إسطنبول ـ «القدس العربي»: عادت مصادر الطاقة لتتصدر مشهد الصراع والتحالفات الدولية من جديد، وفي فترة وجيزة أعادت منابع وخطوط نقل الغاز الطبيعي بين الشرق والغرب رسم خريطة هذه التحالفات التي تجسدت بشكل كبير في الاتفاقيات الأخيرة الموقعة بين تركيا من جهة وروسيا وإسرائيل من جهة أخرى.
وإلى جانب العديد من المصالح والحسابات السياسية والاقتصادية تمكن الغاز من تحويل أعداء الأمس إلى حلفاء اليوم، وعاد أردوغان لاستقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أجواء حميمية في مدينة إسطنبول، بالتزامن مع استقبال وزير الطاقة التركي بيران البيرق ـ صهر أردوغان ـ نظيره الإسرائيلي في أرفع زيارة لمسؤول إسرائيلي إلى تركيا منذ بدء الأزمة بين البلدين قبل 6 سنوات.
هذه التحالفات جاءت في خضم تطورات وتحولات دولية غير مسبوقة، وذلك مع تصاعد التوتر بين أمريكا وحلف «الناتو» مع روسيا حول سوريا، وارتفاع حدة الاحتقان بين تركيا من جهة والإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وعقب توقيع الأردن اتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل والحديث عن مخطط أمريكي للسيطرة على السواحل اليمنية المطلة على خليج عدن، وعقب الاتفاق النووي مع إيران.
ولا تبدو التطورات الأخيرة بعيدة عن مركبات الصراع الأوسع بين روسيا وأمريكا، والأزمة المتواصلة في أوكرانيا وباكتشافات الغاز الأخيرة الواعدة في حوض البحر المتوسط قبالة سواحل قبرص ومصر وسوريا ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية المحتلة، بينما يجد محللون العديد من الأسباب لربط الحرب المتواصلة في سوريا بالصراع الدولي حول منابع وخطوط نقل الغاز.
دور الغاز في خريطة الصراع
يقول خبراء إن روسيا كانت تاريخياً، أكبر منتج للغاز في العالم إلى جانب النفط، لكن الأمور اختلفت عام 2012 إذ أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للغاز تليها روسيا، إلا أن روسيا ما زالت تتمتع بأكبر احتياطات للغاز في العالم. وحسب مجلة «النفط والغاز» فإن «الفارق الأساسي الآن بين أسواق النفط والغاز، أن أسواق الغاز تتغير بسرعة كبيرة، وستصبح دول لم تكن على القائمة، من ضمن أكبر الدول المنتجة للغاز».
وتنقل المجلة عن خبراء قولهم: «تسيطر روسيا على غالبية السوق الأوروبية المعتمدة على الغاز الروسي بشكل أساسي، ولعل ألمانيا مثال على الطلب الكبير للغاز الروسي» حيث تعتبر ألمانيا أكبر مستورد أوروبي للغاز من روسيا.
ويعتقد الخبراء أن روسيا لن تتخلى عن هيمنتها على السوق الأوروبية، لكن الخريطة يمكن أن تتغير بسبب وجود بديل ممكن للغاز الروسي، خاصة وأن هناك «حديثا عن أن منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، متمثلة بسوريا ولبنان وإسرائيل وقبرص، ستصبح مصدرة غاز لأوروبا، لذلك فإن المعركة التي تدور في منطقة الشرق الأوسط لها علاقة بالغاز».
ويتوقع مراقبون أن الاتفاق النووي الإيراني سيغير معادلة سوق الغاز في العالم، فإيران لديها احتياطي عالمي ضخم وكانت شبه غائبة عن السوق لكنها ستتمكن خلال الفترة المقبلة من زيادة استثماراتها في الغاز والتصدير للعديد من الدول من خلال سوريا، وهو ما يفسر في رأي مراقبين زج إيران بكل قوتها من أجل الحفاظ على نظام موالي لها في سوريا.
وتقول دراسة نشرها مركز «الأهرام» للدراسات عن تحول الصراع العالمي من البترول للغاز: «أدى انتشار الغاز وتزايد الاعتماد عليه عالميا إلى تحوله لأداة من أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول. وبالتالي لم يكن من الغريب أن يستخدم الروس تفوقهم في إنتاج وتصدير الغاز إلى أسواق شرق ووسط وغرب أوروبا كأداة من أدوات فرض الهيمنة السياسية».
ويرى خبراء أن احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم سيمكنها من مد خطوط لنقل الغاز بدون الحاجة إلى أوكرانيا التي باتت عضو في حلف الناتو، وأن التوجه لاحتلال شبه الجزيرة كان بسبب تأمين خطوط الغاز الروسي بعيداً عن شروط وسيطرة حلف الناتو.
السيل التركي
مطلع كانون أول/ديسمبر عام 2014 أعلنت روسيا إلغاء مشروع خط أنابيب «السيل الجنوبي» الذي كان من المفترض أن يمر من تحت البحر الأسود عبر بلغاريا إلى جمهوريات البلقان والمجر والنمسا وإيطاليا، بسبب موقف الاتحاد الأوروبي الذي يعارض ما يعتبره احتكاراً للمشروع من قبل شركة الغاز الروسية «غازبروم».
وعوضاً عن ذلك، قررت روسيا مد أنابيب لنقل الغاز عبر تركيا ضمن مشروع «السيل التركي» ليصل إلى حدود اليونان، وإنشاء مجمع للغاز هناك، لتوريده فيما بعد لمستهلكي جنوبي أوروبا، حيث من المتوقع أن يبلغ حجم ضخ الغاز الروسي فيه 63 مليار متر مكعب سنوياً، منها 47 مليار متر مكعب ستذهب للسوق الأوروبية، فيما سيخصص 16 مليار متر مكعب للاستهلاك التركي.
وبعد خلافات وتجاذبات لمدة عامين، وقعت تركيا وروسيا، قبل أيام، على اتفاق «السيل التركي» وذلك على هامش أول زيارة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب الأزمة التي اندلعت بين البلدين على خلفية إسقاط طائرات حربية تركية مقاتلة روسية على الحدود مع سوريا وما تلاها من عقوبات روسية واسعة على تركيا، وتوتر سياسي وعسكري غير مسبوق.
خط الغاز الجديد الذي قالت وسائل إعلام روسية إنه سيرسم خريطة صادرات الغاز خلال الفترة المقبلة، قالت عنه وسائل الإعلام التركية إنه سيجعل من تركيا مركزاً عالمياً للغاز الطبيعي، حيث من المقرر أن يتم إنشاء الخط الأول من المشروع في النصف الثاني من عام 2019.
وتعد تركيا ثاني أكبر مستهلك للغاز الروسي بعد ألمانيا، إذ تستورد نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً عبر خطي أنابيب «بلو ستريم» الذي يمر تحت البحر الأسود الشرقي و«الخط الغربي» عبر البلقان.
ومع تصاعد التوتر بين روسيا وأوكرانيا، يحظى مشروع السيل التركي بأهمية بالغة من الجانب الروسي، حيث أن موسكو تريد الحصول على بديل آخر عن أوكرانيا لنقل غازها إلى أوروبا من أجل احتكار السوق هناك.
وتسعى تركيا وروسيا من هذا التقارب إلى دعم اقتصاد البلدين، إلى جانب توجيه رسالة للغرب بأنهما تمتلكان بدائل، لا سيما مع تزايد العقوبات والضغوط الدولية على روسيا، وتعاظم الإحباط التركي من المواقف الغربية بشكل عام عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في البلاد منتصف يوليو/تموز الماضي.
تركيا تستعيد موقعها الجيوسياسي
تسعى تركيا من خلال موقعها المحوري جغرافياً إلى تقديم نفسها للعالم على أنها أفضل خيار لتبادل الطاقة عبر العالم، وخاصة بين الشرق والغرب، في مسعى لتعزيز تأثيرها الإستراتيجي ومحاولة تأمين وتنويع مصادر الطاقة التي تعاني من نقص كبير فيها.
الرئيس التركي دعا في كلمته في افتتاح «مؤتمر الطاقة العالمي الـ23» الذي انعقد في اسطنبول الأسبوع الماضي إلى الاستثمار في مجال الطاقة بتركيا، قائلاً: «أدعو كافة شركات الطاقة للاستثمار في بلادنا، فلم يندم أحد أقدم على الاستثمار في تركيا ولن يندم مستقبلاً»
وأكد رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم على أن بلاده تسعى لأن تكون مركزاً لتجارة الطاقة عبر موقعها الجغرافي الذي يعدّ عقدة مواصلات لطرق نقل الغاز الطبيعي بين البلدان المنتجة والمستهلكة، ومن خلال تأسيس العديد من مخازن الغاز ومنشآت تحويل المادة الخام إلى غاز مسال، على حد تعبيره.
وفي السياق ذاته، اعتبر وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، براءت ألبيراق، أنّ تركيا تعد معبراً آمناً لموارد الطاقة بين الدول المنتجة والمستهلكة، وأنّ سياساتها مبنية على جعل هذه الموارد وسيلة لإحلال السلام والأمن حول العالم.
إسرائيل.. من مستورد لمصدر للغاز
التوقعات بحدوث تغيير في خريطة الدولة المصدرة للغاز بات واقعاً وذلك بعد أن وقعت إسرائيل التي كانت تستورد الغاز الطبيعي من الخارج اتفاقية لتصدير الغاز إلى الأردن لمدة 10 سنوات، وذلك قبيل أيام من بدء الحديث عن مخطط إسرائيلي لمد خط لتصدير الغاز إلى أوروبا مروراً بالأراضي التركية.
أنقرة التي عانت من عزلة دولية خلال الفترة الماضية اضطرت إلى التنازل عن جزء هام من شروطها من أجل إعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وبعد أن اشترطت رفع الحصار وإقامة ميناء لإيصال البضائع التركية إلى القطاع اكتفت بوعود إسرائيلية بتحسين ظروف حياة السكان، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
هذه التنازلات جاءت في خضم الأزمة مع روسيا والهاجس الذي انتاب صناع القرار في تركيا إزاء احتمالات وقف موسكو ضخ الغاز الطبيعي لتركيا، الأمر الذي دفع الحكومة التركية إلى بحث كافة السبل التي تضمن تنويع مصادر استيراد الغاز الذي تستورد الجزء الأكبر منه من روسيا وإيران.
المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالين أكد، الخميس، أن مرحلة تعيين السفراء بين تركيا وإسرائيل انتهت، متوقعاً أن يتم الإعلان عن اسم السفير التركي في إسرائيل خلال 10 أيام، واعتبر أن إسرائيل نفذت الشروط التركية لإعادة تطبيع العلاقات بين البلدين.
لكن الأبرز في هذا الإطار، كان اللقاء الذي بحث فيه وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، براءت ألبيراق، مع نظيره الإسرائيلي، يوفال ستينيتز، الخميس، نقل الغاز الطبيعي إلى القارة الأوروبية عبر تركيا، حيث قال الوزير: «قررنا إطلاق محادثات خاصة مع المسؤولين الأتراك حول هذا الموضوع في الشهور المقبلة». وعن اكتشاف إسرائيل مؤخراً كميات من الغاز الطبيعي، تابع القول: «بالفعل اكتشفنا حتى الآن 900 مليار متر مكعب، ولدينا خطة الشهر المقبل للتنقيب عن الغاز في كامل مياهنا الإقليمية». وتابع: «أثبتت دراسات عدة أن مياهنا تحتوي على مخزون يبلغ 2.2 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، ونتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 3 تريليونات متر مكعب خلال السنوات القليلة المقبلة». لافتاً إلى أن «هذا المخزون يفوق احتياجات إسرائيل من الغاز وهذا ما دفعنا للتفكير في تصدير الغاز إلى مصر، ودول أوروبية عبر تركيا».
من جهته، ذكر بيان صادر عن وزارة الطاقة التركية، أن ألبيراق وستينيتز أكدا على أهمية التعاون بين البلدين، وعلى الأخص في قطاع الطاقة. وأوضح أنهما تناولا فرص تصدير الغاز الإسرائيلي إلى تركيا، وقررا إطلاق حوار بين الجانبين بشأن تصدير الغاز.
وتهيمن إسرائيل بشكل كبير على اكتشافات الغاز في البحر المتوسط مقابل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وترفض ترسيم الحدود البحرية مع لبنان وتماطل في ترسيمها مع قبرص لتحقيق مزيد من المكاسب. وتقول دراسة أعدها مركز بحثي أجنبي إن اكتشاف حقل «لفيثان» البحري للغاز الطبيعي قبالة سواحل فلسطين المحتلة يعد أحد أهم اكتشافات الغاز في عام 2010 إن لم يكن أكبرها في العالم لغاية الآن.
وفسرت مصادر أردنية توقيع الحكومة على اتفاقية الغاز مع إسرائيل على الرغم من الغضب والرفض الشعبي والبرلماني بوجود ضغوط أمريكية من أجل فتح الأسواق أمام إسرائيل وتثبيت أقدامها كمصدر جديد للغاز مقابل الحد من النفوذ الروسي في هذا المجال.
وتستورد الأردن منذ سنوات الغاز الطبيعي من مصر، لكن الخط الرئيسي لتوريد الغاز والذي يمر من سيناء تعرض خلال السنوات الأخيرة لعشرات عمليات التفجير والتخريب اتهم بها تنظيم «الدولة» لكن أطرافا أردنية توقعت وجود أيدي إسرائيلية في العملية من أجل إجبار الأردن على الاستغناء عن الغاز المصري والاستيراد من إسرائيل.
إسماعيل جمال