تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: في ظلّ مركزية الأنشطة الثقافية في تونس العاصمة وضواحيها، وضآلة فاعليتها الإبداعية، وضعف تأثيرها الاجتماعي، واختصاصها بأسماء من المثقّفين والكَتَبَةِ معلومةٍ يصدق فيهم قول المسيح: «احْذَرُوا مِنَ الْكَتَبَةِ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ الْمَشْيَ بِالطَّيَالِسَةِ، وَيُحِبُّونَ التَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالْمُتَّكَآتِ الأُولَى فِي الْوَلاَئِمِ» (لوقا، 20).
تحرّكت مُدُنُ الهامش الثقافي التونسي، مدُن الدواخل المنسية ما قبل الثورة وما بعدها، وراحت تنحت صخرةَ إبداعها بجهود مادية محدودة، آلتُها الوحيدةُ هي عزيمةٌ صادقةٌ على تأسيــس فعل ثقافيّ أصيل لا تعنيه الشـــعارات، وإنما غايةُ غاياته أنْ يُحرّك سواكن المبدعين ويحفزهم لأنْ يكونوا مشاركين في صناعة مجد الكتابة والفن في تونس.
وفي هذا الإطار أُقيمت خلال الفترة الممتدة من 7 إلى 9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري في مدينة قابس (الجنوب الغربي للبلاد التونسية) الدورة الرابعة من المهرجان الدولي للقصيدة العمودية، الذي تُنظّمه جمعيّة الصالون الأدبي بالتعاون مع المركز الجامعي للتنشيط الثقافي والرياضي، تحت شعار «قوافي زمان بين التذكُّر والنسيان» بجهود شبابها الشعراء أمثال سفيان المسيليني وحسين زغباني. وهي دورة شهدت حضور شعراء من 15 دولة عربية نذكر منهم مضر الألوسي ونجاح العرسان من العراق، ومحمد تركي حجازي من الأردن، ومحمد الجلواح وحسن عبده الصميلي من السعودية، وعبد الملك بومنجل وأحمد صلاي وفاتحة المعمري ونوال يتيم وحنين عمر ومحمد باكير من الجزائر، وراوية جراد وفاطمة عكاشة وأحمد زعبار من تونس، وسهام سلمة ونسرين دويكات وحنين الكرمي وسلوى الطريفي من فلسطين، وأسيل سقلاوي من لبنان، ومحمد شنوف من المغرب، وأدي ولد آدبه وصدف أحمياي فال من موريتانيا، ونايف الهريس من الإمارات، وتعذّر حضور شعراء من مصر لأسباب خاصّة.
أشرف على افتتاح هذه الدورة المنجي ثامر محافظ قابس بمعية مندوب الثقافة فيها محمد الدغسني، وتوزّعت فعالياتُها على ثلاثة أنشطة مختلفة المضمون ومؤتلفة الغاية، اختصّ النشاط الأول بالجانب الإبداعي وتضمّن قراءات شعرية ومسابقة في الشعر ومعرضا للكتب وآخر للخط العربي وقراءات شعرية للناشئة وعروضا مسرحية محلية وأمسيات موسيقية أحيتها فرقة الفنان الصادق العمري.
واختصّ النشاط الثاني بالجانب الفكري عبر تقصُّدِ البحثِ في مسألة هويّة الشعر العربي القديم ضمن ندوة علمية بعنوان «الشعر والهُويّة» انتظمت في أحد فضاءات المعهد العالي للغات في قابس. ومثّلت السياحة النشاط الثالث من هذه الدورة، حيث اطّلع الضيوف، ضمن مسار سياحي مائز شمل مناطق مطماطة والزّارات وشنني وشوارع قابس المدينة، على أهمّ تراث هذه الجهة التاريخيّ والثقافي، وتمتّعوا بجمال غابات نخيلها ورُمّانها، وزاروا أسواق حِنّائها، وجلسوا إلى الناس في مقاهيها العتيقة حيث كرم الضيافة وصفاء السريرة وفطنة الفكر وكثرة الاهتمام بالشعر العمودي واللهجيّ وبالفن الأصيل عموما.
وفي اختتام هذه الدورة تمّ الإعلان عن الفائزين بمسابقة القصيدة العمودية التي تنافس فيها أربعون شاعرا من اثنتيْ عشرة دولة عربية، وقد نال العراقي مضر الألوسي الجائزة الأولى، ونال الجائزة الثانية مواطنه الشاعر نجاح العرسان، وتحصّل الشاعر السعودي حسن عبده صميلي على الجائزة الثالثة.
ولمزيد تعرّف تفاصيل هذه الدورة سألت «القدس العربي» الأستاذ أحمد زعبار، وهو شاعر وإعلامي من قابس مقيم في لندن، حول دور الفعل الثقافي في تثوير سكونية الواقع، فأجاب بالقول: «إنّ الثقافة هي الدعامة الصلبة لكلّ ثورة، بل هي سبيل الناس إلى تجاوز فوضى الواقع ودليلهم إلى غاياتهم، وإنّ بلادا لا تراهن على استثمار طاقاتها الثقافية لن تجد سندا لها في هذا الغليان العولمي تتكئ عليه وتحمي به هُويتها الوطنية، بل إنّ المثقّفين عبر أزمنتنا البشرية مثّلوا لشعوبهم منارات هادية إلى سبيل الخروج من أزمات الواقع، وكانوا لمجموعاتهم الاجتماعية القوّةَ الرمزيةَ الضامنةَ لوحدة ضميرهم الروحيّ، ولذلك فإنّ من أهداف هذا المهرجان تأصيل الفن الشعريّ العربي، بوصفه بالنسبة إلى العرب ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون، على حدّ عبارة ابن سلام الجمحي».
وفيما يلي مقطع من قصيدة «راية السماء» للشاعر العراقي مضر الألوسي الفائزة بالجائزة الأولى للقصيدة العمودية: «أعد انتظاري، من سنين أطرقُ- ماتت مواعيدي، وبَابُكَ مغلقُ/ مازلت أنتظر الجواب وأنتَ- خلف الباب من عين الغياب تُحَدِّقُ/ هل في سلال الصبر رؤيا يوسف- أخرى تقص عليّ ما لا أصَدِّقُ/ هل في نوايا الليل صبح آخر- يهذي وشمس عروبة لا تُشْرِقُ/ ماذا تبقى من خرافة أنَّك- الفردوس ألاّ نجوع ونُحْرق».