القاهرة ـ «القدس العربي»: أمس كانت الغالبية العظمى من المصريين في رحلة مضنية للعثور على ملعقة سكر، بعد أن أحكمت المافيا التي تحتكر هذه السلعة يديها حول رقبة الحكومة، تلك الحكومة التي دعمها الرئيس مؤخراً بوزير تموين ذي خلفية عسكرية على أمل أن يعيد تصحيح المسار ويوفر الغذاء للأكثرية الفقيرة، وهو الأمر الذي فشل فيه حتى الآن. في هذه الأثناء والمواطن يتناول كوب الشاي بطعم العلقم، يبقى الحديث عن أي إنجازات باتت قاب قوسين أو أدنى من التحقق، مجرد وهم لا مكان فيه سوى عقلية النظام الذي تحترف آلته الإعلامية الزمر والرقص في كافة المناسبات بما فيها المأساوية أيضاً.
وبالأمس احتدمت المعركة في الصحف المصرية بين القاهرة والرياض وعلى الرغم من محاولات بعض العقلاء توخي الحذر وضبط النفس عند التعامل مع المملكة، لكن آخرين في صحف النظام ساهموا في تعميق الخلاف ونشر بذور الفتنة بين الشعبين الشقيقين وذهب بعض الكتاب ممن يمتلكون مواهب فذة في التخيل إلى حد اتهام الإخوان المسلمين بأنهم سبب الوقيعة بين الحكومتين وإلى التفاصيل:
شبيحة الإعلام خطر داهم
«العلاقات مع السعودية حيوية للغاية بالنسبة للنظام السياسي المصري الحالي، وبالنسبة للشعب المصري نفسه، فأي ارتباك في العلاقة مع الأشقاء ستكون انعكاساته كارثية على جميع تفاصيل الحياة داخل مصر، وهذا ما لا يقيم له «شبيحة» الإعلام أي وزن، كما يشير رئيس تحرير «المصريون» جمال سلطان، لأن أغلبهم يحصل على الملايين سنويا مقابل هذه الهلاوس التي ينشرونها تحت الطلب ويعيشون حياة الترف والرخاء والبغددة، ولا تهمهم مصالح ملايين الكادحين العاملين هناك ولا حتى مصالح الشعب في الداخل، الذي سيدفع ضريبة أي انتكاسة للعلاقات. ملف العلاقات مع الأشقاء في الخليج شديد الحساسية والخطورة، وبشكل خاص مع السعودية، التي تعتبر الشقيق الأكبر لمجموع دول الخليج، وموقفها غالبا يكون ملزما أدبيا لسياسات دول الخليج، وبالتالي يكون من الاستهتار غير المسؤول أن يترك هذا الملف للعقليات الأمنية أن تجتهد فيه أو تلعب فيه، فهو لعب بالنار، وينبغي أن تكون أي توجيهات أو أداء إعلامي يخص هذه المنطقة متصلا بالدائرة الدبلوماسية في أرفع درجاتها، وبمؤسسة الرئاسة وحدها وحصريا، وبشكل عاجل ينبغي أن تكون هناك وقفة سريعة وحاسمة من رئاسة الجمهورية مع «شبيحة» الإعلام الذين يقدمون أنفسهم مدافعين عن النظام، وهم مثل الدبة التي تقتل صاحبها، أوقفوا هذا العبث سريعا قبل أن تكون تكاليف معالجته أكبر من قدرتنا على ذلك، مصر ومشكلاتها الإقليمية المعقدة كما مشكلاتها الداخلية الأكثر تعقيدا، تحتاج إلى العقل السياسي وحكمته وليس العقل الأمني».
