إيران لتركيا وروسيا: هيهات منّا الذلة

حجم الخط
2

تدرك إيران جيدا أن تقاربها مع تركيا في عهد الإسلاميين بقيادة حزب العدالة والتنمية، يضمن لها الكثير من الأهداف الإقليمية برغم التناقض الحاد في الأجندات التركية والإيرانية إزاء المنطقة خصوصاً في سوريا والعراق.
وفي هذا الواقع ومهما مرت به العلاقات الإيرانية التركية من صعوبات، إلا أن طهران وأنقرة أظهرتا على الدوام أن ما يجمعهما أكثر مما يفرقهما، وأن هذه العلاقات لن تتأثر بالصغوط أو الإغراءات خصوصاً من جانب السعوية لتبتعد أنقرة عن طهران.
ولفت المراقبون أن طهران لم تكترث كثيراً بالاجتماع المشترك الخامس للحوار الاستراتيجي بين دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا، الذي استضافته الرياض على مستوى وزراء الخارجية، والذي خرج ببيان مشترك عرّج على أبرز القضايا الإقليمية الساخنة.
فقد طالب البيان الختامي إيران بالكف عن «التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة»، لأن طهران كانت تعلم مسبقاً أن أنقرة اتفقت معها على جملة أمور فيما يتعلق بصراع النفوذ بينها وبين الرياض في المنطقة، وقبل ذلك، على حدود نفوذ كل من طهران وأنقرة في المنطقة أيضا.
وتفهم طهران بعد تجربة طويلة من مفاوضاتها مع القوى الكبرى حول برنامجها النووي، أن البيانات التي تصدر عن «العرب» ضدها لن يكون لها صدى عمليا على أرض الواقع، وجربت هي نفسها أن القوى الكبرى بقيادة الولايات المتحدة فاوضتها، بينما كانت هي تطلق شعارات ضد هذه القوى وتحديداً الولايات المتحدة، ثم نجحت المفاوضات.
وقد أراح طهران كثيراً إظهار أنقرة (ومن الرياض) التزامها بما تم التفاهم حوله أقليمياً، في لقاءات المسؤولين بينهما، بعد الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا عندما تميز الموقف الإيراني «عملياً» ضد تلك المحاولة، عن مقف باقي دول المنطقة، حتى مع تشكيك  قوى مقربة من رأس النظام الولي الفقيه سيد علي خامنئي، بأصل محاولة الانقلاب، عندما كتب حينها رئيس تحرير صحيفة «كيهان» وممثل خامنئي فيها، حسين شريعتمداري مقالاً أعادت نشره بالعربي، وكالة «تسنيم» التابعة للحرس الثوري، وأشار إلى أنه لا يستبعد أن يكون الانقلاب مدبراً لتمكين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من السيطرة على الجيش.
بالفعل فان إعلان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو(ومن الرياض) استعداد تركيا للتوسط بين السعودية وإيران إذا طُلب منها ذلك، رغم دعوته «البروتوكولية» طهران إلى لعب دور «إيجابي» بعيدا عن «التدخل» في شؤون الدول الأخرى، تفهمه طهران على أنه «عربون» ذلك التفاهم الإيراني التركي الذي أدى إلى أن تقوم هي بُعيد محاولة الانقلاب، بالتوسط بين موسكو وأنقرة، لإتمام مصالحة تاريخية بين أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أسفرت عن قمتين «تاريخيتين» بينهما: واحدة في بطرسبرغ في آب/أغسطس، والثانية على هامش المؤتمر العالمي للطاقة في إسطنبول، قبل أيام.

الذبح بقطنة!.

في أحد الاجتماعات داخل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني برئاسة الرئيس الحالي حسن روحاني، نُقل عن أحد الحاضرين وقيل إنه الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس للحرس الثوري، أنه شرح لباقي الأعضاء رؤيته لنتائج زيارة بوتين إلى تركيا، وتداعياتها على «تفاهمات» ثلاثية وثنائية حول الأزمة السورية بشكل خاص والدور الإيراني في عموم المنطقة، وأنه عرج على ما وصفه البعض بتقارب مستعجل بين الرياض ومعها حلفاؤها العرب، وأنقرة، بقوله مطمئناً الجميع إن «العرب» مشغوفون بالظواهر من الأمور ويدفعون كل رزهم مقابل بيان تأييد، مضيفاً أن الأتراك يقبضون منهم ومن إيران، بينما الإيرانيون يذبحون الجميع…بقطنة.
وبيّن سليماني أن هذه البيانات لن تؤثر على أصل مشروع بلاده الإستراتيجي الذي كشفت عنه أوساط عارفة قالت إنه يتلخص بتأمين ممر بري يخترق العراق في نقطة الحدود بين البلدين ثم شمال شرق سوريا إلى حلب وحمص وينتهي بميناء اللاذقية على البحر المتوسط.
وأضافت هذه الأوساط، أن قوات كبيرة من المقاتلين الموالين لإيران فيما يسمى «حلف الممانعة» تضع اللمسات الأخيرة على خطط للتقدم بتنفيذ مشروع الممر الذي ظل في طور التبلور خلال العقود الثلاثة الماضية، مشيرة إلى أن من هذه القوات، فصائل من الحشد الشعبي العراقي تصر على أن تُمنح دورا في المعركة المرتقبة لاستعادة مدينة الموصل، وأخرى جاهزة لتقطع الطريق غرب الموصل على أي قوات لتنظيم «الدولة» تحاول الهروب من المدينة إلى الرقة في سوريا.
وتفسر هذه الرؤية الإيرانية غضب السعودية من مشاركة الحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل والصمت الإيراني «المريب» على ما يصفه حلفاء إيران العراقيون وبعض خصومها، بالتدخل التركي في هذه المعركة من واقع أن الشريط البري غرب الموصل الذي ستعمل فيه فصائل من الحشد الشعبي، يُعتبر أساسيا في تحقيق حلف «الممانعة» للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط.
وفي خضم الأزمة المحتدمة منذ العام الماضي وتصاعدت مؤخراً بين بغداد وأنقرة، على أعتاب معركة الموصل، تبدو طهران راغبة أو مستعدة لنقل المقاتلين والإمدادات بين إيران والبحر المتوسط في أي وقت تشاء عبر طرق آمنة يحرسها موالون لهم أو آخرون.
وتدرك تركيا أن نقطة ضعفها الكبرى مع إيران تكمن في العلاقة بين إيران والأكراد الذين يعتمد عليهم في تنفيذ جزء كبير من الممر وتأمينه، لذلك بدأت تتحرك شمال شرق سوريا مؤخراً غير عابئة كثيراً بتفاهماتها مع طهران وموسكو لجس النبض قبل أن تفاجأ بنشر موسكو منظومة صواريخ متطورة في سوريا في إشارة ورسالة روسية سلبية حول مشروع أنقرة في المنطقة الآمنة داخل سوريا.

المصالحة !

وما بين الذبح بقطنة خصوصاً في العراق وسوريا حيث تعزز إيران دورها في معركتي الموصل وحلب، تتحرك على خط المصالحة مع السعودية، حيث تتكفل تركيا بذلك حاليا، معززة بترويج معلومات عن استعداد دولة خليجية للقيام بوساطة بين إيران والسعودية للتخفيف من حدة التوترات التي اعتبرتها الدولة الخليجية بأنها لا تخدم المنطقة التي تعيش أوضاعاً صعبة للغاية.
وتزامن نشر هذه المعلومات في موقع صحيفة «انتخاب» الإيراني نقلاً عن مصادر في الرئاسة الإيرانية، مع دعوة أطلقها مستشار الزعيم الإيراني الأعلى، للشؤون العسكرية اللواء رحيم صفوي، لحكومة بلاده إلى إنهاء التوتر مع السعودية.
وقال اللواء رحيم صفوي الذي كان قائداً  للحرس الثوري الإيراني عشر سنوات، في مؤتمر عقده في مركز الدراسات الدولية في وزارة الشؤون الخارجية الإيرانية «يجب أن ينتهي التوتر بين إيران والسعودية»، داعياً «حكومة بلاده إلى ضرورة تعزيز علاقاتها مع سلطنة عمان وقطر والكويت كما عليها مداراة السعودية».
وأضاف مستشار خامنئي «يجب أن نتسامح ونتصالح مع السعودية وليس من المصلحة التحرك نحو لغة التصعيد والقطيعة مع السعودية»، معتبراً أن «السعودية هي منافس استراتيجي لإيران في منطقة الخليج».
لكنْ.. هذه اللهجة الناعمة، قابلها خطاب ناعم آخر وبزاوية منفرجة مختلفة منتقداً أي تقارب مع السعودية يتجاهل مصالح إيران في المنطقة، وقد كرر في هذا السياق المدير العام السابق لشؤون «الشرق الأوسط وشمال افريقيا» في وزارة الخارجية الإيرانية، جاويد قربان أوغلو، دعوة سابقة إلى أنه يجب على إيران تسريع الحل السياسي للأزمة السورية، وفي حال غير ذلك، فإن روسيا ستقطف ثمار ما زرعوه في سوريا.
وأما البسيج أي قوات التعبئة الشعبية فقد استثمر بعض قادتها أجواء الحزن في عاشوراء يوم الأربعاء لترفع العيار ضد السعودية وتركيا وحتى روسيا متهمة إياها بالتفاهم مع انقرة من وراء ظهر إيران، بإطلاق شعار «هيهات منّا الذلة» !.

إيران لتركيا وروسيا: هيهات منّا الذلة

نجاح محمد علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية