انتخابات 7 أكتوبر في المغرب: انتصار خيار مواصلة الإصلاح

حجم الخط
2

نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة التي بوأت حزب المصباح الرتبة الأولى بفارق محترم عن الأحزاب الأخرى، أكدت الكثير من الحقائق التي ينبغي لجميع الفاعلين استخلاص الدروس المطلوبة منها:
أولا، تأكيد حقيقة الاستثناء المغربي في المنطقة العربية وسقوط جميع الأطروحات التي راهنت على إغلاق القوس الديمقراطي الذي فتح على إيقاع «الربيع العربي» ورسوخ الاختيار الديمقراطي بشكل لارجعة فيه كما أكد ذلك الملك محمد السادس، وهو الاختيار الذي أصبح مستقرا في الدستور وبموجبه تمنح الكلمة للشعب لاختيار ممثليه، واختيار الحزب الذي يقود الحكومة… فرغم جميع التجاوزات والاختلالات المؤكدة التي رافقت سير العملية الانتخابية، ورغم جميع المخططات التي كانت ترسم لإجهاض هذه التجربة، فإن المغرب نجح في تنظيم ثاني انتخابات لاختيار أعضاء مجلس النواب في وقتها المحدد بطريقة سمحت له بالحفاظ على مكانته كبلد يشق طريقه بثبات نحو نادي الدول الديمقراطية..
ثانيا، لقد أكد الناخبون المغاربة على امتلاكهم القدرة على استشعار التهديدات الجدية التي أحسوا بها تحاك ضد ديمقراطيتهم الناشئة، وكان جوابهم هو التصويت بكثافة لفائدة لوائح المصباح.. هذا التصويت ينبغي استخلاص الكثير من الدروس منه، من أبرزها: محدودية تأثير المال في العملية الانتخابية، ليس فقط في المدن ولكن في البادية أيضا.. من المؤكد أن المغرب يعرف تحولات اجتماعية عميقة تؤشر على ارتفاع منسوب الوعي بأهمية الصوت الانتخابي وبأهمية الرهانات السياسية للعملية الانتخابية، وهو ما سيسهم في إحباط جميع المشاريع الحزبية الوهمية القائمة على الدعم المرحلي لبعض مراكز النفوذ والمال داخل مفاصل الإدارة والاقتصاد..
ثالثا، أكدت نتائج هذه الانتخابات أن منهج الاعتدال والمرونة والوفاء للمؤسسات المقرون بخطاب الصدق والشفافية وقول الحقيقة للمواطنين، وبالعمل الدؤوب في الميدان مع التزام النزاهة وعدم الترامي على المال العام، هي شروط ضرورية لمصالحة المواطن مع السياسة وإعادة الثقة للمغاربة في المؤسسات.
رابعا، أكدت هذه النتائج أن الأحزاب التي تساهلت مع مشروع التحكم، خوفا أو طمعا، عاقبها الناخب المغربي بقساوة، تعبيرا منه على أن الديمقراطية المغربية تحتاج إلى أحزاب حقيقية مستقلة في قراراتها، مناهضة للظلم والفساد في اختياراتها.
خامسا، هذه النتائج هي تتويج لمسار طويل من الصبر والتضحية المستند على الإيمان بالله وقدرته الخارقة على تصريف الأقدار حيث يشاء، وبقدرة الشعب المغربي على إعطاء دفعة قوية لمسار الإصلاح في ظل الاستقرار، مسار طويل من النضال المحفوف بالكثير من العراقيل والمناورات والدسائس والضرب تحت الحزام واجه فيها حزب العدالة والتنمية حملات إعلامية ظالمة قائمة على الكذب والتضليل والخداع وفبركة الملفات واستهداف الحياة الخاصة لرموزه ومناضليه، واجه فيها هذه الحملات بالكثير من الصبر والإصرار على