تونس ـ «القدس العربي»: عاد ملف المختطفين التونسيين في ليبيا إلى الواجهة بعد عملية تحرير نوران حواص التونسية الفرنسية العاملة في الصليب الأحمر في اليمن. وتم الإفراج بوساطة عمانية دون أي تدخل من السلطات التونسية، والأدهى أن العملية تمت على أساس أن نوران هي مواطنة فرنسية قامت باريس بجهود من أجل تحريرها دونا عن وطنها الأم المتهم بالتقصير وبعدم إيلاء أي أهمية للبشر.
ولعل ما يزيد من غضب كثير من التونسيين على حكوماتهم المتعاقبة هو وجود مختطفين من حملة جنسيتهم في ليبيا المجاورة ولم يتمكن أحد من تحريرهم رغم ادعاء وجود علاقات جيدة مع كل الفرقاء الليبيين. بل أن سياسة المسافة الواحدة من الجميع يبدو أنها لم تؤت أكلها في رأي البعض أمام هذا العجز على استرداد السجناء و المختطفين.
علاقات محدودة
وفي هذا الإطار يرى الناشط الحقوقي التونسي والباحث في المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق، محمد درغام في حديثه لـ «القدس العربي» أنه وبخلاف ما يعتقد كثير من التونسيين من أن هناك تقصيرا في إرجاع المختطفين من قبل الحكومات المتعاقبة، فإن هذه الحكومات بذلت ما في وسعها لإرجاع أبناء الخضراء. إلا أن العلاقات الخارجية التونسية محدودة، وهم لا يعرفون أحدا في ليبيا القريبة فما بالك بباقي العالم، «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها»، يضيف درغام.
ويتابع: «ليست لنا دبلوماسية في تونس ولا يجب أن ننتظر الكثير من وزارة خارجية تونسية فيها نقابة تفرض أن يتم تعيين السفراء فقط من أبناء الوزارة دون الأخذ بعين الإعتبار معيار الكفاءة والعلاقات العامة في مختلف أنحاء العالم، وذلك في الوقت الذي تنفتح فيه الدول في السياسات الخارجية على المجتمع المدني ورجال الأعمال والشركات التجارية والجماعات المحلية والأفراد ممن يتمتعون بنفوذ واسع وعلاقات في هذا البلد أو ذاك. التونسيون لا يعرفون ليبيا ولا الجزائر المجاورتين وما فيهما من تعقيدات قبلية، وليست لهم علاقات اجتماعية في هاتين الدولتين، وهم لا يستحضرون في أذهانهم الإنتماء إلى قارتهم السمراء إلا في المنافسات الرياضية».
ويختم درغام بالقول: «أهم قضية في البلاد المغاربية هي قضية الصحراء الغربية وأغلبهم لا علم لهم بتفاصيلها ويكتفون بما يسمع من هذا الطرف أو ذاك دون التحول لاستطلاع الأوضاع على عين المكان لفهم ما يحصل في محيطهم القريب، ناهيك عن أزمة الطوارق في شمال مالي الذي هو أقرب إليهم من حبل الوريد وكثيرا ما استهدفهم الإرهاب من تلك الربوع. لقد وجه التونسيون بوصلتهم شمالا إلى باريس وروما وعجزوا عن كسب الصداقات وصناعة اللوبيات المدافعة عن مصالحهم في محيطهم الإقليمي. ستعجز دبلوماسيتنا التقليدية باستمرار ما دامت لم تطور أساليب عملها والأيام بيننا، وإن كتب للمختطفين أن يعودوا فسيكون ذلك من خلال جهود دولة صديقة أو من خلال المجتمع المدني لا وزارة خارجية «النقابة» وتعيينات «أبناء الوزارة»، ووزير الخارجية الذي يبدو أن هذه القضايا هي آخر اهتماماته».
سفيان ونذير
إن أشهر مختطفين في ليبيا على الإطلاق هما الصحافيان سفيان الشورابي ونذير القطاري اللذان ذهبا إلى ليبيا لإجراء تحقيق صحافي فاختفيا وتعددت الروايات حول مصيرهما. ففي البداية قيل أنهما وقعا في قبضة الجضران وميليشياته التي كانت تسيطر على المنشآت النفطية قبل أن تقع في يد حفتر. ثم قيل أن حفتر تسلمهما من الجضران حين كانا في لحظات صفاء وود مع بعضهما البعض قبل أن تحصل القطيعة ثم الصدام.
كما تحدثت أطراف أخرى عن وقوعهما «أسرى» لدى فجر ليبيا، لكن شيئا من ذلك لم يثبت خاصة وان فجر ليبيا تحتفظ بعلاقات جيدة مع أطراف تونسية تقاسمها الإنتماء الإيديولوجي. بل ذهب بعضهم إلى حد الترويج إلى أنهما أعدما وتجمع زملاؤهما في نقابة الصحافيين التونسيين لقبول التعازي ليثبت لاحقا زيف هذا الإدعاء وأنهما ما زالا على قيد الحياة.
واضطرت عائلتا المختطفين إلى التظاهر والإعتصام أمام كل من وزارة الخارجية وقصر الحكومة بالقصبة والقصر الرئاسي في قرطاج دون أن يؤدي ذلك إلى نتيجة. كما كثفت العائلتان من الظهور الإعلامي في مختلف القنوات والإذاعات والصحف الإلكترونية والورقية، واضطروا في النهاية إلى التحول إلى شرق ليبيا لملاقاة السلطات هناك والتي وعدت بالبحث في مصير سفيان ونذير.
ومؤخرا تدخل نشطاء حقوقيون ليبيون للإفراج عن شاب تونسي أودع في إحدى السجون الليبية متهمين إياه بإثارة المشاكل وإحداث الفوضى، فتبين لاحقا أن ذنبه الوحيد أنه أحب فتاة ليبية وتقدم لخطبتها من ذويها فما كان منهم إلا أن وجهوا له هذه التهم وبذلوا ما في وسعهم لحبسه دون أي موجب. وقد تم الإفراج عن هذا الشاب الذي عاد إلى تونس بجهود ليبية صرفة ودون تدخل أي طرف تونسي.
الدبلوماسيون أيضا
ولا يقتصر الإختطاف على الصحافيين والمواطنين، بل يطال الدبلوماسيين. فقد اقتحمت مجموعة مسلحة السنة الماضية وتحديدا في شهر حزيران/يونيو القنصلية التونسية في طرابلس واقتادت عشرة دبلوماسيين دفعة واحدة. وكان الهدف المعلن من هذه العملية هو إجبار السلطات التونسية على تسليم ليبيين مودعين بالسجون التونسية تثبت تورطهم في عمليات إرهابية تستهدف تونس.
وقد أدت هذه الأزمة إلى توتر في العلاقات بين الجانبين وإلى اضطرار الطرف التونسي إلى غلق قنصليته في طرابلس وسحب دبلوماسييه من الأراضي الليبية. واشتكى المفرج عنهم لاحقا من معاملة مهينة وقاسية طالتهم من المختطفين المنتمين إلى إحدى الجماعات المسلحة التكفيرية، بينما حمل التيار المعادي للإسلام السياسي في تونس المسؤولية عما حصل للدبلوماسيين التونسيين يومها لجماعة فجر ليبيا المسؤولين على أمن البعثات الدبلوماسية في طرابلس.
ولا تحظى المواقف التونسية مما يحصل في ليبيا برضا فرقاء الصراع، وهو ما يتسبب بحسب أغلب الخبراء والمحللين في استهداف المواطنين والإعلاميين والدبلوماسيين في ليبيا. فجماعة طبرق يتهمون تونس بالوقوف مع فجر ليبيا، والأطراف التكفيرية من تنظيم «الدولة» والقاعدة وأنصار الشريعة بدورها تتوعد تونس بالويل والثبور، ناهيك عن أنصار القذافي الذين يتهمون تونس ما بعد بن علي «سواء تعلق الأمر بالباجي قائد السبسي أو بالترويكا التي تتزعمها حركة النهضة» بالضلوع في الإطاحة بنظام القذافي وفي تسليم البغدادي المحمودي آخر رئيس وزراء زمن القذافي إلى أطراف غير منتخبة وقضاء غير مستقل.
غياب الدولة
وفي هذا الإطار يؤكد الناشط الحقوقي الليبي جمال المبروك وجود عمليات اختطاف في ليبيا تطال الجميع بما في ذلك الليبيين وليس فقط التونسيين، ومردها عدم وجود دولة في ليبيا قادرة على التحكم أمنيا في كامل إقليمها. ويعتبر المبروك أنه على التونسيين تفهم الوضع الإستثنائي الذي يمر به أشقاؤهم في ليبيا وعدم الغضب مما يطالهم في بلد عمر المختار، لأن العلاقات التونسية الليبية التاريخية أمتن وأعرق من أن تسيء إليها مثل هذه الحوادث العابرة.
وأضاف المبروك قائلا:»أؤكد للإخوة في تونس أنه إذا استقرت الأوضاع واستتب الأمن وتمكنت سلطات منتخبة في المستقبل في ليبيا من بسط نفوذها على كامل أراضيها، سيجدون المعاملة اللائقة بعلاقات الأخوة والصداقة وحسن الجوار التي تجمع بين البلدين الشقيقين وشعبيهما. أما الآن فالكل متورط في ليبيا والكل يحارب فيها دفاعا عن مصالح بعضها داخلي وبعضها يخص أطرافا إقليمية ودولية واختلط الحابل بالنابل فيصعب في هذه الحالة تحميل المسؤولية عن عمليات الإختطاف لهذا الطرف أو ذاك».
ويختم محدثنا بالقول: «على الإخوة في تونس أن يحتاطوا أكثر في تنقلاتهم في ليبيا وان يتجنبوا الإقتراب من المواقع الخطرة. كما أن السياسة الخارجية التونسية في ليبيا يجب أن تتم مراجعتها حتى لا تعود مواقف الحكومات بالوبال على المواطنين التونسيين والإعلاميين والدبلوماسيين وغيرهم».
عائلة المختطف نذير القطاري في رحلة البحث عن ابنها
ويشار إلى أن عائلتي الصحافيين المخطوفين تسعى جاهدة للقاء خليفة حفتر بعد أن التقت رئيس حكومة طبرق عبد الله الثني ومسؤولين في حكومة طبرق في وقت سابق. ووعد هؤلاء ببذل مساع للإفراج عن الصحافيين وإعادتهما سالمين إلى ذويهما. ولدى العائلتين قناعة راسخة بأن ابنيهما المختطفين ما زالا على قيد الحياة ولم يتم إعدامهما كما أشيع منذ فترة. وتأكدت لديهم هذه المعلومات أكثر بعد هذه الزيارة التي فاجأت الرأي العام في تونس. كما يبدو من خلال تصريحات والدة أحد المختطفين أن الحكومة التونسية الحالية لم تقم بأي مساع جدية للإفراج عن سفيان الشورابي ونذير القطاري، وينطبق الأمر على الحكومة التونسية السابقة التي ترأسها الحبيب الصيد والذي استقال لتوه، أو أجبر على الإستقالة.
في الأثناء تعيش العائلتان أوضاعا إنسانية صعبة ومعاناة حقيقية، وبعضهم بات يعاني من مشاكل صحية واضطرابات نفسية وتحولت حياتهم إلى كابوس حقيقي. لقد طال الغياب أكثر من اللزوم وكأن الجهات الليبية، أو غير الليبية، الخاطفة ترغب في إخفاء شيء ما يعرفه المختطفان، أو هي ترغب في المقايضة بهما مع الدولة التونسية في ملف ما وتنتظر اللحظة المناسبة لذلك.
أما فرضية الإعدام فتبقى مستبعدة باعتبار أنه لم يتم العثور على جثث أو أعلنت جهة ما أنها اختطفتهما أو أعدمتهما، فالمصير غامض ولدى العائلتين قناعة راسخة مفادها أن حفتر وحده من يمكنه حل هذا اللغز الذي أرق المضاجع.
ويشار إلى أن مصدرا دبلوماسيا مصريا قد أكد لـ «القدس العربي» في وقت سابق أن مصر قادرة على الحل في هذا الملف ولديها من العلاقات ما يمكنها من ذلك خصوصا في الشرق الليبي المتاخم لحدودها، لكن الدولة التونسية، بحسب المصدر، لم تطلب من نظيرتها المصرية التدخل رسميا، كما أن تونس، في رأيه، لديها حساسية من أن ينسب هذا العمل إلى القاهرة وتظهر سلطاتها بمظهر العاجز عن إرجاع أبنائه، خاصة وأن مصر، بحسب المصدر دائما، قد سبق لها أن ضغطت للإفراج عن رهائن مصريين احتجزوا في ليبيا ونجحت في مسعاها.
روعة قاسم