينية – اليهودية هي ذخر سياسي أغلى من الذهب بالنسبة للفلسطينيين الإسرائيليين. وكل ذلك لسبب بسيط هو أن المواطنة الإسرائيلية تجعل من الصعب جدا طرد الفلسطينيين الإسرائيليين من وطنهم. بالفعل، رغم مساعي التهويد للمجال الإسرائيلي ـ والتي لم تتوقف أبدا، واضح أن مستقبل الفلسطينيين في القسم الإسرائيلي من فلسطين/بلاد إسرائيل اكثر استقرارا من مستقبل اخوانهم في قسمها الفلسطيني ـ الخاضعين لرحمة الحكم العسكري للاحتلال ومن شأنهم ان يجدوا أنفسهم في كل لحظة معطاة في حالة لجوء، تبعا لنزوات الاحتلال الامنية.
وعليه فمن الطبيعي ان يشعر الفلسطينيون مواطنو إسرائيل، الذين تمثلهم القائمة المشتركة، بأنهم أكثر امانا من الفلسطينيين رعايا إسرائيل في أن يعطوا تعبيرا علنيا، صاخبا وحرا عن هويتهم الوطنية الفلسطينية. بالضبط هذا ما كان يجدر ان نتعلمه من الفوارق في سلوك عودة وعباس في سياق جنازة بيرس: كمواطن في دولة ذات مزايا ديمقراطية، يتمتع عودة بحق الاختيار في إلا يشارك في الجنازة، بينما كان عباس عمليا محروما من تحقيق حق اختيار كهذا، بسبب اعتبارات الدبلوماسية لشعب مستعبد وعديم حقوق المواطنة.
وفضلا عن ذلك، لم كان عودة يعرض موقفا وطنيا فلسطينيا حازما في شكل رفض المشاركة في الجنازة، ولكن لا يمكن قطع هذا الموقف عن منظومة التجربة السياسية متعددة الاصوات للإسرائيلية المدنية. وعليه فلا يمكن الاتفاق مع قول مسغاف ان قرار عودة التغيب عن المراسيم يدل على عزلة وابتعاد من حزبه عن الجماعة الإسرائيلية. فهل الاعتراف بمركزية مساهمة بيرس في التجربة الإسرائيلية يفترض أن يشكل اساسا تماثليا ملزما لعموم الإسرائيليين أبناء كل الاديان والقوميات العرقية؟ أفلا يوجد إسرائيليون يهود ـ من اليمين ومن اليسار ـ ممن ينفرون من قسم من عناصر تراث بيرس وهل يجب أن ينظر إلى هؤلاء ايضا كمن هم ليسوا جزءا من الإسرائيلية؟
تمنح المواطنة الإسرائيلية الفلسطينيين الإسرائيليين قوة مدنية سياسية، يستغلونها على نحو مناسب، وعن حق، في دفع كفاحهم إلى الامام في سبيل حقوقهم القومية ـ المدنية في دولة قامت في ارض وطنهم خلافا لارادة ابائهم واجدادهم. وفي نفس الوقت فإن صوتهم هو هويتهم وموقفهم كفلسطينيين ذوي وعي وطني اصبحوا جزءا لا يتجزأ من الخطاب المدني الإسرائيلي، حتى لو كان أصحابهم أنفسهم يجدون صعوبة في الاعتراف بإسرائيليتهم ويصرون على عرض انفسهم كعرب فلسطينيين أقحاح.
حنين الزعبي، جمال زحالقة، احمد طيبي وعودة ـ وبالتأكيد عندما يتحدثون بالعبري ـ لا يؤثرون جدا على الخطاب العربي العام ولا على وضع الفلسطينيين في المناطق؛ ولكنهم يساهمون مساهمة حيوية في تصميم المجال المدني الإسرائيلي كمجال متعدد الاصوات، تعددي وديمقراطي أكثر. يمكن إلا نتفق مع ارائهم وقراراتهم، ان نجادلهم وان نغضب منهم. ولكن في فهم التجربة الدينامية للإسرائيلية، لا يمكن إلا نراهم إسرائيليين اصيلين. ومحاولة تخيلهم كفلسطينيين مقموعين وعديمي الحقوق المدنية ـ القومية، والتوقع بأن يتصرفوا مع الدولة اليهودية مثل عباس ورجال السلطة الفلسطينية المتعلقين بسلطات الاحتلال ـ لا تنجح في اختبار الواقع.
هآرتس 10/10/2016