الثقافة العربية وتأملات على هامش «الرحلة الثامنة» لجبرا إبراهيم جبرا

حجم الخط
0

حين وضع جبرا إبراهيم جبرا كتابه «الرحلة الثامنة» كان مسكوناً بالرغبة في تعديل المزاج العربي الرافض آنذاك لأي تجديد يمكن له أن يقوض التقاليد الإبداعية، أو قيم المألوف في الثقافة العربية.
ومما يلاحظ أن جبرا كان – على ما يبدو- حاد المزاج، وهو يخاطب في كتابه حراس التقليد، فالرجل الذي اختبر الغرب وعرفه، استطاع أن يلتقط إيقاعاً جديداً للثقافة العربية التي كانت تعاني من مخاض التحولات ورفض التجديد، وكأن ثمة رفض للطارئ، أو كأن العقل العربي يخشى الجديد… فهو يخاف من مغادرة ما اعتاد عليه، أو بعبارة أخرى ما حققه جيل ما من التميز والريادة. ولعل هذا منزع بشري ينهض على الإحساس بأن العصر الذي كنت سيده لم تعد تمتلك فيه وجوداً، وبأن ثمة آراء جديدة، ولهذا ينبغي التشويش على أي مسعى يمكن أن يطيح بمنجز استقر وتمكن، وعلى الرغم من ذلك، فإن الزمن الذي نعاينه حالياً يختلف تبعاً لتغير هيكلية تشكل الثقافة التي لم تعد حكراً على طبقة من المثقفين والمتعلمين، إذ لم تعد قيم التعبير محصورة في النموذج الخطابي المؤسساتي، أي مؤسسة الثقافة، سواء أكانت أكاديمية أو نخبوية، أو حتى إعلامية، وبذلك لم تعد المواجهة أو الصراع قائماً بين تياري التقليد والتجديد، كما لم تعد هنالك إشكالية للبحث في التنظير الفكري لعملية التجديد، وسياقات نشوئها تبعاً لتحولات تطال البنى الاجتماعية أو السياسية، كما ناقش جبرا إبراهيم جبرا في كتابه، حيث ربط حركة التجديد في الشعر بتحولات الفن في العراق، علاوة على أثر مفردات الحداثة كالتلفاز والراديو والسينما، وأخيراً الفعل السياسي مجسداً في نكبة 1948، وهذا أتى بالتزامن مع محاولة توصيف العثرات النقدية، والتوظيف الملتبس لمصطلحات النقد، ومنها الشعر الحديث أو الجديد، بالإضافة إلى الشعر الحر وقصيدة التفعيلة وأخيراً قصيدة النثر.
وهنا يتسلح جبرا بمعرفته المعمّقة بالثقافة الإنكليزية التي اختبرها إبان وجوده في إنكلترا، كما لتبحره باللغة الإنكليزية. لقد انطلق جبرا من رغبته بتصحيح القصور المعرفي أو المنهجي بمعنى الحداثة، كما كان يرغب أيضاً بتوفير مرجعيات للتحول من حيث توفير أدوات جديدة للشعر العربي، ومنها الأسطورة والرمز والمعادل الموضوعي، وغير ذلك. لقد كان جبرا يخاطب عصراً لا يمتلك الأدوات الكافية لفهم التجديد والتحول الذي تمرس به الغرب، فلا جرم أن يصف جبرا اطلاع نازك الملائكة على الشعر الإنكليزي بأنه كان مقصوراً على القرن التاسع عشر، وليس العشرين، وبذلك، فإن تنظيرها لم يكن يخضع لإيقاع الزمن المعاصر، وفهم تحولات الخطاب الشعري الإنكليزي الجديد.
يلاحظ أن قيم التطور والتحول في هذا العصر لم تعد تخضع لهذه التراتبية بالتمييز بين التقليدي والحداثي، لقد اختلط الأمر برمته، فأنماط الحداثة وآلياتها المادية، باتت أداة لترويج الأنساق التقليدية والرجعية، ولكنها ليست الأنساق التي تحتفي بفكر كلاسيكي خاضع للمنظور المحافظ فحسب، إنما أضحى تشكيلاً عنيفاً، وبهذا فقد تحولت الثقافة إلى حالة من الاغتراب، حسب التعبير الهيغلي تبعا لتراجع أنماط التنوير والتقدمية، كما أن ثمة انتهاكا للتقليدي بمظهره الثقافي، ولكن نحو تجسيد أو تكريس التقليدي الظلامي، في حين أن تكوينات الحداثة والتطور على مستوى الإبداع والثقافة، بدت تائهة لا تستجيب أو لا يقودها تنظير فكري أو فلسفي، بل تركت لنفسها أن تتحول إلى أداة بيد أنساق تعبير لا تعترف بالفكر، بل تعترف بخطاب الجماهير التي تمارس قسوة ورفضاً للأفكار، كما الاستحواذ، فهي لا تعترف إلا بأوهامها الخاصة، كما أنها نتاج عملية تعليمية، لم تنجب سوى أبجديات التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي والتعليق على الحدث أو النص، وبذلك فهي لا تخضعه لتأملات نقدية حقيقية، وإذا كانت أدوار النقاد قد تراجعت، فإن أدوار الأدب تحولت هي الأخرى إلى ظل لأنماط التعبير الجديد، وبهذا فإن عدم اطلاع نازك الملائكة على نماذج من الشعر الإنكليزي المعاصر، يكاد لا يقارن بما تعاني منه الثقافة الجماهيرية أو النخب الثقافية التي مارست الثقافة بسطوة التبادل النفعي.