لا يخجلون من أنفسهم
وليس ببعيد عن الأزمة مع السعودية قال محمود خليل في «الوطن»: «لست أدري بأي وجه سيقابلون الناس ويتحدثون إليهم؟ أقصد بكلامي مجموعة المتنطعين من الكتاب والإعلاميين والساسة الذين دافعوا عن سعودية تيران وصنافير طيلة الشهور الماضية، وخرج بعضهم يشيد بالسيدة التي رقصت عشرة بلدي وقالت – وهي تحمل علم المملكة، نعم تيران وصنافير سعودية واللي عاوزاه السعودية تاخده.. إن شاالله لو عاوزين هرم يشيلوا. ماذا سيفعل هؤلاء الذين دافعوا عن سعودية الجزيرتين، غير مستندين إلى وثائق تاريخية، أو مستندات ورقية رسمية مقنعة، سوى اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية؟ ماذا سيفعل أولئك الذين هللوا لحبس مجموعة من الشباب الذين خرجوا منكرين هذه الخطوة، ورافضين منح الجزيرتين للسعودية؟ وماذا سيفعلون اليوم وهم من اتهموا بالأمس كل من دافع عن مصرية الجزيرتين بالخيانة؟ تخيل الاتهام بعضهم خرج مهاجماً للمملكة عقب تصريحات رسمية خرجت على ألسنة رسميين سعوديين تعرب عن أسفها وألمها لتصويت مصر لصالح القرار الروسي بشأن سوريا، وفي أعقاب توقف ضخ البترول السعودي إلى مصر بعد منحة السنوات الخمس التي ترافقت مع منح المملكة جزيرتي تيران وصنافير. لست أدري بأي وجه يهاجم هؤلاء السعودية، بعد أن كانوا يرقصون بعلمها بالأمس؟ لقد عشنا السنوات الماضية في ظل خطاب سياسي وإعلامي «مضبوط على ساعة يد السلطة»، هكذا بلا مواربة. لم يكن هذا الخطاب في صالح الإعلام ولا السياسة ولا السلطة. فالحكمة تقتضي أن تعمل كل دائرة من الدوائر الثلاث بشكل مستقل عن الأخرى، وليس من الكياسة أن تسعد سلطة بتحول الإعلام إلى منشورات سياسية معبرة عنها، والقوى السياسية إلى مجموعة من الأذناب التي تدور في فلكها. لن تستفيد السلطة من ذلك شيئاً، بل ستضار أشد الضرر. فمواقف السلطة متغيرة ولأن الإعلام مضبوط على ساعة يد السلطة، فإنه يدور معها حيث تدور».
الأزمة عميقة
«حتى لا ندفن رؤوسنا في الرمال نقول: «هناك أزمة حقيقية بين مصر ودول الخليج العربي».. هذه الأزمة كما يراها في «الوطن» عماد الدين أديب سببها شعور دول الخليج وعلى رأسها السعودية والإمارات «بالعتب الشديد» على السياسة الخارجية المصرية في مجموعة من التصرفات والسياسات، أبرزها مفاجأة مندوب مصر الدائم في مجلس الأمن الدولي للمجموعة العربية التي يمثلها بوصفه ضمن الدول العشر الأعضاء في مجلس الأمن، بالإضافة إلى الدول دائمة العضوية بالتصويت الداعم لروسيا والرافض لإيقاف هجمات الطيران الروسي الإجرامية، هذا الموقف يصنف تماماً مع خندق روسيا وإيران والحرس الثوري الإيراني وحزب الله ونظام بشار الأسد وجيشه، وهذا الموقف – بالتالي – يصنَّف ضد دول الخليج العربي وأوروبا والولايات المتحدة والمعارضة الوطنية السورية. وتردد أن هذا الموقف المصري جاء بدون تنسيق مسبق أو حتى إخطار أو إحاطة للجانب الخليجي، كما فوجئ وزراء خارجية دول الخليج العربي بصورة فوتوغرافية منشورة على الإنترنت تضم وزيري خارجية مصر وإيران، في سابقة نادرة وفي توقيت شديد الحساسية بالنسبة لموقف إيران من دعم الحوثيين في اليمن والعمليات العسكرية في حلب ومحاولات اقتحام الموصل في العراق. ويتردد أيضاً أنه لم يتم إخطار أو حتى القيام بتشاور أخوي بين مصر وشركائها الخليجيين في هذا اللقاء. كما يعتب وزراء الخارجية الخليجيين على مصر لأنها كانت تعلم من خلال عضويتها في مجلس الأمن بمسودة قرار شديد السلبية ضد دول التحالف العربي التي تقوم بعمليات عسكرية في اليمن، ولم تخطر أشقاءها من دول الخليج، وقيل إن دول الخليج علمت بالتقرير من مكتب الأمين العام للأمم المتحدة وليس من المندوب المصري في مجلس الأمن».
من حق السيسي أن يخاف
ونبقى مع الخلاف مع السعودية الذي ينظر له عبد الناصر سلامة في «المصري اليوم» من زاوية مختلفة: «أعتقد أن خلط الأوراق في الأزمة السورية هو سبب المشكلة مع المملكة العربية السعودية، بمعنى أننا نسينا، أو تناسينا، أنه حين الحديث عن سوريا الشقيقة فنحن نتحدث عن الجمهورية العربية المتحدة، نتحدث عن الوحدة، نتحدث عن العمق الإستراتيجي لنا ولها، نتحدث عن الهدف الواحد، نتحدث عن العدو المشترك، نتحدث عن المصير المشترك، نتحدث عن قلب العروبة. معنى ذلك أن الخطر على سوريا هو شأنٌ مصري بالدرجة الأولى، يجب على مصر أن تقود هناك دفة الدفاع والحوار، الحل والربط، الحرب والسلام، وكل ما يطرأ من مستجدات، ثم تأتى بقية العواصم العربية خلف الموقف المصري، وليس العكس، اعترافاً بكل هذه القواسم المشتركة، ذلك أن سوريا شأن مصري بالدرجة الأولى، لم يكن خليجياً أبداً، ولم يكن روسياً أبداً، ولم يكن أمريكياً أبداً، وإذا كانت مصر قد ذهبت في غفوة لبعض الوقت، نظراً للظروف التي مرت بها، فليس معنى ذلك أن هذه الغفوة يجب أن تطول أكثر من ذلك، أو يجب أن تتطور إلى نوم عميق، أو أن من حق البعض أن يعتبر ذلك انسحاباً، أو تسليماً بالأمر الواقع. خلط الأوراق هنا هو أن مصر استكانت للوضع الراهن، فيما بدا أنه تسليم للراية، الروس يقررون، والأمريكان يقررون، والخليجيون يقررون، ومصر ما عليها إلا التنفيذ، هو تصور خاطئ من الآخرين، وهو أيضاً موقف خاطئ من مصر، ما كان يجب أبداً أن نكون في موقف المدافع عن رؤيتنا للوضع في سوريا، الرؤية المصرية لدول العمق الاستراتيجي تحديداً، أو دول المواجهة مع إسرائيل، كما دول الجوار تماماً، يجب أن تجد هذه الرؤية آذاناً صاغية من مختلف العواصم العربية».
يريدونها أن تجوع
ونبقى مع تداعيات الأزمه مع الخليج وها هو محمود الكردوسي في «الوطن» مناشدا المصريين بعدم اليأس: أحترم غضبك وسخطك. أحترم سؤالك الحائر: أين الدولة؟
أحترم شعورك باليأس وخيبة الأمل. لكنني أطالبك ببعض الصبر. أنت في دوامة -أعرف ذلك- لكنك لهذا السبب لا تدرك، أو لم تعد تدرك حجم الخطر الذي يهدد بلدك دول- كنا نظنها مع الأسف «شقيقة»- تريد ثمن وقوفها إلى جوارنا، تريد مصر بجلالة قدرها «تابعة» وخادمة لمواقف «تدميرية»: إما أن نبارك «تقسيم» سوريا.. أو نموت من الجوع. الحصار يشتد، والضغوط من كل اتجاه، وأمريكا والغرب، ومعهم تركيا و«قطر»، والإخوان طبعاً، لن ينسوا للسيسي إفشال مؤامرة الربيع العربي، ولن يتوقفوا عن محاولات إسقاطه لن يتركوه يهنأ بإنجاز ولن يتوقفوا عن إثارة الفتن وإشعال الأزمات والمشكلات. يأسك وصبرك بين يديك وأنت حر».
فتش عن سوريا
وممن شاركوا الاهتمام بالمسألة السعودية عادل السنهوري في «اليوم السابع»: «الملف السوري ثم الجدل حول ملف جزيرتي تيران وصنافير هو ما يدفع إلى الإقرار بوجود أزمة حالية في العلاقات الثنائية بين البلدين، لكن المسألة هنا أن التحديات والظروف والأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة تفرض على القاهرة والرياض التعامل مع الأزمة الحالية بحكمة وعقل وعدم السماح بتضخمها وتصاعدها وخروجها عن الاختلاف في وجهات النظر، وهو حال العلاقات الدبلوماسية بين الدول، فالخلاف في أزمة تجارية يجب ألا ينسحب على مجمل العلاقات، خاصة أن السعودية ومصر هما جناحان لما تبقى من الأمن القومي للنظام الإقليمي العربي، الذي يتعرض حاليا لأسوأ فتراته التاريخية منذ أيام التتار.. بعد انهيار الجيوش الوطنية التقليدية في المنطقة مثل الجيش العربي السوري والجيش العراقي والأوضاع السيئة في اليمن وليبيا. الواقع يتطلب أن يتجاوز الطرفان الأزمة العابرة التي قد تكون مجرد «سحابة صيف» في أفق العلاقة بين البلدين، خاصة أن العلاقة بينهما هي علاقة استراتيجية وحيوية. وأظن أن الطرفين لن يسمحا بأي وقيعة بينهما، لأن حدوث أزمة، لا قدر الله، لن يكون في صالح الطرفين.. لذلك سوف تمر هذه الأزمة فلا القاهرة تتمنى حدوث أزمة ولا الرياض تريدها أو تقدر على تداعياتها على الأقل في المرحلة الحالية».
نيران صديقة
«لو سلمنا أو فرضنا جدلا أن مندوب مصر لدى الأمم المتحدة أخطأ بتصويته مع مشروعي القرارين الروسي والفرنسي حول سوريا، اللذين يروّج البعض لمقولة أنهما متضاربان، رغم وجود تطابق كبير بينهما من ناحية الهدف، وهو وقف إطلاق النار وبدء الحوار حول الحل السلمي، إلا أنهما كما يشير مجدي سرحان في «الوفد» يختلفان في أن مشروع موسكو لم ينص صراحة على إنهاء الغارات الجوية التي يشنها الطيران الروسي فماذا يضير بعض «ضيقي الأفق» من أشقائنا الكتّاب السعوديين في ذلك؟ من حق مصر وحدها أن تحاسب مندوبها في المنظمة الدولية إذا أخطأ أو أدى أداء سيئا، ونحن فقط الذين نستطيع أن نقول له: أخطأت وكان يجدر بك أن تمتنع عن التصويت، مثلما فعل غيرك، وهو موقف كان سيؤدي إلى النتيجة نفسها وإن جنبنا «زعل وقمصة» الأشقاء. وإن كنا لا نفهم سببا منطقيا ومعقولا لهذا الموقف، إلا أنه يعبر عن تصور خاطئ لدى بعض هؤلاء «المقموصين» أن قرار أو موقف مصر السياسي يمكن أن يباع أو يشترى بحفنة دولارات أو برميلين من السولار والبنزين».
«النظام بيحب سوسو ونادية»
«لم يكن تصويت مصر لصالح القرار والقرار المناقض له بشأن الأزمة السورية في مجلس الأمن الدولى يوم الأحد الماضي إلا دليلا جديدا على فشل وانعدام كفاءة القائمين على شؤون البلاد وهو الأمر الذي يصر عليه أشرف البربري في «الشروق»، فبعد أن كانت مصر صاحبة مدرسة دبلوماسية معترف بها عالميا، وبعد أن شاركنا في وضع ميثاق الأمم المتحدة قبل نحو 70 عاما، أصبحنا نوافق في الصباح على مشروع القرار الفرنسي الإسباني بشأن الأزمة السورية، وفي المساء نوافق على مشروع القرار الروسي المناقض تماما للمشروع الفرنسي الذي وافقنا عليه في الصباح، في مشهد ربما لم يشهد مجلس الأمن له مثيلا، ولو حتى من بلاد واق الواق. ولو كانت مصر صوتت لصالح القرار الروسي وعارضت أو امتنعت عن التصويت على القرار الفرنسي لقلنا إن لنا رؤية تجاه الأزمة السورية، تتعارض مع رؤية دول أخرى شقيقة وصديقة وهذا حقنا الذي يجب ألا يكون محل منازعة. ولو أننا عارضنا القرار الروسي أو امتنعنا عن التصويت عليه، وأيدنا القرار الفرنسي لقلنا إن حسابات التوازن الدولي وموافقة 10 دول عليه ومعارضة دولتين فقط له، دفعت مصر إلى الانضمام للتوافق الدولي. أما، ما حدث فلا يقول إلا شيئا واحدا وهو أن غياب الرؤية وانعدام الكفاءة لدى المسؤولين المصريين أصبح يمثل خطرا كبيرا على المستقبل، وإن من يفشل في إدارة التصويت على مشروعي قرار في مجلس الأمن، لن ينجح بالتأكيد في إدارة التحديات الأصعب والأشد خطورة التي تواجهها مصر داخليا وخارجيا. لقد كنا نتصور أن الراحل الرائع فؤاد المهندس وصل إلى قمة الكوميديا والعبث في المفاضلة والاختيار بعبارته الشهيرة في مسرحية «سك على بناتك» عندما قال «بلاها سوسو.. خد نادية» ليرد عليه المبدع أحمد راتب «بلاها سوسو.. بلاها نادية»، لكن يبدو أن عبثية نظامنا الرشيد فاقت كل تصور فاختار خد سوسو.. وخد نادية».
احتفالية لا نستحقها
حين يكون للحياة النيابية في مصر تاريخ عريق بعمق 150 عاما، ثم تفرز تلك الخبرة الثرية مجلسا يرثى لحاله كالذي نشهده الآن، فهل يدعونا ذلك إلى التباهي والاحتفال أم إلى الخجل والانتحاب؟ السؤال من وحي رأي فهمي هويدي في «الشروق» معلقاً على الصخب الإعلامي الذي أحاط بالاحتفال بذكرى مرور 150 عاما على التجربة البرلمانية المصرية. وأكد الكاتب في «الشروق»: «أن الخطاب المصري في المناسبة ركز في الاعتزاز بالتجربة على نقطتين أساسيتين. الأولى تمثلت في تسجيل السبق الذي تحقق بتأسيس مجلس شورى النواب منذ 150 عاما. أما الثانية فكانت تركيبة المجلس الحالي الذي أشرك في عضويته 19 حزبا، كما أنه ضم 90 امرأة، فضلا عن تمثيل الشباب فيه بنسبة 40٪ من جملة أعضائه.
أما وظيفة المجلس ودوره في الرقابة والتشريع ــ وهي مهمته الأساسية ــ فلم يتطرق إليها أحد. وأغلب الظن أن ذلك الجانب جرى التستر عليه لأن موقف المجلس من هذه الناحية يعد فضيحة سياسية كبرى. فرئيسه الذي هو أستاذ للقانون لا يجيد التحدث باللغة العربية (مجلة «الأهرام العربي» رصدت له 165 خطأ لغويا في كلمته التي استغرقت 19 دقيقة بمعدل 9 أخطاء كل دقيقة) يمنع أي نقد للحكومة ويرفض استجوابها. وخطبته التي ألقاها كانت تعبيرا عن ولائه للحكومة والسلطة التنفيذية، وتجديدا لبيعة رئيس الجمهورية وإشادة بدوره. بالتالي فإن غاية ما يحسب للمجلس في دور انعقاده الأول، أنه بارك كل جهود الحكومة ومرر كل ما أصدره الرئيس من قرارات بقوانين في غيابه. وظلت تلك حدود دوره في التشريع، أما دوره في الرقابة فقد تنازل عنه وظل مكتفيا بالتهليل للحكومة والتصفيق لإنجازاتها. ويؤكد الكاتب أنه
حين يكون الإنجاز في هذه الحدود المتواضعة، فإن العراقة والسبق التاريخي يصبح كل منهما بلا قيمة، ويغدو التاريخ شهادة تدين التجربة ولا تمجدها».
«حاجة تكسف»
نتحول بالمعارك الصحافية نحو رئيس البرلمان الذي يتولى أمره سليمان جودة في «المصري اليوم»: «لا أعرف حقيقة الانطباع الذي عاد به البرلمانيون العرب إلى بلادهم، بعد أن رأوا بأعينهم كيف أن الدكتور علي عبدالعال، رئيس مجلس النواب، راح يهيل التراب في شرم على اللغة العربية، وينطقها بمستوى محزن حقاً.. لا أعرف. ولكن المؤكد أن كل واحد فيهم عاد إلى بلده ولسان حاله يقول إن مستوى رئيس برلمان مصر، في لغة وطنه، يبدو نشازاً للغاية في بلد الأزهر، ومجمع اللغة العربية، ودار العلوم معاً. أما المصريون الذين تابعوا احتفالية شرم، بمرور 150 عاماً على بدء الحياة البرلمانية في بلدنا، فلابد أنهم انشغلوا بأمر آخر، ولابد أنهم تساءلوا، ولا يزالون يتساءلون، على حساب من بالضبط سافر الذين سافروا وعادوا؟ هل سافر كل نائب ثم عاد من جيبه، أم فعل ذلك من جيب كل مواطن يبحث عن كيلو سكر في بيته فلا يجده؟ التحية واجبة طبعاً لنواب مجموعة 25- 30 الذين صمموا على أن يدفعوا تكاليف مشاركتهم في الاحتفالية، فكانوا بحق نموذجا في الحرص على المال العام. أما أن ننظم احتفالية بلا قيمة، من نوع ما حدث، في وقت نقول فيه للناس أن البلد في أزمة، وإن الدولار شح في الأسواق، وإن التقشف في الإنفاق العام أمر واجب، فهو في الحقيقة ضحك على الذقون، وهو يدل على أن الكلام الموجه للمواطنين البؤساء شيء بينما الفعل شيء آخر تماماً».
مصر بلا سكر
تشهد مصر أزمة سكر طاحنة، وهو الأمر الذي أسفر عن هجوم على الحكومة، وبدوره يرى عباس الطرابيلي في «الوفد»: «المشكلة تكمن في أن الحكومة سمحت في العام الماضي بتصدير كميات كبيرة من السكر المصري للخارج ـ بعد أن رأت مافيا السكر وبعض أقطابها ليسوا مصريين ـ استغلال ارتفاع أسعار السكر عالمياً.. ورغم تحذيرات الخبراء لم تتحرك الحكومة إلى أن فوجئنا بعجز رهيب في مخزون السكر، مع عجز المصانع المصرية عن توفير المطلوب. واستغل الذين يخططون لضرب مصر هذه الأزمة، وسحبوا ما أمكنهم سحبه من مخزون السكر.. ليس فقط ليجنوا الملايين من السوق السوداء التي صنعوها، ولكن بسبب ضيق أفق الحكومة المصرية وعدم يقظة المسؤولين عن الزراعة والصناعة والتجارة، حتى وصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى 12 جنيهاً. والمؤلم أن الحكومة تكتفي ـ فقط ـ بتحرير المخالفات. ولا تحاول الاقتراب من رأس الأفعى التي تحتكر استيراد وتجارة السكر. فهل نحتاج إلى إعلان قانون الطوارئ؟ أو حتى الأحكام العرفية لردع كل المتلاعبين في مصير الناس، سواء كانوا تجاراً للسكر أو الأرز أو البوتاجاز.. وغيرها مثل ألبان الأطفال، وماذا في جعبة هذه المافيا الآن؟ وما هي السلع المقبلة التي يمكن أن تلعب بها المافيا؟ وهل نتوقع أزمة طاحنة مقبلة في البنزين والسولار وزيوت الوقود، وبالذات بعد أن شاعت الأزمة بين مصر والسعودية وتوقف توريد الصفقات السعودية لمصر؟ أم أن حكومتنا ـ كالعادة ـ هي حكومة ردود أفعال؟ وحتى هذه لا تتحرك الحكومة إلا بعد أن تزداد الأزمات حدة. وما حقيقة تعويم الجنيه التي أراها خطوة خاطئة لو اتخذناها هذه الأيام؟ مطلوب الحسم قبل أن ندق أبواب الجيران ونحن نستعطفهم، قائلين: كيس سكر.. يا أولاد الحلال. وماذا في جعبة المتآمرين بمصر الآن وفي القريب العاجل؟».
دماء بلا ثمن
دماء المصريين اليوم تسيل أنهارا جهارا نهارا. لا يدرى القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل. إنها حالة الهرج والمرج التي أصابت مجتمعنا المصري بصفة خاصة والعربي بصفة عامة كما يشير سعيد الخميسي في «الشعب»: «أصبحت التصفية الجسدية خارج إطار القانون هي السائدة اليوم بلا محاكمة عادلة أو تحقيق أو تدقيق. وأصبح المواطن المصري يقتل بسبب أيديولوجيته أو اتجاهه السياسي، وكأن العمل السياسي صار رجسا من عمل الشيطان يجب اجتنابه. ماذا دهانا؟ وبأي عقل نفكر؟ وعلى أي منطق نرتكز؟ وإلى أي دين ننتمي؟ وفي أي وطن نعيش؟ القضية تحتاج إلى إعادة تفكير. استحلال الدماء والأعراض ليس اختلافا في وجهات النظر، لأنه ساعتها لا يوجد نظر ولا حتى بشر، وإنما يوجد انسلاخ من البشرية كلها. يوم أن تستحل دمي وعرضي ومالي وسمعتي من أجل اختلافي معك، وأنا أفعل ذلك معك أيضا، فاعلم أن نهايتنا معا قد اقتربت، لأن عدونا واحد يتربص بنا الدوائر وينتهز الفرصة لكي يقتل بعضنا ببعض. فمن الأقوال المشهورة: «دخل ذئب حظيرة الخراف فالتهم نعجة بيضاء، ففرحت النعاج السوداء، ثم التهم نعجة سوداء، فقالت النعاج البيضاء: ذئب عادل. ومازال الذئب يمارس عدله فيهم حتى الآن. يوم أن يصير الدم المصري رخيصا وبلا ثمن، يوم أن يصير كل شيء في هذا الوطن رخيصا وبلا قيمة دماء المصريين ليست سلعة رخيصة تعرض في المزاد العلني لمن يدفع أكثر. دماء المصريين ليست قارورة مياه يرفعها على فمه كل من يشعر بالظمأ لأن مصاصي الدماء لا يمكن أن يرتوا ولو شربوا مياه الأنهار والمحيطات والبحار».
لهذا سننهار قريباً
بعض صور الفساد التي يرى فيها عمرو حسني دليلاً على عمق الفساد وتجذره مؤكداً في «التحرير»: «أن الإصرار على الإمعان في تمييز مؤسسات الحماية بالرواتب والحوافز الكبيرة، يفاقم شعور البسطاء بتحميلهم وحدهم أعباء التقشف، وتسديد فاتورة الديون الباهظة التي تزيد من رفاهية غيرهم، ولا تسهم في تقليل معاناتهم، ويجعلهم يشعرون بأن الهدف من ذلك التمييز هو حماية النظام لنفسه من أي اضطرابات اجتماعية مستقبلية قد تؤدي إليها سياساته الاقتصادية التي تنحاز إلى أصحاب رأس المال، على حساب الغالبية العظمى الكادحة. تعامل مؤسسات الرقابة وحماية المال العام مع أصحاب المليارات المشبوهة بمنتهى الرقة، والتفاني في حمايتهم وتفادي إخضاعهم لصرامة القانون، والاكتفاء بالطبطبة عليهم والتصالح معهم من أجل حفنة دولارات مسروقة يتنازلون عنها لإسقاط جرائم الفساد، يؤدي إلى زيادة شعور الغلابة بالظلم، خاصة عندما يتزامن ذلك مع بحث رئيس الجمهورية عن وسيلة قانونية لتجريدهم من «الفكة» التي يتقاتلون من أجلها على المقاهى، كأنها تضايقهم وتثقل جيوبهم الخاوية، في مجتمع ترتكب فيه الجرائم من أجل كوب من الشاي. طرح شخصيات جاهلة أو فاسدة لتتصدر المجال العام، كما حدث في حالة المحافظ الذي كشف الإعلام عن فضائح العلاوات والبدلات المليونية التي كان يمنحها لنفسه بلا وجه حق إبان تقلده لرئاسة مجلس إدارة هيئة عامة. الأدهى هو طلب النيابة ردها للتصالح معه. يحدث كل هذا في بلد يعاقب سارق رغيف الخبز ومرتدي تيشرت «وطن بلا تعذيب»، ويرفض التعامل معهما بعقل ورحمة».
حكومة لا تعرف الرحمة
وممن هاجموا الحكومة أمس مدير تحرير «الوفد» مجدي حلمي: «أصبحنا دولة مختلفة عن باقي دول العالم، ولأننا شعب أصبح لا يعنيه ما يدور حوله وأن الرحمة الإلهية انتزعت من قلوبنا فتحولنا إلى مجموعة من البشر تنظر إلى ما في يد الآخر وتريد خطف ما معه بأي وسيلة، وللأسف الحكومة تتعامل معنا بهذا المنطق الغريب، فهي تريد أن تأخذ كل ما في يد الناس وتلجأ إلى الوسيلة الأسهل وهي الضرائب.. فهي تفرض الضرائب وتعلم أن الذي سيدفعها هم الناس الغلابة، أما الأغنياء فأموالهم في الخارج لا يستطيع أحد أن يمسها. هذه الحالة من الطمع في ما عند الغير التي بادرت بها الدولة انتقلت كالعدوى عند كل المسؤولين والموظفين حتى المتدينين منهم، فالكل «يضع يده في جيب الآخر» فالحكومة هي القدوة لو كان المسؤولون فيها بحثوا عن آليات حقيقية لزيادة موارد الدولة بدلاً من سياسة الجباية لكان المواطنون اتبعوا الخطوات نفسها، ولو كنا شعبًا مؤمنًا كما يدعي البعض لكنا التزمنا بتعاليم الأديان ونشرنا التراحم بيننا، لكن الحكاية وببساطة أن الحكومة لا تعمل بجدية لإنقاذ البلد، وبالتالي كل موظفيها ومسؤوليها انتقل لهم هذا الإحساس أن أسهل حل هو أن تحصل على ما عند غيرك كل ما نريده فقط الرحمة، أي تكون الحكومة رحيمة علينا حتى تنتقل هذه الرحمة إلى باقي الناس».
ترامب قادم
على مسؤولية جمال زهران في «الأهرام» ترامب، في طريقه للرئاسة الأمريكية، وهذه ليست بمجازفة في التحليل، ولكن يمكن شرح أسبابه في ما يلي: «إن اهتمام المواطن الأمريكي بمتغير السياسة الخارجية الأمريكية، محدود للغاية، وذلك ثابت في أغلب الدراسات حول الانتخابات الأمريكية، ولا تتجاوز نسب الاهتمام 10٪ من حجم الناخبين الأمريكيين. ولذلك ينصرف الأمريكيون عن تناول المرشحين للقضايا الخارجية، ويركزون على رؤيتهما للقضايا الداخلية (الاقتصاد عموما ـ الضرائب ـ البيئة ـ الأجور ـ الهجرة من وإلى، ودول الجوار (كندا ـ المكسيك) آليات مواجهة البطالة، الشباب.. إلخ) وهذه هي القضايا الحاسمة في المعركة الانتخابية، وقدرة كل مرشح على بلورة رؤية واقعية. إن اهتمام النسبة المحدودة من الأمريكيين بالقضايا الخارجية، لا يخرج عن الاهتمام بإسرائيل (الولاية 51)، وهنا فإن دور «الإيباك»، تلك المنظمة اليهودية الصهيونية في أمريكا، وهو دور فعال، تجعل كلا من المرشحين يتسابقان في تقديم أكبر تأييد ودعم لهذا الكيان الذي ورثته الولايات المتحدة عن أوروبا وتحملت مسؤوليته تحديدا عن بريطانيا، بعد إنشائه عام 1948. ولعل القضية الثانية التي تعني هؤلاء أيضا، بعض التطورات الحادثة في أوروبا التي تسد الفراغ في النظام الدولي بديلة عن أمريكا خلال فترات الانتخابات الأمريكية عادة. ولذلك كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، له وقع الزلزال في أمريكا.
كما أن الرئيس بيل كلينتون، هو الذي كسر قاعدة تكرار المدة الثانية للمرشح الديمقراطي الذي نجح لولاية ثانية (1996 ـ 2000) ولم يسبقه مرشح من قبل الحزب الديمقراطي، ليفتح الطريق أمام تكرار المسألة مع أوباما لمدتين رئاسيتين، وللمرة الثانية، وكان مفتاح السر هو تحسن الاقتصاد الأمريكي في عهد كلينتون، بينما لم يزدد سوءا ـ رغم عدم تحسنه ـ بشهادة الخبراء في عهد أوباما».
حسام عبد البصير