في عامي 2013 و 2014 زار المخرج البريطاني، غراهام بيبلْز، معسكر «داداب» في كينيا والتقى ضحايا تعرضوا للتعذيب والاغتصاب والسجن التعسفي، على يد القوات الأثيوبية، منجزاً فيلمه «أوغادين: عار إثيوبيا المخفي»، الذي عرض ضمن مهرجان بورتبيللو السينمائي.
معظم الناس لم يسمعوا بهذا الإقليم ولا يعرفون شيئًا عمّا يحدث في سجون أوغادين لأن القوات الإثيوبية لا تسمح بوصول الصحافيين إلى أي سجن أو معتقل. لذلك قرر بيبلْز أن يلتقي بمريامه وعنّاب وفطومة، وترك لهن فرصة سرد قصصهن المؤلمة وهَرَبهن من جحيم أوغادين، حتى وصولهن إلى معسكر داداب بعد عدة أشهر من المشي.
ورغم أهمية البوح للشخصيات النسائية الثلاث، لكن المخرج اعتمد على تقارير منظمة حقوق الإنسان، وعلى اعترافات جنود منشقين عن الجيش الإثيوبي. هؤلاء أكّدوا وقوع عمليات قتل وتعذيب وحشي، وتهجير جماعي وما إلى ذلك من انتهاكات صارخة لم تطْرق سمع المجتمع الدولي الذي يؤازر الحكومة الإثيوبية.
مريامه، الإنسانة الأبسط بين شخصيات الفيلم، الألم علّمها كيف تسرد محنتها. فقد وصلت إلى معسكر داداب للاجئين في مايو/أيار 2014. هناك، تعرضت لتعذيب قاس، طلب منها السجّانين أن تحمل جثة إنسان ميت بشكل منتصب وحينما أعياها ثقل الجثة سقطا معاً على الأرض. كما أحاطوا رأسها بكيس مملوء بالفلفل الحار، وحينما أغمي عليها تعرضت للاغتصاب الجماعي.
وإذا كانت مريامه، تحملت فعل الاغتصاب، فإن الضحايا الأخريات أصبنَ بحالات صرع وانهيار عصبي وانكسارات داخلية متعددة.
تتذكر الجنود الإثيوبيين الذين هاجموا قريتها، وأرهبوا أناسها، ونهبوا كل شيء ثمين فيها بما في ذلك الماشية التي يعتاشون عليها. ولا تنسى، منازل أهلها التي أحرقت وهي تحمل على صدرها مولودها الذي أنجبته قبل سبعة أيام، كذلك حين اختاروا شقيقتها الصغرى وأطلقوا عليها النار، وشاهدتها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتنزف دماءها وهي مضطجعة إلى جوار فتاة هامدة كان قد ضربوها ضربًا مبرِّحًا حتى الموت.
عنّاب، التي وصلت إلى داداب في سبتمبر/أيلول 2014، أوسعهن تعليماً وثقافة، فوالدها رجل أعمال لكنه قتل حينما كان عمرها 12 سنة، أي قبل سنتين من اعتقالها سقط قرب قرية تدعى Dir-Dawa.
تحدثت عن المقابر الجماعية للضحايا الأوغادينيين التي أخفاها الجيش الإثيوبي حيث تم العثور على بعضها بينما طوى النسيان بعضها الآخر.
كما تعرضت إلى الخنق بسلك معدني بشكل منتظم في محاولة لانتزاع الاعترافات منها، وكانوا يضربونها أيضاً بسوط مطاطي على مختلف أنحاء جسدها. كان معها خمس فتيات شابات. ورأت سجينة تُضرب بأخمص البندقية، ثم مزقوا ملابسها، وعادت إلى الغرفة بثوب مهلهل. عنّاب، حُشرت إلى جوار نساء ميتات ذُبحنَ من قَبل، ظلت الجثث في الغرفة لمدة أربعة أيام قبل أن يرمونها في الشارع.
يمتلك أهل هذه الضحية، ماشية في المدينة والقرية معاً، لكن الجيش الإثيوبي صادر مواشي المدينة وفرضت الحكومة ضرائب على ماشية القرية.
تجربتها ليست فريدة من نوعها، كما تقول، فكل نساء أوغادين يشتركن بالمصير نفسه، ويعانين من محن متشابهة تتراوح بين السجن والتعذيب والقتل والاغتصاب ناهيك عن النهب والسلب والتشريد وحرق المنازل.
أما الشخصية الثالثة، فطّومة، التي وصلت إلى داداب في مايو 2014 ، تحمل على جسدها آثار جروح غائرة فقد خنقوها في السجن وطعنوها بحراب البنادق غير مرة وظهرت ندوباً على ذراعها الأيمن. كما صعقوها بالتيار الكهربائي، وسببوا لها آلاماً حادة وقاسية.
يسلط المخرج الضوء على الحكومة الديكتاتورية الإثيوبية التي قمعت إقليم أوغادين الصومالي، منذ سنوات طويلة علماً أن عدد سكّانه ربما يتجاوز الخمسة مليون نسمة غالبيتهم من المسلمين.
هذا الإقليم، ضُمّ إلى إثيوبيا عام 1954، لموقفها الداعم للحكومة البريطانية. ومنذ عام 1992 كان سكّانه يتعرضون للقمع، والتعذيب، والأعمال الحاطّة بالكرامة الإنسانية، خصوصاً بعد تأسيس الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين ومطالبتها بالحكم الذاتي وحق تقرير المصير.
وفي عام 2006 تمّ اكتشاف النفط والغاز في هذا الإقليم الأمر الذي حرّض الحكومة الإثيوبية المُستبدة على ارتكاب الفظائع الكبيرة.
جدير بالذكر أن مهرجان بورتبيللو السينمائي، الذي عرض خلاله الفيلم، يُخصص كل عام، ثلاثة أيام للأفلام الوثائقية المحلية والعالمية التي يصل عددها إلى خمسين فيلم في أقل تقدير، فثمة أفلام وثائقية أخرى تُقدَّم خلال أيام المهرجان الثمانية عشر.
لم تشذّ الدورة الواحدة والعشرون عن هذا السياق. ففي العاشر من سبتمبر/أيلول الماضي عُرض في صالة KPH في مدينة لادبروك غروف 16 فيلماً وثائقياً من بينها «كل شيء سيكون على ما يُرام» للمخرجة البريطانية بوبي رونا سكولد، و»زرادشت: النجمة الصفراء» للمخرج العراقي الكردي مازن شيرابياني.
ناقد عراقي