شخصيا لم أقرأ المناهج الأردنية المعدلة و لكن تابعت الضجيج الذي أثير حولها عن حذف بعض الآيات القرآنية و المس بالثوابت الأردنية الوطنية. أنا لا أدافع عن الحكومة الأردنية فلا توجد حكومة لا تشوبها الأخطاء في العالم و لكن حرق المناهج والطلب من الطلاب و المعلمين الاعتصام ليس الا جريمة بحق الوطن والمواطن وأسلوب لزرع الفتنة وزعزعة الأمن و الاستقرار و زج الوطن الأردني في أتون صراعات عقيمة لا تغني و لا تسمن من جوع.
الأردن بقيادته الهاشمية لن يسمح قط بالمس بالثوابت الوطنية و الدينية فالملك أول المدافعين عن الإسلام في المنابر و المنصات الدولية و لم يأل جهدا الا و رسم صورة مشرقة عن الإسلام الدين الحنيف في وجه الهجمات الشرسة من التطرف و الغلو و الإرهاب التي لا تمت لديننا بصلة و التي ينتهجها الخوارج لتشويه روح الإسلام السمحة و زرع الأحقاد و العداوات و الشحناء و البغضاء ليس بين المسلمين فحسب بل بين الأمم و الطوائف و الشعوب.
الأردن يمتاز عن دول العالم بتسامح بين المسلمين و المسيحيين. الدولة الأردنية لم تميز قط ضد أي مسيحي و لا يوجد لحد الآن مسيحي واحد قدم طلب لجوء في أي دولة غربية بدعوى الهرب من الظلم والاضطهاد الديني و السياسي و الاجتماعي من الدولة الأردنية الحديثة و ليس أدل على ذلك من وزراء و سفراء تولوا مواقع قيادية وسفارات في دول صنع القرار الدولي بلا تمييز. حرية التعبير حرية مقدسة و لكن هذه الحرية لا تعني بتاتا الخروج عن المألوف و التعدي على الذات الإلهية و اثارة الفتن و الاعتداء على معتقدات الآخرين و انتماءاتهم الدينية و الدعوة عن قصد أو غير قصد للعصيان المدني و التستر خلف قناع مسيحي أو مسلم.
برأيي المناهج القديمة لا يمكن وصفها بالبالية و الرثة. المناهج القديمة تتلمذ عليها مئات الآلاف من أبناء الأردن بكل أطيافهم. المناهج القديمة ضمنت مشروع الوحدة الوطنية التي يتفاخر بها الأردنيون و المناهج القديمة درسها أناس قدموا خدمات جليلة للوطن و للبشرية جمعاء. المناهج القديمة لم تخرج ارهابيين. المناهج القديمة تتلمذ عليها أطباء و مدرسون و وزراء و رؤساء وزارات و موظفون كبار في مؤسسات الدولة و أبناء العائلة الهاشمية و جميع من عدل المناهج أنفسهم. تعديلها ليست قضية تكفيرية بل حاجة ملحة أيضا لتتماشى مع حداثة العصر.
اتهام الدولة بالمس بالثوابت و القيم الإسلامية خطير في ظل الفوضى الدموية التي تعاني منها دول الجوار بلا استثناء و يمكن استخدامها لتخوين القيادة و نزع غطاء الشرعية عنها و اتهامها بالاذعان لأجندات خارجية و كل هذا لضعضعة الأمن.
لا أحد يستطيع المزاودة على الأردن و قيادته الهاشمية فالملك و بأكثر من مناسبة دولية شرح الصورة الحقيقية للإسلام القائم على العدالة الاجتماعية و الوئام بين الأديان و الحضارات و الأمم و الحداثة و الكرامة الإنسانية و احترام حقوق الإنسان و الجيران و الرحمة و الشفقة و التسامح و الوسطية و الاعتدال و رفض انعزال المسلمين عن ركب الحضارة للمجتمع الدولي. الملك عبر عن أهمية مبدأ الحوار و السلام و الدبلوماسية كأسس فريدة لحل المشاكل و النزاعات الاقليمية و الدولية كقيم متجذرة بالثقافة الإسلامية. ألم يقل من على منصة الأمم المتحدة و البرلمان الأوروبي بأنه قبل ألف سنة من معاهدان جنيف التي راعت حقوق المدنيين بالحرب كان الإسلام قد أمر جنوده بأن لا يقتلوا شيخا أو طفلا أو كاهلا أو امرأة و لا يقطعوا شجرة و لا يقتلوا كاهنا و لا يهدموا كنيسة و مكانا يذكر به اسم الله.
ألم يرفض الملك تعبير مسلم معتدل و مسلم متطرف فالإسلام واحد يدعو للمحبة و السلام و الحكمة و العدالة و التنمية و من يرتكب أعمالا اجرامية كقطع الرؤوس و احراق الأحياء و استعباد النساء و الرقيق البشري و استغلال الأطفال و تدمير التراث الحضاري و الثقافي ليسوا الا خوارج هذا العصر. ألم يحذر من التوتر بين المسلمين و غير المسلمين و من تفشي ظاهرة الإسلاموفوبيا و العداء للمسلمين في أوساط المجتمعات الغربية و ألم يحث على الاتحاد ضد المتطرفين من كل الأديان و الطوائف و الملل و ألم يشر إلى ضرورة دمج مسلمي ألبانيا و البوسنة و دول البلقان في المجتمعات الأوروبية ليكونوا حصن أوروبا المنيع ضد الإرهاب و ركينة أساسية للتسامح و التعايش السلمي.
أما عن حذف فاطمة ذهبت لمكة و استبدالها بلميس ذهبت لبيروت فليكن ما يكون. ما هي المشكلة؟ مكة ستبقى قبلة المسلمين الأولى و الحج سيبقى شعيرة و فريضة أساسية على جميع المسلمين نساء و رجالا من استطاع إليها سبيلا. عدا عن كون الهاشميين أشراف مكة و الحجاز و هل تناسى البعض أن الأردن في مدرسة ال البيت الأطهار و أن العائلة الهاشمية سليلة الدوحة المحمدية القرشية.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فهذه في صميم السياسة الأردنية التي ترى بأن معاناة الشعب الفلسطيني و حرمانه من قيام دولته الفلسطينية المستقلة و المس بالمقدسات الإسلامية و المسيحية و الهوية العربية هي جوهر الصراع العربي الإسرائيلي الذي يستغله الخوارج لتجنيد الشباب و القيام بأعمال اجرامية أكثر ضحاياها من المسلمين أنفسهم.
العلاقة الأردنية الفلسطينية لا تقبل التشكيك و التخوين و لطالما تجاهل المفاوضون الفلسطينيون عمدا و عن قصد الأردن كشريك أساسي و ليس متفرجا أو وسيطا في قضايا الحل النهائي التي تمس الأردن في الصميم من القدس إلى اللاجئين و الحدود و الأمن و المعابر و المياه و الأردن أكبر دولة مستضيفة للاجئين الفلسطينيين و لأعضاء القيادة الفلسطينية الذين لم يجدوا الأردن يوما و منذ عام 1948 الا الرئة الوحيدة التي يتنفسون منها.
أخيرا و ليس آخرا لحد الآن لم ترق قطرة دم واحدة في الأردن في أي مظاهرة أو احتجاج أو اعتصام و لم توجه البندقية الأردنية لصدور الأردنيين و بقيت البوصلة الأردنية متجهة نحو القدس كمفتاح للسلام العادل و الشامل و ضمان للأمن و الاستقرار الإقليمي و الدولي.
ألم يكن الأردن الدولة التي فتحت ذراعيها لاستقبال ملايين اللاجئين ممن تقطعت بهم سبل العيش في دول الجوار الملتهب و رغما عن العوز و شح الموارد الطبيعية و بالأخص المائية. لا يمكن السماح بتلويث العملية الديمقراطية و المشاركة المدنية و إشراك أعداد كبيرة من الشباب و النساء و الأقليات في عملية الاصلاح السياسي و الاقتصادي و التوجه لثقافة حزبية و حماية الكرامة الإنسانية و الحرية الدينية، بحرق مناهج و حض طلاب على الاعتصام و تخوين الدولة و القيادة، أعمال لن تثمر الا بجعل الأردن البلد الأمن و المستقر مكانا مماثلا لدول الجوار لا سمح الله.
كاتب من الأردن
الدكتور منجد فريد القطب