في كتاب جبرا إبراهيم جبرا إحساس صادق من لدن مثقف استثنائي، إذ وجد في العالم ما يمكن أن يغير من الثقافة العربية آنذاك، ولهذا فقد شرع في تخطيط معمار كتابه ليقدم لنا نماذج من رؤيته للثقافة التي تتخذ من إطارها الكوني تشكيلاً يتجاوز الأفق المحلي، كما التقوقع في عالم مغلف بأوهام عصور انقضت، لقد كان جبرا مأخوذاً بمدرسة النقد الجديد، والتحليل النفسي، وعالم جوروج أوريل، وهيوم، لقد كان الغرب في تلك الفترة يغلي بالتحولات الثقافية، ولكن الإشكالية المعاصرة، تتمثل بأنه ليس ثمة نموذج صحي يمكن أن يتثاقف معه الشرق، فالغرب سقط بالتقني والمادي، كما أننا غير معنيين بما يجري في عالمنا، كونه بات عالما بلا ملامح لكونه استجاب لتشوهات ما بعد الحداثة، في حين أننا لم نمارس نقدا لتوجيه فهمنا الخاص لهويتنا الثقافية، والأخيرة لا تعني الانكفاء، ولكن تعني تمييز العناصر الخاصة القابلة للتعديل في ضوء منظومة فكرية، أو فلسفية تنتج بفعل الحراك الداخلي للمجتمع، وهنا نتحول إلى تحديد المجتمع العربي الذي أمسى تعريفه من الصعوبة بمكان، ولاسيما مع هذا الكم الهائل من التناقضات العرقية والطائفية والسياسية.
لقد تحول الخطاب الثقافي إلى أصوات ذاتية، تحاول أن تجد لنفسها موطأ قدم في عالم لا يعترف إلا بالنماذج الخارقة، إذ لم يعد هنالك من مشاريع حضارية، على الرغم من أن البعثات العربية التي تتوجه للغرب في زمننا هذا، تفوق في أعدادها ما كان قبل عقود، ولا سيما في زمن جبرا إبراهيم جبرا، فعدد قليل من المثقفين استطاعوا في ذلك الزمن أن يحدثوا تحولاً في الثقافة العربية، ومنهم على سبيل المثال جبرا الذي ترجم أجزاء من كتاب الغصن الذهبي، وما أحدثه هذا الفعل من أثر على الشعر العربي، أو من خلال ترجماته لروائع من الأدب العالمي، أو من خلال كتبه النقدية، كما في رواياته، وتنظيره في الفن، في حين أن هذا العصر مع آلاف من الدراسين الذين يتوجهون إلى الغرب، فإننا لا نجد منهم من استطاع أن يقدم لنا شيئاً، أو يحدث تحولاً ثقافياً، بل على العكس من ذلك، فإن تثاقف الأجيال الجديدة مع الغرب جعلها أكثر انعزالية وتقليدية، وهذا ربما يستدعي منا التأمل في العوامل التي دفعت إلى هذه الردة في الثقافة العربية العاجزة عن إنجاز تصورها الخاص، وخلق نموذج تثاقف صحي مع الآخر، أو حتى مع الذات، وهنا لا بد أن نشير إلى أن مفهوم الإنسانية، أو الأقوال الكبرى يبدو مشوشا في العقلية العربية، فلا نكاد نعثر على وجه للثقافة العربية المعاصرة، ولعل جبرا وصف عصرنا أو صدق في توصيفه على الرغم من أنه كان يقصد عصره، ولا سيما حين تحدث عن الرواية العربية حيث وصف بعض الكتاب العرب في زمنه بأنه لا وجه لهم. لقد أخذ جبرا على عصره بعد رحيل الرعيل الأول من رجال الصحافة ما أصبحت تسارع الصحافة إلى طباعته ونشره بوفرة، مع أنه لا يكاد يحمل شيئا حقيقيا، وهذا يصدق على عصرنا حيث الكتابة تتوفر، ولكن بلا معنى، أو رؤية، ولعل هذا ما يدفعنا إلى القول بأن التقدم نحو الأمام ليس من سمات الثقافة العربية، كما هو حال الربيع العربي الذي لم يأت بجديد سوى إعادة إنتاج منظومة التردي الحضاري، فإشكالية الثقافة العربية تتمثل بأنها تدعي التحدث بما هو كبير، ومهم، ولكنها لا تنتج سوى القدر القليل من الحقيقة، وهنا أختتم بما قاله جبرا ناقلاً عن الناقد الإنكليزي كينث تايتان الذي قال «بأن أقصر الطرق لكتابة عمل أدبي رديء الابتداء بكتابة موضوع كبير، أو هدف عظيم».

٭ كاتب فلسطيني أردني

الثقافة العربية وتأملات على هامش «الرحلة الثامنة» لجبرا إبراهيم جبرا

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية