قررت المحكمة الاتحادية العليا في العراق، بعد انتظار طويل، زاد على السنة، عدم دستورية قرار رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي بإلغاء منصب نواب رئيس الجمهورية، وهو جاء ضمن حزمة الإصلاحات التي أعلنها العبادي في آب/ أغسطس 2015. كان واضحا حينها ان قرار العبادي كان محاولة للتخلص من خصوم سياسيين يشكلون عقبة في طريق فرض سلطته، وان السيد نوري المالكي كان المستهدف الرئيسي من ذلك، وذلك بسبب منازعته العبادي السلطة، سواء من خلال هيمنته على كتلة دولة القانون، التي أوصلت العبادي نفسه إلى منصب رئيس مجلس الوزراء بعدد محدود جدا من الأصوات (حصل العبادي على 5151 صوتا فقط)، أو من خلال هيمنته على الميليشيات الشيعية التي أعاد إنتاجها منذ منتصف العام 2012، في محاولة من المالكي لاستخدامها في أي صراع شيعي شيعي محتمل، تحديدا مع السيد مقتدى الصدر، أو من خلال سطوته التي بناها داخل المؤسسات المختلفة، بما فيها القضاء، طوال ثماني سنوات.
لقد جاء نواب رئيس الجمهورية الثلاثة (نوري المالكي، وأياد علاوي، وأسامة النجيفي) إلى مناصبهم ضمن صفقة تسمية الرئاسات الثلاثة، وضمن صفقة تشكيل الحكومة، بعد أن حصل ثلاثتهم على الكم الأكبر من أصوات الناخبين (حصل المالكي على 721782 صوتا، وحصل أياد علاوي على 229709 اصوات، وحصل النجيفي على 112551 صوتا). وكان وصولهم إلى هذه المناصب بموجب القانون رقم 1 لسنة 2011، الذي أعطى لرئيس الجمهورية حصرا حق اختيار نائب أو أكثر له، بموافقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة. كما اعطاه الحق الحصري بقبول استقالة نائبه، أو طلب إعفائه على أن يحظى ذلك بموافقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة. وبالتالي لم يكن السيد العبادي يمتلك صلاحية إعفاء نواب رئيس الجمهورية من مناصبهم من الأصل، كما انه لم يكن يمتلك صلاحية إلغاء المنصب إلا بقانون يصدر عن مجلس النواب، فالقانون لا يلغى إلا بقانون. ولم يعمد السيد العبادي، عند إصداره للقرار، إلى الذهاب إلى مجلس النواب بمشروع قانون لتعديل نواب رئيس الجمهورية، او إلغائه، لأنه كان يعلم تماما العلم إنه من الصعب تمرير هكذا قانون.
وقد صوت مجلس النواب من جهته، على حزمة الاصلاحات بضمنها هذا القرار، على الرغم من معرفته بأن قرار السيد العبادي بإلغاء منصب نواب رئيس الجمهورية، غير قانوني، وبالإجماع، وذلك بسبب زخم حركة الاحتجاج الشعبي التي كانت تطالب بهذه الإصلاحات!
وقد اعتمدت المحكمة الاتحادية نفسها على عامل الزمن، لتأخير اتخاذ أي موقف بشأن عدم دستورية قرار العبادي، خوفا من رد فعل الشارع! وقد كانت ضمن المؤسسات التي نقمت عليها حركة الاحتجاج بوصفها جزءا من السلطة القضائية، بسبب كونها مسيسة، والواقع ان هذه المحكمة كانت تتلاعب بعامل الوقت في اصدار قراراتها؛ فبعض القرارات كانت تتخذ خلال أقل من 24 ساعة، كما في قرارها الخاص بتفسير المادة 76 من الدستور بشأن الكتلة الأكبر، الذي منع القائمة العراقية عام 2010 من حق تشكيل الوزارة، ومنحها للمالكي! في حين تأخرت قرارات أخرى تتطلب تفسيرا دستوريا لسنوات، كما في قرارها الخاص بعدم دستورية توزيع المقاعد البرلمانية في انتخابات 2005، والذي صدر أكثر من خمسة عشر شهرا من تاريخ تقديم جبهة التوافق، في حينها، طعنا في التوزيع الذي حرمه من عدد كبير من المقاعد (اقيمت الدعوى في كانون الثاني 2006 ولم يصدر قرار المحكمة الاتحادية إلا في نيسان 2007)، لتقول المحكمة في قرارها بعدم دستورية المادة المتعلقة بتوزيع المقاعد في القانون، من دون أن يمس ذلك بشرعية الانتخابات!
على أن قرار المحكمة الأخير لم يكتف بالتأكيد على عدم دستورية قرار العبادي، بشأن إلغاء منصب نواب رئيس الجمهورية، بل ذهب أبعد من ذلك عندما أشار إلى أن الدستور قد أوجب أن يكون هناك نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية بموجب المادة 69 من الدستور، وان أي إلغاء لهذا المنصب يتطلب تعديلا دستوريا! وهو ما يعني عمليا تأبيد منصب نائب رئيس الجمهورية بسبب تعقيد الإجراءات الخاصة بالتعديل الدستوري! على الرغم من أن المراجعة الدقيقة للدستور ستكشف عن أن المادة 69 لم توجب وجود نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية، فهي تنص بان ذلك «ينظم بقانون، أحكام اختيار نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية»، لاسيما وأن المادة 66 لم تشترط وجود منصب نائب لرئيس الجمهورية، فقد نصت على أن السلطة التنفيذية الاتحادية تتكون من «رئيس الجمهورية، ومجلس الوزراء» دون الإشارة إلى منصب نائب الرئيس، كما أن المادة 75/رابعا كانت أكثر صراحة في عدم وجوب منصب نائب الرئيس عندما نصت على أن يحل «رئيس مجلس النواب» محل رئيس الجمهورية في حالة خلو منصبه «في حالة عدم وجود نائب له»! فلو كان منصب نائب الرئيس واجبا كما قررت المحكمة الاتحادية، فكيف يشير الدستور نفسه إلى إمكانية «عدم وجود» نائب للرئيس!
إن مراجعة قرارات المحكمة الاتحادية على مدى السنوات الماضية يكشف أنها كانت في معظمها قرارات مسيسة، تأتي لخدمة الفاعل السياسي الأقوى. هكذا وجدناها تتخذ قرارات متناقضة بين حين وآخر، تبعا لتحولات علاقات القوى! فقد أصدرت المحكمة نفسها، بقضاتها أنفسهم، قرارين متناقضين بشأن الهيئات المستقلة، الأول كان في العام 2006 قررت فيه أن الهيئات المستقلة لا تتبع أي من سلطات الدولة وأنها مسؤولة أمام مجلس النواب، في حين قررت في 2011 أن الهيئات المستقلة يجب أن تتبع السلطة التنفيذية وقد كانت هذه ارادة رئيس الوزراء حينها (المالكي)! وفي قرارها الخاص بأن مجلس النواب لا يمتلك صلاحية تقديم مقترحات قوانين من دون موافقة الحكومة في عام 2011 إنفاذا لإرادة المالكي، ثم نقض هذا الأمر عام 2015 عندما أعادت لمجلس النواب حقه في تقديم مشاريع قوانين!
إن قرار المحكمة الأخير، المسيس في توقيته، والمسيس في محتواه، إنما يعيد إنتاج شخصيات نواب الرئيس الثلاثة سياسيا، وبوجه خاص المالكي، بما يتيح لهم استعادة نفوذهم على اعتاب انتخابات مجالس المحافظات! كما أن ربط إلغاء هذا المنصب بالتعديل الدستوري، يعني تقويضا للعبادي، أو لمجلس النواب، بإلغاء هذا المنصب او تعديله.
على أن ثمة ناتجا عرضيا، تسبب فيه قرار المحكمة الاتحادية، تمثل في رجوع السيد أسامة النجيفي إلى المشهد، الرجل الذي يشكل مع أخيه أثيل النجيفي، الوجهين السياسيين الأكثر تأثيرا في الموصل، والوجهين الأكثر معارضة لمشاركة الميليشيات في معركة الموصل، ولبعض الخرائط المعدة لمرحلة ما بعد داعش وليس جميعها! وكلاهما حليف مقرب من تركيا، وكلاهما مسؤولان عمليا عن معسكر زيلكان في بعشيقة، وعن ميليشيا «الحشد الوطني» الذي تدربه القوات التركية. وهو ما سيكون له تأثيره الواضح فيما يتعلق بالأزمة القائمة اليوم بين الفاعل السياسي الشيعي في العراق وتركيا حول وجود القوات الاخيرة في العراق!
٭ كاتب عراقي
يحيى الكبيسي