الاستمرار في طريق الإصلاح ومنهج التوازن والاعتدال في التعاطي مع مشكلات الدولة والمجتمع. والنتيجة، أن كل من واكب الحملة الانتخابية الأخيرة وواكب الأجواء التي رافقت يوم الاقتراع ولحظة انتظار النتائج وما بعدها سيقف عند حجم الارتياح الذي شعر به المواطن بعد انتهاء «قيامة الانتخابات».. هذا الارتياح مرده إلى عاملين: نجاح المغرب في كسب رهان تنظيم انتخابات تشريعية ستسهم في ترسيخ المسار الديمقراطي وتحفظ للبلاد نعمة الاستقرار وسط بيئة إقليمية مضطربة، والعامل الثاني هو احترام النتائج المعلن عنها للتوجه العام الذي عبر عنه الناخبون بدعمهم لخيار مواصلة الإصلاح ومنحهم لحزب العدالة والتنمية حوالي مليوني صوت.
لقد كانت نسبة المشاركة المعبر عنها والمتمثلة في 43٪‏ نسبة معبرة لا تخلو من دلالات عميقة، فعلى عكس انتخابات 2011 التي جاءت في أعقاب احتجاجات 20 شباط/فبراير المتأثرة برياح الربيع العربي والتي شكلت عنصرا دافعا للتصويت تفاعلا مع شعار «الإصلاح في ظل الاستقرار»، فقد أجريت الانتخابات الأخيرة في ظروف عادية محفوفة بتلويح البعض بإغلاق قوس الربيع الديمقراطي والعودة لخيار الضبط والتحكم، وهكذا أجريت الانتخابات الأخيرة في ظل مناخ تنافسي بين شعارين: «شعار مواصلة الإصلاح» وشعار «مناهضة شعار مواصلة الإصلاح».
الخيار الأول نزل إلى الساحة الانتخابية عبر ترشيح وزرائه ورموزه مستعرضا حصيلته الانتخابية ومستعدا للمحاسبة الشعبية، والخيار الثاني لم يمتلك الشجاعة لترشيح قياديّيه وأعضاء «مكتبه السياسي» ونزل للساحة عبر ترشيح جملة من الأعيان المحليين المستقطبين من أحزاب أخرى، مدعوما بحملة إعلامية رخيصة تستهدف الحياة الشخصية لخصومه ليحصد مقاعد بدون معنى سياسي، وليفرض واقعا انتخابيا فارغا من أي مشروع سياسي قابل للمحاسبة أمام المواطنين…
الاستحقاقات التي شهدها المغرب يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر أكدت ثقة الشعب المغربي في خيار مواصلة الإصلاح، وهي مناسبة للتنويه بمستوى النضج والذكاء الذي عبر عنه الناخبون والناخبات الذين منحوا ثقتهم ووضعوا آمالهم في هذه التجربة ووثقوا في صدق وأمانة أمينه العام عبد الاله بنكيران الذي خاض حملة انتخابية وتواصلية فعالة نظيفة وتعاقد مع المواطنين على الاستمرار في نهج الإصلاح في ظل الاستقرار.
لابد من الإشادة في هذا السياق بالدور الفعّال والاستراتيجي للملك في حماية الخيار الديمقراطي وتثبيت أسس المسلسل الانتخابي ليصبح ركيزة أساسية في تمثيل الأمة وتجسيد القيم الديمقراطية الفضلى في بلادنا في محيط مضطرب وأوقات صعبة تمر منها المنطقة فيما بلادنا تقدم أعظم الدروس في الممارسة الديمقراطية لجيرانها وتظهر للعالم فرادة الاستثناء المغربي.
ويبقى المنتصر الأكبر هو المغرب الذي يظلل كل أبنائه مهما كانت مشاربهم واتجاهاتهم ومشاريعهم…

٭ كاتب من المغرب

انتخابات 7 أكتوبر في المغرب: انتصار خيار مواصلة الإصلاح

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية