تقرير المعهد القومي الأمريكي للعلوم من العام 2015، الذي حلل سياسة الاعتقال في الولايات المتحدة، يصلح ايضا للواقع الإسرائيلي. في السبعينيات كان في الولايات المتحدة حوالي ربع مليون سجين. وعلى مدى اربعة عقود زاد العدد وتجاوز الحد الخيالي ليصبح مليوني سجين. حوالي 1 في المئة من عدد سكان الولايات المتحدة يوجدون وراء القضبان. ولم يتم تحقيق هدف الردع أو تقليص الجريمة ـ مستوى الجريمة بقي كما هو. ويوصي التقرير بتقليص نسبة الاعتقال.
كيف يمكن تفسير حقيقة أن المجتمع الأمريكي وافق بدون انتقاد على سياسة «الاعتقالات الكبيرة» (كما قال ميشيل فوكو في كتابه «تاريخ الجنون في مرحلة الحكمة»)؟ ألم يخش الأمريكيون من مجيء الشرطة إلى أبواب منازلهم من اجل اعتقال أبنائهم؟ يتبين أن الجواب لا.
نسبة كبيرة من بين السجناء الأمريكيين هم من السود والهسبانيين ـ أكبر من نسبتهم في السكان. الأمريكي المتوسط هو أبيض من الطبقة الوسطى.
ويبدو أنه يعتبر أن سياسة الاعتقالات الكثيرة والمتواصلة غير موجهة ضده ـ بل ضدهم ـ السيئون الذين ليست لهم ممتلكات ويريدون سرقة ممتلكاته.
هذا هو ايضا التفسير الذي أقترحه لحقيقة أنه في سنوات الألفين ما زال عدد من الولايات في الولايات المتحدة تستخدم عقوبة الاعدام. بعد أن أثبت «مشروع البراءة» أن هناك ظاهرة حقيقية تكمن في إدانة أبرياء وأن المطلوب هو الكف تماما عن هذه العقوبة التي لا رجعة عنها. ولكن إذا كانت الاخطاء لا تتركز لدينا ـ نحن الجيدين ـ بل لدى السيئين، فيمكن العيش مع ذلك.
إلى هنا يمكن الجلوس بارتياح والتعالي على الأمريكيين. إلا أنه في إسرائيل ايضا نسبة السجن هي من الاكبر في العالم. هل يتم التعاطي بشكل متساو مع عقوبة الاعتقال؟ في السابق تم نشر ابحاث تشير إلى أن مواطني إسرائيل العرب يتعرضون للتمييز مقارنة مع اليهود حول مدة الاعتقال التي يتم فرضها على من يُدانون. الآن تم نشر معطيات تشير إلى أن العنصرية قوية ومتجذرة في اوساط الجمهور اليهودي ايضا.
حسب المعطيات التي ركزتها النيابة العامة فإن 88 في المئة من الشباب من أصل اثيوبي الذين تمت ادانتهم يتم سجنهم، مقابل 25 في المئة في اوساط باقي السكان اليهود، و45 في المئة في اوساط العرب. أي أن فرصة ارسال الشاب من أصل اثيوبي بعد إدانته إلى السجن هي ضعف الشاب العربي وثلاثة اضعاف ونصف الشاب اليهودي الذي ليس من أصل اثيوبي.
في الوقت الذي لم يتم فيه ايجاد عقوبة بديلة لسجن الخارج على القانون. فبالنسبة للفتية تم الاقرار منذ زمن بضرورة محاولة الامتناع عن السجن. يحتمل أن يسم السجن الفتى كخارج على القانون، وتحقق النبوءة نفسها والمعاناة لن تكون فقط من نصيب الفتى وأبناء عائلته، بل ايضا من نصيب كل المجتمع. من المفضل اعادة تأهيل الفتيان. أين اختفت هذه الحكمة عند الحديث عن فتيان من أصل اثيوبي؟ وحسب المعطيات التي نشرت في الوقت الحالي فإن الخدمة الاجتماعية توصي باعادة التأهيل بدل الاعتقال تجاه 74 في المئة من الفتيان اليهود الذين ليسوا من أصل غير اثيوبي. وتوصي فقط بـ 55 في المئة للفتيان العرب و19 في المئة للفتيان من أصل اثيوبي.
الجهاز القضائي يدعي أنه يقوم بفحص «حجم الخطورة». وهناك ثلاث طرق للتنبؤ بالخطورة: التنبؤ الاكلينيكي (من قبل مختصين مثل اطباء نفسيين وعقليين وباحثين اجتماعيين)، التنبؤ الاحصائي (الذي ينسب اشخاص لمجموعات سكانية وبهذا يزيد من التعاطي العنصري)، والتنبؤ القضائي (مثل تشديد العقوبة ضد المخالفين الذي يكررون المخالفة). إلا أن الابحاث تشير إلى أن القاسم المشترك بين الطرق الثلاث هي أنها فشلت في التنبؤ بالخطورة. لا أحد يمكنه تنبؤ خطورة انسان. على هذه الخلفية بات واضحا أن المواقف العقلية التي تتقاطع مع العنصرية تؤدي إلى أن المجتمع الإسرائيلي يقوم بارسال عدد كبير من أبناء الجالية الاثيوبية إلى السجون بعد أن قام باحضارها إلى إسرائيل.
هآرتس 10/10/2016