بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: القدر وحده من تمكّن أن يجمع بين فوز المغني وكاتب الأغاني والملحن الأمريكي بوب ديلان بجائزة نوبل للآداب 2016 ورحيل الكاتب والمسرحي الإيطالي داريو فو الحاصل على نوبل للأداب عام 1997 في اليوم نفسه، فالاثنان اهتما بالشارع وبتحولات المجتمع الذي يعيشان فيه، ومن ثمَّ كان فنهما متغيراً بتغير هذا المجتمع، فقد عُرِف فو، الذي رحل عن عالمنا يوم الخميس عن عمر يناهز الـ90 عاماً قضاها في صخب المسرح والشوارع التي قدم فيها أعماله، بأنه أكثر كتاب المسرح الإيطالي شعبية، فمعظم مسرحياته تعكس التوترات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العميقة منذ سقوط النظام الفاشي في إيطاليا- حسبما يقول الكاتب عصمان فارس- الذي يضيف بأن جميع مسرحياته عبارة عن اسكيتشات وكولاجات وسيناريوهات عروض مسرحية سريعة، نتيجة استجابات لحوادث سياسية معاصرة، وأغان شعبية وقصائد ومقالات تهكمية. فمسرح فو ومنهجه النقدي كان لكل الأوضاع الشاذة داخل المجتمع، وخصوصية فنه المباشر ونمنماته التي يدعو فيها لتغيير المجتمع الإيطالي، الذي عرف بانتشار القتل والخطف والسلب التي كانت تقوم بها مجموعات يمينية مدعومة من المؤسسات الفاشية ووكالة الاستخبارات الأمريكية، على حدِّ قوله، وعلى ضوئها تحصل حملة اعتقالات لكل الأبرياء.. أفكار فو هذه كانت فاتحة مهمة لتقديم مسرحية «موت فوضوي». ومن ثم فكل كتابات داريو فو عبارة عن نثر درامي قريب من اللهجة العامية، فضلاً عن أن حواراته كانت مفعمة بالإيقاع الداخلي.
ولد فو في ليجونيو- سانجيامو في إيطاليا، وتلقى تعليمه في الفنون الجميلة والعمارة في مدينة ميلانو الإيطالية، ولكنه ما لبث أن اتجه للمسرح. وكانت بدايته في التمثيل عام 1952. وفي سنة 1959 أسس مع زوجته ريم فرقة قام فيها بدور الكاتب والمنتج والممثل.
ارتبط اسم فو بالحزب الشيوعي الإيطالي فترة من الوقت، وحين انفصل عنه فيما بعد لم يخفت صوته الانتقادي المسرحي للمؤسستين السياسية والدينية في إيطاليا، فقد كتب ما لا يقل عن أربعين مسرحية، شاركته في معظمها زوجته الممثلة الإيطالية فرانكا ريم. ومن تلك المسرحيات «موت فوضوي بالصدفة» 1970، «لا نستطيع أن ندفع.. لن ندفع» 1974. كما اشتهر فو بعروضه الفردية التي من أشهرها المسرحية الهزلية «الغامضة» (1974) التي بناها على نمط مسرحي ديني شاع في العصور الوسطى في أوروبا باسم المسرحية الغامضة، وكان فو يغير موضوع المسرحية بتغير الجمهور.
ينتقل مسرح فو إلى صميم الواقع لمعالجة قضايا المجتمع من خلال الفرجة المباشرة للناس، وفريق العمل المسرحي لمسرح فو يقصدون التجمعات السكنية والناس في القرى المنعزلة وتتفاعل مع الجمهور من خلال الشخصيات العاطفية والانفعالية وردود أفعاله ومشاركته، على عكس الجمهور المثقف المتبلد والمتأفف. ويؤكد فو أن للجمهور دورا اساسيا في مسرحنا لأن للمسرح اليوم دورا أساسيا وذهنيا يستهلكه الجمهور، ثمة جمهور يحضر فقط مثل هذه العروض لأنه قادر على المشاركة ومن عشاق المسرح السياسي، كانت بعض الصحف تساند وتدعم أعمالنا، وكان المثقفون اليساريون والطلاب هم أول المؤيدين.
يشير داريو فو في مرحلته المتأخرة التي ارتبطت بالسياسة والعدالة والحركات العمالية إلى أنه كان يعيد كتابة نصوصه ويعدها وفقاً للواقع الذي يتغير ويختلف، أي أنه يعيد كتابة النصوص المسرحية وفقاً للأحداث الجارية التي تقع حتى يكون مواكباً ومناقشاً لها مع الجمهور. وكما كان برتولد بريخت يكتب (بورولوج) في مقدمة العروض المسرحية يوماً بيوم، ويغير فيها طبقاً للأحداث التي تقع، فإن فو انتهج هذا النهج لدرجة أنه وصف بعض مسرحياته بأنها «مسرح الصحيفة»، وأنها «مسرحيات للحرق»، أي أنها لن يكتب لها الخلود مثل غيرها من النصوص لارتباطها بأحداث وشخصيات معينة، وأنها لن تحصل على الخلود إلا في حالة واحدة وهي تحديث الموضوعات والشخصيات والأحداث التي يتم تناولها بشكل مباشر طبقاً للمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع الاحتفاظ بالشكل الفني فقط.
غير أن أهم ما أعلنه فو في أحد الحوارات التي أجريت معه، ونشر في صحيفة «المدى» العراقية، أن ما يقلقه ليس هو ما يقلق رجال السياسة «لأنني أعتبر نفسي خارج اللعبة السياسية. شعوري بالضجر تجاه طريقة تصورهم للعلاقات الإنسانية والمدنية لا يجعلني أشعر بأي عاطف نحو هؤلاء السياسيين الذين سيفقدون مناصبهم في أسوأ الأحوال. بالنسبة لهم هذا الأمر لا يمثل مهمة أو التزاما نحو الناخبين الذين اختاروهم بل مجرد عمل فقط».
آراء فو السياسية، وحياته العبثية، ومسرحه الذي استمده من الشارع جعله يستخدم عناصر ملحمية يشير إليها في نصوصه كما يطرحها في العروض المسرحية، وأهمها: إدخال عروض الصور والأفلام السينمائية واستخدامها في المسرح. تحطيم الحائط الرابع «كسر الإيهام» ولا يقصد بذلك تجاوز قوس الستارة فقط، ولكن أيضا الإضاءة والجو العام الذي يوضع فيه الممثلون كالمكياج والمؤثرات الصوتية وطريقة الأداء والإيقاعات. فالتخلص من الستارة ليس كافياً، بل علينا أن نعطل بعض وظائف الحوار، وأن نستفيد من الارتجال والحوادث العارضة التي تقع في أثناء العرض المسرحي في إنشاء علاقة بين الممثل والجمهور، ودائماً ما يشير فو في نصوصه إلى هذه الحوادث مثل «ذبابة تضايق الممثل» أو «انزلاق قدم الممثل وسقوطه بدون قصد» أو «التعليق على بكاء طفل».. إلخ… استخدام الراوي وصعود الممثلين للمسرح دفعة واحدة أو استدعاء الممثلين لبعضهم بعضا بشكل يعطي ملمحاً تمثيلياً مقصوداً، أي أننا نمثل عرضاً مسرحياً يجب أن ينتبه فيه الجمهور ويفكر.