ذكرىَ رَحِيله الثّالثة أعادت التذكير بأهميته الشعرية والروائية… الكُولُومبي ألفَارُو مُوتِيسْ: صديق ماركيز الذي اقتحم الأساطير

مدريد ـ «القدس العربي»: حلّت الذّكرى الثالثة لرحيل الرّوائي والكاتب والشّاعرالكولومبي الكبيرألفارو موتيس، في الثاني والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر الماضي، ما أعاد التذكير بأهمية هذا المبدع الذي ربطته صداقة مع مواطنه غابرييل غارسّيا ماركيز، واخترع شخصية مَاكرُول الغافيّيِرُو، الرحّالة المتطلع إلى سبر كلِّ مجهول، وتجاوز كلّ حدود.

الرحّالة المُغامر وماكرول ألغافيّيرُو

موتيس، الذي وافته المنيّة في المكسيك عام 2013، شاعر مُبدع لعوالم وفضاءات أدبية متنوّعة وخالق شخصيّات خيالية تحاكي القصص والأساطير الغريبة. هذا الرّوائي الذي تميز كتاباته روح مغامرة متجدّدة، يُقدّم لنا فلسفته الخاصة في الحياة ونظرته إليها، كما يقدّم مواقفه منها، ويُفجّر مشاعرَه حيالها، على لسان شخصية أدبية فريدة ومميّزة أطلق عليها اسمَ ماكرول ألغافيّيرُو، الذي ظهر في روايته الشهيرة «عبده بشور الحالم بالسّفن».
هذه الأخيرة، جعلت من ألفارو موتيس كاتباً ذا شهرة عالمية منذ أن وضع أوّلَ كتابٍ له بعنوان «الميزان» عام 1947 وكان بمثابة إرهاصٍ، وإيذانٍ للأوساط الأدبية في بلاده وخارجها يُبشّران بولادة كاتب كبير، ثمّ جاء كتابه «عناصر الكارثة» (1953)، إذ ظهر اسمُ الشخصية الأدبية الخيالية الغريبة الأطوار الذي خلّده في عالم الآداب الناطقة باللغة الاسبانية.
ماكرول الغافييرو، البطل الدائم الذي ظهر في ثماني روايات متتالية له حتى أمسى شبيهاً بـ«كاتدرائية ترسبُ أو ترقدُ في أعماق المحيطات» على حدّ تعبير رئيس كولومبيا الأسبق الكاتب والأديب بيليساريُو بيتانكُور. من روايات موتيس كذلك «ثلج الأميرال» (1986)، و«إيلونا تصل مع المَطر» (1988)، و«أمير البحر» (1990) وسواها من الأعمال الإبداعية الأخرى في عالم القصّة، والشّعر والدراسات على اختلاف وتعدّد أغراضها.
شخصية مَاكرُول الغافيّيِرُو، هي في العمق انعكاس لصاحبها، إنّه رحّالة في أرض الله الواسعة، وبحّار في بحاره ومحيطاته الزّاخرة وهو «مسافر زادُه الخيالُ»! يتطلع بطله إلى سبر كلِّ مجهول، وتجاوز كلّ الحدود، ويزور مختلف الأصقاع النائية والعوالم المعروفة والمجهولة على حدّ سواء باحثاً عن نفسه، أو عن خياله، أو عن أناه، أو عن ظلّه، أو عن ذاكرته أو عن فراديسه الضائعة، جاذباً آلاف القرّاء الذين يقتفون أثرَه في شغف ولهفة وتطلّع وفضول.
وعنه يقول مخترعه وصاحبه موتيس: «إنه حتى إن كان شخصية من نسج الخيال، إلاّ أنّه أصبح مع مرّ السّنين مستقلاً عن صاحبه»، إنه شخصُه الآخر الذي يثير له غيرَ قليلٍ من الفتن والمشاكل والقلاقل والمحن والمشاغل، حتى إن كان موتيس هو منها براء. وتغدو حياته في هذا القبيل شبيهة بحياة ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتة» الذي عاش وواجه هو الآخر متاعبَ مريرة، وخاض مغامرات مفزعة، وعاش تجاربَ مُرعبة سواء في حياته الواقعية أو في حياة شخصياته الأدبية وعلى رأسها بطله «دُونْ كِيخُوتِه دِي لاَ مَانْشَا» (والكلمة الأخيرة (مانشا) من الاسم العربي المَنشأ).
يعتبر الباحث الاسباني خوسّيه غارسيا فيلاسكو، أن موتيس كان أحدَ أكبر الأصوات الأدبية في القرن العشرين، وإنّه لشرف كبير أن تهرع أيّ جائزة أدبية من أيّ نوع إليه وليس العكس.
أما الناقد فيكتوريانو غارسيا، فيرى أن «أسطورة بطله ماكرول الغافييرو، الذي ما زال يسبح في بحر مغامراته تلخّص لنا مفاتيحَ وأبعادَ ورموزَ وأسرارَ أدب موتيس، وهي اللغة الشخصيّة الخاصّة به التي كان يتميّز بها هذا الكاتب الحماسيّ، والرّوائي الملحميّ، فضلاً عن قدرته الفائقة على الخوض في عالم الخيال الذي يتحوّل على يديه إلى واقع مَعيش ملموس، أو على العكس من ذلك».
ويتابع «ناهيك عن قدرته على سبك وتشكيل الواقع وتحويله إلى خيال طليق ومجنّح قادر على التأثير والأخذ بمجامع القرّاء من أيّ نوع أو في أيّ صُقع كانوا، هذا إضافة إلى تكوينه الثقافي الواسع والمتنوّع الذي يثري به عوالمَه الرّوائية الذي يتجلّى لنا فيها موتيس بشكل واضح كانعكاس ورَجْع صدىً لشخصياتٍ شكّلت نوعاً من الانشغالات لدى الكاتب، حيث نجد في هذا العالم سان لوي عاهل فرنسا، ونابليون، وفيليبي الثاني، وبحثه المتواصل عن فراديسه المفقودة في بولينسا، والسّاحل الإغريقي، ومرآة الأندلس».
كذلك، يقول شاعر المكسيك الرّاحل خوسّيه إميليو باشّيكو: «لعلّه (مُوتيس) الكاتب الأمريكي اللاّتيني الوحيد الذي أمكنه أن يضع عملاً أدبياً رائعاً في قطري الشعر والرّواية، فقد أمكنه أن يواجه أو يستكمل في آن هذا العالم أو ذاك، بل أمكنه أن يزيد هذين العالمين ثراءً وإشراقاً، ذلك أن القول بأنّ جميع إبداعات موتيس هي أعمال شعرية يعني ذلك أننا ننتقص من إبداعاته الرّوائية والعكس صحيح، والحقّ إنّه روائيّ من طراز رفيع، كما أنّه أحد كبار شعرائنا المُحدثين في الوقت ذاته، أعماله تجوب البحارَ بحثاً عن المغامرات الإنسانية».

صديق ماركيز

تربط مُوتيس (وُلد في العاصمة الكولومبية بوغوتا في الخامس والعشرين من شهر آب/أغسطس 1923)، صداقة حميميّة متينة بمواطنه الذائع الصّيت الفائز بجائزة نوبل في الآداب عام 1982 الكاتب والروائي غابرييل غارسّيا ماركيز، ويحتلّ مُوتيس إلى جانب صديقه صاحب «مئة سنة من العزلة» مكانة مرموقة في عالم الخلق والكتابة والإبداع في حقليْ الرواية والشّعر على حدّ سواء، حتى أصبح موتيس من أبرز الرّموز الإبداعية في الآداب الاسبانية والعالمية.
اعترف ماركيز أنه ما كان له أن يكتب أيَّ عملٍ من أعماله الأدبية الناجحة لولا أنّها لم تحظ منذ البداية بتزكية صديقه ألفارو موتيس منذ أمد بعيد، إذ كان مـــاركــيز في مقــتبل عــمــره يقوم بقــراءة بواكيرأعماله عليه أو يقصّها له ثم بعد ذلك يعمل على نشرها فيما بعد.
وذات يوم أهدى موتيس لصديقه ماركيز قصّة «بيدرو بارامو» للكاتب المكسيكي خوان رولفو وهو يقول له: «خُذْ وتَعَلّم «..!. واعترف بعد ذلك ماركيز أنّه منذ قراءته لرولفو استفاد الكثير، حيث يعترف صراحة في أحد عروضه عن ألفارو موتيس بمناسبة بلوغ هذا الأخير السبعين من عمره، إنه بقراءة رولفو لم يتعلم فقط كيف يكتب بشكل آخر، بل تعلم كذلك أن تكون عنده دائماً قصّة جاهزة مغايرة حتى لا يحكي ما كان قد كتبه من قبل.

ذكرىَ رَحِيله الثّالثة أعادت التذكير بأهميته الشعرية والروائية… الكُولُومبي ألفَارُو مُوتِيسْ: صديق ماركيز الذي اقتحم الأساطير

محمّد محمّد الخطّابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية