ثلاثة عراقيين يحصدون جوائز ابن بطوطة لأدب الرحلات هذا العام

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: حصد ثلاثة عراقيين جوائز ابن بطوطة لأدب الرحلات هذا العام من مجموع ثماني جوائز، هذا ما أعلنه المركز العربي للأدب الجغرافي الذي أسسه ويشرف عليه الشاعر الإماراتي محمد السويدي، ويديره الشاعر السوري نوري الجراح.أسماء الفائزين بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة 2016 التي يمنحها كل عام في سياق مشروعه «ارتياد الآفاق»، وهو يعنى بأدب الرحلة والتدوين الجغرافي والأسفار. وهذا العام فاز بالجائزة في فروعها المختلفة كتّاب من السعودية وفلسطين والمغرب والجزائر والأردن وثلاثة عراقيين.
فقد نالت الروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمي جائزة «الرحلة المعاصرة- سندباد جديد» عن كتابها «مدني وأهوائي- جولات في مدن العالم» وحصد فالح عبد الجبار جائزة فرع الترجمة عن ترجمته لكتاب غوته «رحلة إيطالية 1786- 1788»، في حين حصد شاكر لعيبي جائزة فرع «نصوص الرحلية المحققة»، عن تحقيقه لكتاب «رحلة أودلف في القرن العاشر الميلادي».
هذه الرحلات الثلاث كانت ثماراً لجهود سنوات من العمل، فقد جالت لطفية الدليمي مدناً عديدة لتتمكن من إنجاز كتابها هذا، وهو ما تحدثت به لـ»القدس العربي»، مبينة أن هناك مدناً كثيرة تلك التي سافرت إليها أو وجدت نفسها فيها لسبب أو لآخر، وتلك التي حلمت بها ثم اكتشفتها وكتبت عن ملامحها الثقافية ومعطياتها التي تنير العقل وتشير إلى مفردات فكرية أو حضارية أو قضايا في الفن والأدب، وقد أهملت مدناً كثيرة لم تدون كشوفها عنها ربما ستدونها في كتاب رحلة لاحق.
وتضيف الدليمي: كنت- وأنا صبية صغيرة- مولعة برسم الخرائط وعاشقة لدرس الجغرافيا، وكنت أحصل على درجة كاملة لم تنقص يوماً عن معلوماتي الجغرافية ورسمي المتقن البارع لخرائط البلدان، فلم تكن الخريطة مجرد رسم محدد بالألوان والعلامات والمصطلحات؛ كانت بالنسبة لي عالماً نابضاً بالحياة والرؤى والأحلام والبشر والكائنات، أترحل فيها وأحلم وأكتشف وأخترع مدناً لا وجود لها، ولمحت إلى هذا في بعض تفاصيل مقدمتي لكتابي «مدني وأهوائي»؛ فالمدن بالنسبة لي قصائد المخيلة الإنسانية وأناشيد العشق– مدن تغوينا ونمّر في مستحيلاتها ونكون من عشاقها أو صناع حكاياتها، وكل مدينة قصة غواية، وكل خريطة ترنيمة انخطاف، لا حدود تقام بين فيوض الجمال وقصائد الخيال التي تسمّى مدناً، في غفلة من تدابيرنا تحاول المدن اختطافنا أو إقصاءنا أو تعذيبنا وما علينا سوى الوثوق بأحلامنا وحكايات عشقنا والتثبّت من رؤانا، إن صادرتنا المدن أو طاردتنا فنحن في تحدٍّ لاسترداد حريتنا في الحالتين، نقترح خرائط أرواحنا في أقاصي الخطر وفي أحضان المدن الغريبة حين يطاردنا أو يأسرنا المعنى المغاير لحقيقتنا.
وتبين الدليمي في حديثها أنه في هذا الكتاب تحضر مدن كثيرة: دمشق وبيروت والإسكندرية وكرمنشاه وهمدان وطهران وإسطنبول ولندن ومانشستر ومدريد وبودابست ولاس بالماس في جزر الكناري وفرانكفورت ونيقوسيا وليماسول ولارنكا وباريس وغرينوبل وبيرن وزيوريخ… في كل مدينة ثمة كشف ثقافي حفزها للكتابة؛ فلم تمر بها مرور السائح العابر، بل المنقب الباحث عن قيمة ثقافية معينة لكل مدينة.
لكن، كيف تمكنت الدليمي من الجمع بين أكثر من رحلة في كتاب واحد.. لاسيما أن لكل مدينة خصوصيتها وسرودها؟ وفي هذا تقول إنها لم تتبع سياقاً زمنياً تتابعياً في التدوين؛ إذ كانت المدن وخزينها الثقافي تفيض مثل الرؤى والأحلام المتحققة وتندرج في النص ملقية بظلال أناسها وشواخصها بين يديها، و»سبق لي أن دوّنت ملاحظات وإشارات أساسية وأفكاراً عن تلك المدن في أوقات مختلفة، لكنني كتبت القسم الأكبر عندما وضعت تصوري الكامل للكتاب وحددت خطة العمل وطريقة السرد وعملت على المشروع بلا توقف حتى اللحظة التي أحسست بضرورة التوقف عند نقطة معينة؛ فعشت رحلاتي مرتين: مرة في الحقيقة على الأرض مع ما فيها من مكابدات ومتع ومشقات سفر، وأخرى في استعاداتي الذهنية الممتعة لها».
أما عن التقنيات التي اشتغلت الدليمي عليها لكتابة رحلات، فتشير إلى أن ثمة فكرة تخص أهواءها ككاتبة وامرأة تحلم بما تعده مستحيلاً وتصنع منه مادة وجود؛ موازية لوجودها الحقيقي، طرحتها في مفتتح الكتاب، وهي التي أفضت إلى اختيار تقنية سردية للرحلات وانتظمت رؤى ترحالها بين المدن وكانت الخيط السري الذي ربط بين هذه الإضمامة المتباينة من مدن الشرق والغرب، وبهذا وحّدت بين خرائط حلمها وخرائط المدن التي أغوتها، «رافقتني تلك الفكرة التي أعدها ضرباً من مغامرة جامحة وهوىً من الأهواء التي يتعذر البوح بها في حياتنا اليومية وساندتني في اكتشاف نفسي والعالم معاً في المكان والزمان المتغيرين، وأنا أدون رؤاي وكشوفاتي الشخصية التي أغنت تجربتي الإبداعية وانعكست على كثير من قصصي ورواياتي».
عرفت لطفية الدليمي كقاصة وروائية ومترجمة، وربما كان لهذا تأثير على أسلوبها في الرحلة، وهو ما تؤكده من أن النفس القصصي والروائي كان يبرز بين حين وآخر في ثنايا السرد الوثائقي ليمنحه أسلوباً جمالياً قادراً على إيقاظ المتعة في جوهر المعلومة الثقافية والفكرية، «على أني كنت أعمد إلى تغليب التوثيق وتدوين المشاهدات والأفكار والإحالات الثقافية وأقدمها من وجهة نظر سارد عليم عاش التجربة بذاته وأعاد سردها بعد مغادرتها. صحيح أن كتابة كتب الرحلات تميل في الغالب إلى التدوين الوثائقي لكنها تنطوي على جانب مهم جداً وهو الجانب السيري، وتغتني الوثيقة والسيرة إذا ما تمازج معها النفس الروائي؛ فعندما تقدم على وصف أوبرا أو تتحدث عن كتاب ما أو معرض فني أو مقطوعة موسيقية أو فكرة فلسفية ما لا يكفيك أن توثق الأمر بطريقة تسجيلية بحتة- كالكتابة الصحافية- بل عليك أن تضخ فيها روحاً نابضة بالحياة عبر أسلوب السرد والمفردات والإضاءات المتعددة، وأظنني لو أقدمت على كتابة كتاب رحلات ثانٍ عن البلدان والمدن التي لم أدرجها في هذا الكتاب فسأكتب بأسلوب أقرب إلى الرواية التوثيقية من دون إغفال للآفاق المدهشة والمعطيات الجمالية والمعرفية التي تزودك بها الرحلات في البلدان المختلفة».
وفي حديثه عن ترجمته لكتاب رحلة غوته إلى إيطاليا، يفتتح فالح عبد الجبار كلامه بقوله: ترجمت النص الإنكليزي الذي كان بتحرير الشاعر أودن: «شاعران في نص واحد: مسرة للعين». ويضيف عبد الجبار، كانت مصادفة سعيدة أن أحظى صيف عام 2000 بإجازة غير مقصودة أتاحت لي الالتقاء مجدداً بنص لغوته، والأكثر من ذلك أن يطلب مني محمد السويدي، الأديب وعاشق أدب الرحلات ترجمة كتاب: «رحلة إيطالية» فقبلت على الفور بشغف الحب الأول.
مبيناً أن غوته كان من قراءات شبابه الأول: روايته «آلام فيرتر»، ومسرحيته «فاوست»، ثم نصوص من الديوان الشرقي.. «لا أتذكر أسماء المترجمين في ذلك العصر الذهبي للترجمة العربية، لكن امتناني لهم لن ينضب». فغوته شاعر وروائي ومسرحي.. ذات يوم اكتشف عبد الجبار أنه فنان تشكيلي أيضاً يوم طلب منه الفنان جبر علوان أن يقدم له معروفاً بترجمة كتاب فريد لغوته «فلسفة اللون»، ولم يتسن له أداء هذا الجميل، على حدِّ قوله. ويرى عبد الجبار أنه عبر صناعة الكلام اتسع فضول غوته المعرفي إلى الجيولوجيا وعلم النبات والفيزياء. وكان شغفه المعرفي والإنساني متعطشاً دائماً إلى المزيد، غير أنه في هذا الكتاب يروي غوته رحلته إلى إيطاليا، فنجده هائماً في محراب الفن والأدب، في معمار الكنائس وغرائب السلوك، ببركان فيزوف، كما بالمحتال الإيطالي الذي خدع ماري انطوانيت وصائغ مجوهرات بفضيحة قلادة الماس التي أسهمت في سقوط رأس مليكها لويس السادس عشر إلى جوار رأسها. إنه باحث أبدي عن الجمال.. هذا المعلم يقول لنا ببساطة أن الشعر بحاجة إلى كل المعارف الممكنة، مثلما يقول إن كل معرفة تبقى عرجاء إن لم تنفتح على كتاب الحياة بأسرها. لعل هذا ما حدا بالألمان إلى ابتكار عبارة: غبي الاختصاص، إشارة إلى ذاك الذي يحصر همه في فرع صغير من الأدب أو العلم فيسقط في فخ التسطيح.. «سعادتي بترجمة الكتاب شخصية تماماً. فالترجمة هوايتي لا هويتي، لكن البحث لا يثنيني عنها بين فاصلة وأخرى».
بين التأليف والترجمة، يكشف الشاعر والمترجم والمحقق شاكر لعيبي عن تحقيقه لرحلة أبي دلف: مسعر بن مهلهل الخزرجي الينبوعيّ 942- 952، إذ يقول إننا نعرف لأبي دلف رحلتين اثنتين، أو رسالتين، الرسالة الأولى والرسالة الثانية. لم يُنشرا أبداً في كتابٍ واحد يضمّهما كليهما، وهو ما فعله. الرسالة الأولى، وهي رحلة إلى الصين والهند. حُققتْ ونُشرتْ باللغة العربية مرّتين: المرّة الأولى في كتاب عنوانه «تحقيق المخطوطات بين النظرية والتطبيق» لمُؤلِّفَيْهِ فهمي سعد وطلال مجذوب، عن عالم الكتب، بيروت عام 1993. والنشرة الثانية للرسالة الأولى قام بها مريزن سعيد مريزن عسيري تحت عنوان «الرسالة الأولى لأبي دلف مسعر بن المهلهل الخزرجي: دراسة وتحقيق»، صدرت عام 1995 عن جامعة أم القرى في المملكة العربية السعودية، وهو تحقيق جادٌّ أيضاً إلى حدّ كبير.
أما الرسالة الثانية حسب لعيبي، فهي رحلة إلى آسيا الوسطى وأرمينيا. نشرها وحقّقها بطرس بولغاكوف وأنس خالدوف، ترجمها وعلّق عليها محمد منير مرسي وصدرت في مصر عن عالم الكتب القاهرية عام 1970 بعنوان «الرسالة الثانية لأبي دلف» استناداً إلى مجموع مشهد سالف الذكر. لكن هذا العمل العربيّ الذي يُترجم كتاباً صادراً في موسكو عام 1960 كان قد سبقه في الحقيقة عملٌ أساسيّ آخر قبل خمس سنوات لمينورسكي صدر بالإنكليزية عن جامعة القاهرة عام 1955. في البدء قام مينورسكي باستخراج ما في معجم ياقوت الجغرافيّ من مواد لأبي دلف من أجل أبحاثه الشخصية وما كتبه من مقالات لصالح دائرة المعارف الإسلاميّة، كما كتب مقالتين عن «الرسالة الثانية» لأبي دلف. اتسمت طبعة مينورسكي القاهرية على ما يقول بطرس بولغاكوف وأنس خالدوف «بكل الدقة والترتيب التي تتسم بها أعمال مينورسكي العديدة. وإن معرفته الواسعة وخبرة عمله الطويل في ميدان الجغرافيا التاريخية لقارّة آسيا مكّنته من عمل تعليق قيّم. ويتكوّن هذا العمل- على حسب الطريقة العامة المتبعة في طبع أو نشر الآثار المكتوبة- من مقدمة والنص العربيّ والترجمة والتعليق ثم الدليل. والنص بأكمله والترجمة والتعليق مقسمة إلى 72 فقرة. وهناك كثير من الأخطاء في النص الإنكليزيّ وكذلك بعض الأخطاء والكلمات الساقطة في النص العربيّ بما يَخْرج عن الحدود المرعيّة في الطباعة.

ثلاثة عراقيين يحصدون جوائز ابن بطوطة لأدب الرحلات هذا العام
الدليمي عن التأليف وعبد الجبار عن الترجمة ولعيبي عن التحقيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية