اثنان يقفان على المنصة. واحدة تتخذ وجه مديرة مدرسة، متشددة، دقيقة، مرشدة، موبخة، مثل منيرفا مكونجل، المعلمة من مسلسل هاري بوتر، باستثناء أنها بدون أعمال سحرية؛ الثاني هو الأب المعربد الذي يهدد بتفجير المدرسة. خطواته دبية، مهددة؛ وجهه يعبر عن اشمئزاز، لغته هزيلة؛ كما انه أزعر سيء المزاج ودوما ضحية. القوة التي تنبع منه رادعة، ولكنه ليس عديم الكاريزما. هو من نوع الاشخاص الذين يخرجون من الآخرين ما فيهم من شر. إذا كانت هي منيرفا مكونجل، فهو لوسيوس مالفوي.
اذا كان هذا يبدو لكم التركيبة اللازمة لبرنامج واقعي تلفزيوني من النوع المتدني، وليس منافسة على زعامة العالم الحر، فهو بالفعل هكذا.
يجدر بنا العودة لتذكير القارئ الإسرائيلي بأنه ضيف غير مدعو لهذا الاحتفال. فليس لنا يتوجه ترامب وكلينتون. ويجدر العودة إلى تذكيره بأن هذا ليس برنامج مسابقات من يجيب فيه على الاسئلة بالشكل الافضل هو الذي يفوز، بل هو خطوة تسويقية مركبة، أعدتها فرق من الخبراء في الطرفين. فهما يبدوان وكأنهما يتنافسان الواحد مقابل الآخر، أما عمليا فهما يتنافسان كل واحد مع جمهوره المستهدف. إحدى الجمل الهادفة التي خلفها الراحل شايكا اوفير تقول ان «في المناجاة (المونولوغ) يتحدث المرء مع نفسه، أما في الحوار (الديالوغ) فيتحدث فيه اثنان كل واحد مع نفسه». كان هذا هو جوهر الحوار بين كلينتون وترامب في المواجهة.
الموقع المعتبر «بوليتيكو» قرر أمس بأن هذه كانت «المواجه الأبشع في التاريخ الأمريكي» ـ تاريخ يمتد 56 سنة، إذا بدأنا الاحصاء من المواجهة التلفزيونية الأولى، بين كندي ونكسون. آخرون بلغوا بغضب لا حيلة فيه عن المواجهة الاكثر شرا، الأكثر دناءة، الأكثر كذبا. يخيل أنهم أخذوا العدوى من ترامب الذي حمل كل جملة له بـ «الأكثر»: الأكثر فظاعة، الأكثر رهبة، الأكثر حجما.
مشوق أن نتابع تغطية حملة الانتخابات في التيار المركزي للإعلام الأمريكي: الكثير جدا من العواطف. وحتى أكثر المحللين وعيا يخرجون عن أطوارهم. معظمهم يمقتون ترامب ويشعرون بالذنب على مساعدتهم له الوصول إلى هذا الحد؛ بعضهم يمقتون الكلينتونيين. احد منهم لا يبقى غير مكترث.
كلينتون تحسن في إعداد واجباتها. عشية المواجهة الاولى كانت مشكلتها الاكبر هي صورة المرأة التعبة، المريضة، المثيرة للشفقة، والتي استندت بالاساس إلى الفيلم الذي وثق غيابها عن الوعي في مناسبة 11 ايلول/سبتمبر في نيويورك، وبالطبع، إلى ما قاله عنها ترامب. فقد أثبتت نفسها، حيوية، مقاتلة، فحولت وجهة الزخم.
إلى المواجهة الثانية جاءت بقرار للتوجه إلى قطاع واحد لا يزال حسب رأي قيادتها منفتحا على التأثير ـ النساء البيض في الضواحي. في الساعات التي أجريت فيها المواجهة بثت بالتوازي مباراة بين فريقي الفوتبول الأكثر شعبية في الولايات المتحدة ـ نيويورك جينترز وغرين بيه براكس. الرجال البيض في البلدات وفي الضواحي كانوا يشاهدون المباراة من على الشاشة الكبيرة في البيت، اما النساء فكن يشاهدن المواجهة من على الشاشة الصغيرة. كلينتون تحدثت إلى النساء. وحولت قسما كبيرا من أجوبتها لتكون برنامجا لربات البيوت. هي، التي حرصت دوما على أن تعرض نفسها كواحدة من الشباب، عضوا في الغرف الحربية، أصرت فجأة على تفصيل انجازاتها في التشريع الذي يخفف عن عملية تبني الاطفال، الموضوع الذي لم يطرح حتى اليوم في حملة الانتخابات. أنا واحدة منكن، قالت للناخبات في الضواحي. يسرني ان تصوتن لي. إذا كان صعبا عليكن، فعلى الأقل لا تصوتن لهذا المزاجي، كاره النساء، الذي ينفخ من خلفي.
أما ترامب فجاء إلى المواجهة الثانية كي يوقف النزيف. ظهوره الحازم، المليء بالثقة بالنفس، دفن المؤامرة التي نسجت في المؤسسة الجمهورية للعمل على تنحيته. وبهذا المفهوم فقد نجح. ولكن مشكوك أن يكون أقنع مترددا واحدا، او مترددة واحدة، بالتصويت له ومشكوك أن يكون شطب عن جدول الاعمال الأشرطة المليئة بالفظاظة من الماضي. ربما العكس: فقد نجحت كلينتون في أن تخرج منه قولا واحدا لم يقصد على ما يبدو أن يقوله ـ في انه إذا انتخب سيحرص على ادخالها إلى السجن. وقد عزز هذا القول الاحساس بأن الحديث يدور عن رجل عنيف، مناهض للديمقراطية، عديم التحكم بالذات، لا يعرف ما هو المسموح للرئيس عمله وما هو محظور عليه. المؤيدون المؤكدون صفقوا، ولكن هؤلاء كانوا يعتزمون التصويت له في كل الاحوال.
كان يمكن لكلينتون أن تهنأ أساسا بما لم يحصل في المواجهة. فهي لم تشعر بسوء، لم تضطر إلى المساعدة، لم تتعثر في لسانها. كل من يتصدر المواجهة السياسية يخاف قبل كل شيء من هذا. أما ترامب فأراد ان ينقل واجب البرهان اليها، إلى الاخطاء في معالجتها للرسائل الالكترونية، إلى قضية بنغازي، إلى الازمات في أمريكا اوباما، والى قضايا زوجها الجنسية. أما هي فلم تنجر في ظل اظهار مثير للانطباع لقدرتها على التحكم بالنفس. وكلينتون علق مع الاشرطة.
يحتمل أن تدير هذه المواجهة أقدام مزيد من الشباب عن صندوق الاقتراع. فهم يمقتون بقدر متساوٍ ترامب وكلينتون على حد سواء. من ناحية ترامب، حتى هذا إنجاز.
يديعوت 11/10/2016