الأنا والآخر في رواية «ستيمر بوينت» لليمني أحمد زين

«الواقع لا يتجلى للعقل الإنساني إلا في شكل قصصي». فريدريك جيمسون
تتعدى أفق النظريات من حيز التنظير إلى التطبيق في ميادين إبداعية كالفنون البصرية والسمعية والكتابية السردية والشعرية، وغير إبداعية كالكتابات السياسية والاقتصادية. وهكذا كان حال رواية «ستيمر بوينت» لليمني أحمد زين التي كانت محصلة لرؤى عدة مجتمعة منطلقة من عدة نظريات تداخلت وتشابكت لتقدم وتفسر وتحلل المجتمعات العربية في وقت الاستعمار مثل دراسات الاستشراق المنبثقة من إسهامات نظرية ما بعد الاستعمار، والهوية الناتجة عن هذه الأبعاد المتعددة للقاء الأنا والآخر، أو الآخرين المختلفين. المكان هو مدينة عدن، والزمان هو بداية الاستعمار الإنكليزي لمدينة عدن إلى آخر فلول الاستعمار (1967). تعكس الرواية أثر الاستعمار الإنكليزي على عدن، في بناء معالمها الثقافية إذ أصبحت كأنها مدينة إنكليزية، وتبين بحياد موضوعي تأتى لها من تعدد وجهات النظر في الرواية إيجابيات الاستعمار وسلبياته. الرائع في هذه الرواية، ليست الحبكة ولا تعلقنا كقراء بالشخصيات، ولا قصصهم الفرعية فقط، ولكن بالإضافة إلى هذا وذاك، المعالجات المعرفية للشخصيات هي ما يلفت الانتباه إلى الرواية، كما أن فكرة المدينة وتحولاتها هي فكرة لافتة لقراءة أثر الجغرافيا وما تحمله من تنوعات على البشر، عندما تكون مدنهم مجرد تقاطع مصالح استعمارية، ما يجعلها مدارا لصراع بين الغزاة والسكان الأصليين الذين يعيشون صراعا في الهوية ويحيلهم إلى فضاءات الاغتراب.

نظرة عامة

الرواية تلتقط صورة عدن في لحظة تاريخية حاسمة ما بين بداية وأفول الاستعمار بين عامي (1839-1967) ما يعادل قرنا وربع القرن.. تعالج الرواية بشخصياتها المتعددة أكثر من رؤية ثقافية وحضارية بين الأنا اليمني والآخر الغربي المستعمر، وتراجع الرواية برؤية نقدية تحليلية نظرات كل من الأنا اليمني الرافض للاستعمار مثل شخصية نجيب الثوري الأيديولوجي، أو شخصية ذلك المنصهر، أو بمعنى أكثر دقة، المتصالح مع الآخر الأجنبي الفرنسي والإنكليزي، مثل شخصية سمير المثقف، كما تعري الرواية الرؤى الاستشراقية القديمة والانطباعية عن العرب بوصفهم جهلة ومتخلفين وفاشلين في إدارة النجاح حتى في التجارة. تنتقل الرواية خطوة إلى الأمام بعدم الاكتفاء برصد الرؤى الاستعمارية والاستشراقية القديمة بل تأتي برؤية ما بعد استعمارية منصفة تعري الوجه القبيح للاستعمار من خلال آيريس الباحثة الإنكليزية التي قامت بدور الناقدة للممارسات الاستعمارية ونقد بني جلدتها في الرواية رجالا ونساء، وهي بهذه الرؤية الناقدة تعبر عن صوت نظرية ما بعد الاستعمار ولكنها، أي الرواية، في الوقت نفسه تنظر إلى تاريخ مدينة عدن نظرة تاريخية استرجاعية منصفة بعيدة عن النظرة العاطفية الضيقة للاستعمار بالرصد أيضا لإيجابيات الاستعمار الذي جعل من عدن «قطعة من الجنة». وهو ما يجعلها تفتح ضمنيا باب المساءلة على تاريخ عدن الحديث فيما بعد مرحلة الاستعمار إلى اليوم.

الأنا والآخر

من الثيمات المطروحة بقوة في النص، تصورات الأنا والآخر، تصورات الشخصيات حول نفسها وحول الآخرين، التي تعاني من قلق وتصادم أكثر من كونها في تصالح وتوافق. نستطيع أن نقسم علاقات الأنا والآخر في الرواية إلى: الآخر الداخلي بين اليمنيين أنفسهم، سعاد، وسمير، ونجيب، وهي تكشف عن صراع الآراء والتصورات المحتدمة بين الشخصيات وقت الاستعمار، مثل رفض نجيب لرؤى سمير التي تميل نحو المستعمر، ورفض سعاد أيضا له الواضح في الحوار التالي حول ما قدمته مسرحية سمير التي كان يؤلفها، وتعرض حالة الوقوع في فخ الانصهار في الآخر وتبني رواياتهم المروجة أثناء دخول عدن: «لا يعجبني كلامك أبدا». قالت سعاد. «أنت تتلمس طريقة مختلفة لرؤية الإنكليز، كأنما عيناك غير عيوننا. من أنت؟ بطل ترديد معجزات البريطانيين. في اللحظة المناسبة سنصنع نحن معجزاتنا».
في نهاية الرواية، تطور الصراع بين الأنا والآخر الداخلي إلى إقصاء سمير من المجموعة، فكانت هذه التصورات من نوع التصورات الطاردة للآخر والمشككة في انتماء الفرد للمجموعة الإنسانية.
أما القسم الآخر فهو: الآخر الخارجي الذي اشتغلت عليه الرواية بعمق، عبر تقنية المرآة العاكسة لتصورات الذات حول نفسها، وللآخرين: «ينظر الشاب في المرآة، لم ير الفرنسي. رأى وجهه هو. لا، ليس وجهه إنما وجه الشخص الذي يتركه في كريتر، يتخبط في أزقتها وحاراتها الباهتة». هنا تكون المرآة وسيلة استرجاعية لتاريخ الشخص وماضيه الذي تركه في عدن وهو راحل على متن باخرة، لتنتقل إلى مرحلة أخرى من تقييم تجارب الذات والتحول إلى ذات أخرى.
بينما المرآة بالنسبة للأجنبي (والمستعمِر) هي وسيلة لمعرفة الآخر وليس معرفة الذات، ما ينقل سمة التعالي والثبات والتأكد من هوية الذات الصلبة التي ليست بحاجة جيدة إلى التعرف على ذاتها أو حتى مراجعة تصرفاتها وتذكاراتها، لثقة عمياء تخالف التجربة التي عاشتها آيريس، فحولت تصوراتها وبالتالي دورها، من باحثة عن أثر الاستعمار إلى ناقدة للاستعمار وأثره على كل من المستعمَر والمستعمِر، كما اتضح في الرواية.
يبدأ السارد بتقديم المرآة وتوضيح دورها: «لا يحب الفرنسي رؤية وجهه في المرآة، منذ بدأت الحوادث، إلا أنه شغل نفسه برؤية الشاب من خلالها، من دون أن يدري لماذا، عبر المرآة، ليقرأ التعابير التي يعكسها الوجه، وليعرف مدى تأثير ما يجري من حوادث عليه. تحول وجود المرآة إلى لعبة، تستدرجهما ليقولا، علنا أو في نفسيهما، ما لم يقولاه من قبل». كما هو معروف أن المرآة لها دلالة كبيرة في مجال انعكاس الهوية الفردية السيكولوجية للشخص، إلا أن المرآة لعبت هنا دلالة ثقافية عكست الشرق والغرب ورؤية كل من المستعمَر والمستعمِر لبعضهما بعضا كما عكست الحالة الثقافية التي يشعر بها الغالب الذي لا ينظر لنفسه للمرآة للثقة العالية بإنجازات الذات، أو ربما خجلا وهو الأمر الذي لم يتضح من سلوك الشخصية، والمغلوب الذي ينظر لذاته محاسبا إياها ومراجعا ماضيها، وللآخر المتغلب عليه فكريا وحضاريا واقتصاديا.
لم يكن سمير مجرد شخص عادي، بل يرمز لأمة كاملة ليس لأهميته ولكن لأنه آخر أجنبي، يسقط عليه التاجر الفرنسي جميع تصوراته عن الأمم الأخرى مثل توجيه نظراته الانطباعية المقولبة عن الآخر، وفق ما يطرحه الاستشراق القديم، الذي عراه ادوارد سعيد في كتابه «الاستشراق». فتتبدى النظرة الاستشراقية في الرواية: «أنتم ماكرون أيها العرب، وكنتم لصوصا بيد أن نظركم يكون قاصرا، ولم يبلغ مرة مراده. لم يسمع الشاب شيئا جديدا، فهو تعود هذه النبرة الحادة منه، أن يشتم العرب ويصفهم بأقذع الصفات». ولكن وجهة النظر الصادمة هذه أسدت خدمة لسمير إذ قامت بتحويل نظرته إلى نفسه سمير يقول في حواره الداخلي مع ذاته: «عموما رؤيتك لي جعلتني أيضا أرى نفسي، أبصر من أكون أنا». ليعود سمير وينفي وجود أي فكر جديد ما يعني العجز عن الخلق والولادة والاتكاء التام على ثقافة الدول المستعمرة، وهو من باب نقد الذات بموضوعية بعيدة عن الحساسية العاطفية: «من دون هذه اللحظة، التي صنعها الإنكليز لن توجد أي أفكار جديدة». وهذه النظرة شبيهة جدا بنظرة العرب لحملة نابليون بونابارت التي أحدثت صدمة حضارية رغم قصر مدتها، وقادت إلى مجموعة من التغيرات المدنية في الوطن العربي.
كما ترصد الرواية غربة السكان الأصليين لعدن بسبب التغريب الذي يقوم به الاستعمار «في حين أننا باستمرار يتملكنا شعور الغريب. ونحن فعلا غرباء على هذه المدينة، بما أننا عاجزون عن مجاراتها». وهي ذاتها الغربة التي كان يشعرها أي مواطن عربي في بلده أثناء الاستعمار تحت تصرف وإمرة المستعمِر.
ختاما، في رواية «ستيمر بوينت» تتضح عدة معالجات ثقافية عميقة لصورة عدن في فترة الاستعمار، بشخصياتها الأيديولوجية المنغلقة الثابتة والمنفتحة المتحولة، تقدم لنا بإيحائية مكثفة طريقة لإعادة قراءة تاريخ عدن الجديد بعد خروج المستعمر الإنكليزي وصولا إلى صورة عدن الحديثة الممزقة بين الأحزاب والفرق الطائفية، والنزاع المسلح بين المد الشيعي والمد السني.
أحمد زيــــن، روايــــــة «ستيمر بوينت»، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى 2015.

٭ أستاذة النقد الأدبي في جامعة الكويت

الأنا والآخر في رواية «ستيمر بوينت» لليمني أحمد زين

سعاد العنزي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية