من السلطة الرابعة إلى السلطة الأولى إلى اللاسلطة

حجم الخط
1

يعتبر تكريس الصحافة الإلكترونية سلطة أولى «حجمت سلطة السلطة» حدثا وضع حدا نهائيا للممارسات الإعلامية والسياسية المعتادة. وباتت أيضا شعبية هذا النمط الصحافي الآخذ في الانتشار أمرا مفروغا منه، ومعه  القدرة على استشعار شجون الجماهير العربية وتقديمها كما هي. لكن ثمة عنصرا أساسيا آخر يدخل في الحساب وهو مدى تمكن المواطن من محتويات صحافة رقمية فتحت عهدا جديدا لـ»تنظيم سياسي» على إعلام إلكتروني صار على النمط الأمريكي الذي جعله عين الرقيب الاعلى، ينسق مطالب الجماهير. من هنا شعبيته المتمثلة أساسا في تبني الطبقات المتنورة له، بعد أن كانت تبحث لنفسها عبثا عن مساحة للتعبير الحر.  ومتى قارنا مساحة حرية الصحافة الرقمية بالإعلام التلفزيوني الفضائي الذي يعرف تقليديا بتمتعه بأكبر مساحة من الحرية في القطاع السمعي البصري، فإننا نجد أن هذا الإعلام نفسه لا يزال داعما للأنظمة وخاضعا لآليات الرقابة بأقصى درجة! ولا أدل على ذلك من «وثيقة البث الفضائي» التي تحذر من المساس بـ»كرامة القياديين العرب» ما يحيل ضمنا إلى ضرورة الرضوخ لقيود حدث عن صرامتها ولا حرج… مع الأسف، لا يزال الحديث واردا إذن عن «إعلام فضائي حكومي» يستعمل أكثر الطرق التسويقية استهلاكا لعرض وجهة نظر يسلمها لقمة سائغة للمتلقي. أن يرفع النظام يده عن الإعلام تاركا المجال لكلمة الجمهور مشروط بإقامة خدمة عامة غير مملوكة للدولة تتميز باستقلالية في تعيين الأطر تصاحبها موازنة في المستوى وآلية قضائية نزيهة يمكن الرجوع إليها متى اقتضت الضرورة.
لعل أكثر وسائل الإعلام تمتعا بالحرية إذن غير تلك المتوقعة إلى حد بعيد… لكن الوجه الآخر من العملة مطروح أيضا: فهل من حرية حقيقية  لصحافة مطلوقة العنان تماما حتى في وجه من ليسوا من المهنيين؟ أي مصداقية نعطيها لما بات يعرف بـ»الصحافة المواطنة»؟ هل يمكن إدماج  تعليقات فيسبوك أو تغريدات تويتر في حضيرة الصحافة بدعوى أن «العالم تغير» وأن «زمانهم» لم يعد «زماننا»؟ إشكالية الثابت والمتحول مطروحة إذن بالكامل هنا. ولأن الصحافة من الثوابت فهي تواجه أكبر تحدياتها: أقلمة المتحول من دون المساس بروحها.»
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

من السلطة الرابعة إلى السلطة الأولى إلى اللاسلطة

بيير لوي ريمون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية