أخيرا ظهر وزير الطاقة الأردني الدكتور إبراهيم سيف على شاشة التلفزيون الرسمي وفي برنامج «60 دقيقة» بعد طول انتظار لكي يتحدث للرأي العام عن إتفاقية الغاز الإسرائيلي المنهوب من فلسطين.
نتفهم تماما مستويات الحرج، التي دفعت السيد سيف لمراوغة التنطح العلني للدفاع عن إتفاقية الغاز.. الرجل «لاجىء» ومحسوب على أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في الكرة الأرضية ويتقدم بسرعة في الهرم النخبوي الأردني، وله مستقبل وهو مفكر إقتصادي شاب وطموح قدمه للجميع المخضرم عبد الإله الخطيب.
مراكز الضغط المألوفة دفعت الرجل للظهور العلني والتحدث في واحد من أسوأ الملفات وأكثرها نقيضا للشعبية وتجريحا لمشاعره الشخصية.
لكن الوزير يقوم بواجبه بجرأة وكتكنوقراطي متمرس الآن ينسجم مع وظيفته بعيدا عن العنتريات وإن كان ذلك لا ينفعه في الإجابة على تساؤلات إمرأة عجوز في مخيم البقعة ما زالت تؤمن بالمقاومة أو تحتفظ بمفتاح منزلها وتحلم بالعودة، وأحسب مسبقا بان تساؤلات البسطاء المزعجة هي التي تقلق الوزير اللاجىء أكثر من أي شيء آخر .
الغاز «المجهول»
أنا ضد من يقترحون أن لا يتحدث هذا الوزير تحديدا في الموضوع، الذي يخص وزارته فهو في النهاية وزير في حكومة الأردن .
ما يلفت نظري أكثر هو الإشارات النقدية التي تظهر على لسان رئيس الوزراء السابق الدكتور عبدالله النسور بخصوص اتفاقية الغاز، ففي عهد حكومته وقعت الإتفاقية بالأحرف الأولى أصلا رغم أنه ماطلها لعامين.
عموما يُقال الكثير والقليل بشأن إتفاقية الغاز.. صديق محنك لاحظ وعلى مدار عددين لصحيفة «الرأي» الرسمية تلك النصوص الإخبارية التي تبدأ بعبارة «قال مصدر في شركة الكهرباء».. شركة الكهرباء هي التي وقعت الإتفاقية ومن غير المعقول أن تتجنب إدارتها الشرح العلني.. مثل هذه التصرفات هي التي تثير الارتياب وأتفق مع القائل: مسألة الغاز بسيطة.. فقط تحدثوا مع الناس بشفافية وإشرحوا لهم الأمر.. الإحتجاب الطوعي لبعض المسؤولين وإزدواجية الكلام هي العناصر التي تؤذي الرواية والقصة.
ليس سرا أن الشكوك تحيط بإتفاقية الغاز وأن المخيلة الشعبية تحيك القصص والأساطير والشائعات فقط لأن المسؤولين ينتجون أطنانا من الريبة قبل وأكثر من غيرهم .
طبعا سيغتاظ الأردني لأن رموزه لم تظهر على الشاشة للشرح والتفصيل والتوضيح مقابل الإسرائيليين، الذين هللوا وصفقوا للصفقة على شاشة القناة الثانية وبصورة أربكت الشارع الأردني.
النفخ الطائفي
تعددت أمسيات النفخ الطائفي على شاشات المنطقة. قناة «العالم» الإيرانية تحتفي بالأنشودة التي تستذكر كربلاء بعد ما حصل في صنعاء وتصفق لها قناة إسمها «التقوى» في بغداد تبدو مسرورة وهي تنقل عن أحد قادة ميليشيات الحشد والكباب الشيعي قوله بأن معركة «الثأر» لدم الحسين ستبدأ في الموصل.
تصدح قناة «سي بي» التركية بصوت آردوغان وهو يؤذن نكاية بحيدر العبادي، وترد القناة السعودية الثانية بفتوى تتحدث عن «دين مختلف» ليس من الإسلام بشيء تطرحه إيران.
هراء وحقن طائفي يسمم فضاء المستمع العربي، بينما تجلس إسرائيل وحدها فرحة بما يحصل لأمة الإسلام والمسلمين… في مثل هذه الأحوال كانت أمي – رحمها الله – تطلق تعليقا من كلمتين فقط.. «ميلة تميلكم».
«توك توك» وفيلم مصر
لا مجال لإعادة ما نشره وكتبه آلاف المعلقين على المداخلة العلمية الراقية التي قدمها في تشخيص حال مصر سائق «توك توك» مصري شاب تحدث لبرنامج المذيع عمرو الليثي «واحد من الناس».
ما أثارني هو جواب الشاب المصري على سؤال الليثي، عندما إستفسر عن خلفيته العلمية فقال الشاب: أنا خريج «توك توك».
إذا كان خريج «توك توك» مصري يستطيع تلخيص مأساة الشعب المصري العظيم بقيادته ومؤسساته على هذا النحو، فما الذي يمكن أن يقوله الحاصلون على شهادة دكتوراه من «راقصي الزار» المتحلقين حول حكم الانقلاب.
لو كنت مكان الرئيس السيسي- لا سمح الله- لوجدت نفسي بين خيارين ..الاستقالة وفورا أو تعيين الشاب بتاع «التوك توك» رئيسا للوزراء .
لكن ذلك لم يحصل لأن الشاب غادر منزله وهرب بعد الضجة التي أثيرت حوله.
ولن أستغرب إذا شاهدت مذيعا من إياهم لاحقا يتهم السائق بأنه مدسوس من الإخوان المسلمين، ويقال إن ذلك قد حصل فعلا .
عليه هي نسخة جديدة، لكن على الطريقة المصرية من «بوعزيزي تونس» الفارق أن الشاب المصري لم يحرق نفسه بل حرق النظام نفسه، الذي ينفق على مشاريع قومية في ما لا يوجد سكر وأرز في السوق.
صاحبنا حرق بمداخلة تلفزيونية لثلاث دقائق كل الفيلم المصري المتواصل منذ عامين .
لا أحب لمصر إلا كل الخير، لكن وضعها لا يعجب المحب وأمنياتي لها بالخير والبركة والإستقرار.
مصطفى بكري في برنامجه على فضائية «البلد» له رأي آخر مع الدموع عندما تحدث عن تخبط وارتباك وذوبان السكر والشطط في سعر الرز، داعيا الجمهور لتجنب الخروج في يوم 11- 11 في مظاهرات «الغلابى»، مؤكدا: السيسي لم يفشل.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين