البعث الشيعي والبعث السني وما بينهما

حجم الخط
8

منبع البعث العراقي والبعث السوري واحد هو حزب البعث الذي تأسس عام1947 في دمشق بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وتوحد مع الحزب العربي الاشتراكي بقيادة اكرم الحوراني عام 1952، وكان شعاره ولايزال أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.
وأهدافه مازالت هي الوحدة والحرية والاشتراكية. وهو ليس شاذا عن قاعدة الحراك السياسي الشعبي والنخبوي السائدة في العالم العربي أثناء وبعيد الحرب العالمية الثانية وما تلاها من نكبة فلسطين وحرب باردة كرست الحث الاستقطابي والحراك الانقلابي شرقا أو غربا، فالأجواء التي انبتت البعث هي ذاتها التي انبتت امين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني وغيرهما من الفاعلين في الساحة القومية وقتها، حتى أن جمال عبد الناصر استعار من البعث شعاره مع بعض التقديم والتأخير، حرية اشتراكية وحدة، وكان القوميون العرب بغالبيتهم المطلقة يتوحدون على مسألة التحرر والوحدة وفلسطين، فلا عجب من أن يجعلها البعث قضيته المركزية، على اعتبار أنها قضية العرب الأولى.
ولم تكن القطرية والطائفية والتنوع الديني والإثني حواجز بين اصحاب هذه الأفكار والتطلعات، وفيما بعد الاحزاب والبرامج والمواقف والسياسات، ميشيل عفلق مسيحي والبيطار سني وصلاح جديد علوي وفؤاد الركابي شيعي وطه الجزراوي كردي وطارق عزيز مسيحي، البعث ربط بين فكرة الوحدة القومية والاشتراكية، مثله مثل حركة القوميين العرب التي أسسها المناضل الفلسطيني جورج حبش عام 1948، وكانت الشرعية الثورية هي أم الشرعيات التي فرضتها بنية الحالة القائمة، والتي كانت يسارية النزعة، فالانقلاب العسكري المتوافق مع الحراك الشعبي والنخبوي والمؤدي الى تغيرات نوعية هو ثورة، وعليه كانت 23 يوليو في مصر ثورة و14 تموز و17 تموز في العراق ثورة و8 آذار في سوريا ثورة وهكذا. وكانت التحالفات الوطنية والقومية عند البعث مشرعة الابواب ابتغاء للاهداف المرجوة، فالنضال العلني والسلمي والانتخابي المتاح على شحته يجب اقتناصه، هكذا كان البعث وهكذا يقول تاريخه، الذي لا يخلو من الفشل والأخطاء والارتجال والعبث، خاصة عندما نجح في مسك مقاليد السلطة، وهنا هو لا يختلف عن الاخرين بدون استثناء، مع فوارق المكان والزمان والامزجة.
لغة الشماتة والثأر والتشفي والإقصاء ومحاولة خلط الاوراق والمغالطات عند من جاء بهم الامريكان والايرانيون لحكم العراق بعد 2003 تجعل من اي متابع محايد يتصف بالموضوعية حتى إن كان مناهضا لاستبداد البعث وعلى طول الخط، كما هو حال كاتب هذه السطور، يخرج عليهم بقلمه وهو أضعف الإيمان ليلعن الساعة التي جعلت من العراق وشعبه اسيرا لدورات دموية صغرى وكبرى ابتدأت بالشرعية الثورية وانتهت بالشرعية «الدم قراطية» والتي لا شرعية حقيقية لها لانها مزيفة، وهي كغيرها تحمل من سبقها سر فشلها، بل تكذب وتكذب حتى يصدقها الناس أو تصدق هي نفسها والثمن الحقيقي يدفعه الناس من أرواحهم تخلفا وقتلا، لأن الماسك بتلابيبهم اكثر سوءا من الذي سبقه، التطرف والغلو والتعصب والعصبية والتلفيق كلها صفات الطائفيين والفاسدين من حكام العراق اليوم، اضافة الى تبعيتهم.
صوت برلمان المنطقة الخضراء في بغداد يوم 30 تموز 2016 على قانون تجريم وحضر حزب البعث والقانون الجديد يحتوي على 18 مادة زبدتها، أن حزب البعث ارهابي تكفيري وعنصري وعليه يحضر ويجرم عمله، وكذلك أي كيان جديد يحمل صفاته. وكما عودنا اصحاب عقدة البعث على ضعف حججهم وصياغاتهم وركاكتهم وتدني لغتهم وتناقضات نصوصهم، فإن قانونهم الجديد لا يختلف عن قانون الاجتثاث الذي أصدره بريمر ومازال يتصدر ديباجة دستورهم غير الدستوري، اذن لماذا هذا القانون؟ هل هو شماعة جديدة يعلق عليها ما سيتبعه لاحقا من إجراءات رفض لتسجيل احزاب جديدة يسمح لها بدخول حلبة الانتخابات المقبلة بحجة بعثيتها؟ أم هو كما اشار أحد ممثلي السنة في البرلمان بأنه خطوة لا بد منها لالغاء قانون الاجتثاث، المساءلة والعدالة، الذي انتفى الغرض منه، حيث تم استئصال كل كوادر الدولة الكفوءة والمتقدمة بذريعة بعثيتها، لكن ممثلي كتلة دولة القانون وعموم نواب التحالف الشيعي يصرحون بأن القانون الجديد يكمل القديم ولا يلغيه! عندما نقرأ مواد القانون الجديد لا نجد توصيفا للبعث المحضور هل هو البعث الصدامي مثلا أو البعث العفلقي أو البعث بمجمله، وإذا كان كذلك اذن كيف يستقيم الامر عندما نجد ميليشياتهم تقاتل الى جانب البعث في سوريا؟ لكننا نجد في المادة الاولى تحت عنوان تعاريف، حزب البعث ـ هو حزب البعث العربي الاشتراكي الذي استولى على السلطة في 17/7/1968، بمعنى أن حزب البعث السوري غير معني بهذا التجريم، فاذا كان الامر كذلك لماذا اذن لا يستثنى بعث قيادة قطر العراق التابع لسوريا، وهو كان أحد احزاب المعارضة لصدام لكنه الحزب المعارض الوحيد الذي رفض الانخراط بالمشروع الامريكي لتحرير العراق من دولته؟
يبدو ان حكام العراق الجديد يعتبرون بعث سوريا بعثا شيعيا وعليه لا غضاضة من الدفاع عنه، لاسيما وأن ولاية الفقيه يتبناه قلبا وقالبا مثلما يرفض قلبا وقالبا البعث العراقي، لانه حزب سني، متناسين أن اكثرية البعثيين في العراق هم من الشيعة، وان اغلب المضحين والمتحمسين منهم من مؤسس الحزب فؤاد الركابي الى علي صالح الساعدي الى نعيم حداد الى هاني الفكيكي الى ناظم كزار الى صباح ميرزا الى اياد علاوي هم من الشيعة، وإن من شكل جحافل القوة البرية التي عاركت جيش الخميني بحرقة هم من شيعة العراق الاقحاح الذين يقدمون هويتهم الوطنية والقومية على هويتهم الطائفية التي يغازلهم بها اليوم شاهات ايران المعممين!
كاتب عراقي

البعث الشيعي والبعث السني وما بينهما

جمال محمد تقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية