غولن تلقى مساعدة مسؤولين سابقين في «سي آي إيه» للحصول على الإقامة في أمريكا… ومناصروه تعجلوا بعد الكشف عن نظام «بايلوك» وعدم القبض على أردوغان أحبط العملية

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: لا تزال المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 تموز/يوليو مصدراً مداراً للنقاش سواء في الإعلام التركي المؤيد منه للحكومة المنتخبة والمعارض لها.
وأثر الانقلاب بل قلب معادلات إقليمية ودولية، فالمحادثة الأولى التي تلقاها رجب طيب أردوغان من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، كانت دفعة نفسية فيما فاجأه حلفاء تركيا من الأمريكيين ودول الإتحاد الأوروبي بالتعاطف بل وإبداء القلق حول مصير ديمقراطية مهمة في منطقة تشهد توترات ونزاعات دموية.
وبدا الإعلام الغربي مهتماً أكثر بمصير الانقلابيين وليس بمصير الديمقراطية التي كان العسكر يريدون دفنها في التراب.
وكانت المحاولة فرصة أرسلتها العناية السماوية كما قال أردوغان لكي يصفي حساباته مع رجل الدين فتح الله غولن، المقيم في منفاه الآمن في ريف بنسلفانيا. وهو المتهم الأول بتدبير المحاولة حيث طالب الولايات المتحدة بتسليمه إلا أنها تتعلل بالإجراءات القانونية وغياب الأدلة القوية.

حكاية طويلة

وقصة انقلاب الخامس عشر من تموز/يوليو ليست وليدة أشهر من التنظيم والتخطيط الذي فشل في تحقيق هدفه بل كما يقول ديكستر فليكنز، المراسل المتجول لمجلة «نيويوركر» الأمريكية منذ 30 عام وتساءل إن كان غولن حاول فعلاً الإطاحة بالحكومة التركية؟
ويبدأ رحلته من مكتب رئيس هيئة الأركان خلوصي أكار، الذي دق باب مكتبه في أنقرة أحد مساعديه الصغار في الساعة التاسعة من مساء 15 تموز/يوليو وأخبره أن هناك محاولة انقلابية جارية. وقال «سنلقي القبض على الجميع» وقال «الفرق والكتائب في طريقها وسترى قريباً»، وشعر أكار بالفزع وقال «عن أي شيء تتحدث؟».
وفي المدن الأخرى أمر الجنرالات المشاركين في الانقلاب جنودهم بالقبض على المسؤولين البارزين وإغلاق الطرق والجسور المهمة وتأمين المراكز الحيوية مثل أتاتورك الدولي في اسطنبول.
وحلقت أكثر من عشرين مقاتلة إف-16 في الجو. وحسب الشهادات طلب المتآمرون من اكار الانضمام إليهم وعندما رفض قيدوه وأخذوه إلى القاعدة العسكرية التي احتجزوا فيها بقية الجنرالات. وفي مرة قام أحد الجنود بتصويب البندقية على رأسه وهدد بإطلاق النار.
وبعد منتصف الليل أجبرت مذيعة الإذاعة والتلفزيون التركي على قراءة بيان من «لجنة السلام الوطني» والذي اتهمت فيه بدون تسميته أردوغان بتدمير البلاد والفساد. ويبدو أن الانقلابيين كانوا متأكدين من نجاح انقلابهم حيث استسلم أو انضم إليهم قادة جهويون ومحليون.
وتظهر سلسلة من الرسائل الهاتفية اكتشفت بعد الانقلاب كيف أخبر الميجور مراد شلبي أوغلو مجموعته «تم الاتصال بنواب قائد شرطة اسطنبول وبلغوا وأذعن العدد الأكبر منهم».
ورد العقيد أوزان شاهين «أخبر اصدقاءنا الشرطة: أقبل عيونكم».

ملاحقة الرئيس

ومع ذلك كانت الخطة على ما يبدو غير منظمة، وفشل فريق أرسل بمروحية لتحديد مكان أردوغان والقبض عليه في منتجع مرمريس، رغم المواجهة بينهم وحرسه، ولم يستطع المتمردون السيطرة إلا على محطة تلفزيون واحدة وتركوا شبكات الهواتف الخلوية بدون تشويش. واستطاع أردوغان تسجيل رسالة مسجلة أذيعت عبر «سي أن أن ـ ترك» ودعا فيها الأتراك إلى الخروج للشوارع، واستجابوا له بأعداد كبيرة.
ووجد الانقلابيون أنفسهم في وضع إما إطلاق النار على المتظاهرين أو وقف انقلابهم. ومع حلول الساعات الأولى من الفجر كان الانقلاب قد انتهى.
وأعلن أردوغان حالة الطوارئ العامة وظهر في سلسلة من التجمعات الحاشدة مذكراً الأمة بثمن الانقلاب.
وقتل بعض المتآمرين المتظاهرين ورفاقهم الذين عارضوهم بوحشية. وسمع ملازم واجه مقاومة وهو يقول لجنوده «اسحقهم، احرقهم، لا تستسلم».
وقتل في المحاولة أكثر من 260 شخصا وجرح الألاف. وضربت مقاتلات إف-16 البرلمان في أنقرة واحدثت فيه خروقا وتناثرت القطع الإسمنتية في ممراته.
وقال إردوغان إن الانقلاب لم يكن اضطراباً مدنياً يحمل مطالب شرعية ولم يصنع حتى في تركيا، ولكن المتمردين «أخذوا أوامرهم من بنسلفانيا».
وكان الرئيس التركي واضحاً من أن زعيم الانقلاب ومدبره هو رجل الدين البالغ من العمر 78 عاماً فتح الله غولن الذي يعيش في بوكنوس- بنسلفانيا منذ عقدين من الزمان. وكان غولن، الداعية الأصلع ذو الصوت المبحوح قد هرب من تركيا في عام 1999 خشية من اعتقال الحكومة العسكرية له. ولكنه أصبح ومن على بعد المرشد الروحي للملايين وأشرف على شبكة من المدارس التي فتحت أبوابها للفقراء.
وأكد في كتاباته وخطبه على مصالحة الإسلام مع العلم وعمل الخير ولهذا عرفت حركته باسم «حزمت» (الخدمة).
ورحب الغرب بحركته باعتبارها تياراً يحمل الأمل داخل الإسلام، وقابل غولن جون بول الثاني وقادة الجمعيات اليهودية في أمريكا وحيا الرئيس السابق بيل كلينتون أفكاره الداعية للتسامح وحوار الأديان.
ولهذا اعتبر المراقبون الخارجيون اتهامات أردوغان بالمثيرة التي تشبه روايات الإثارة التي تباع في المطارات: قصة عن عصابة سرية تعمل في داخل دولة حديثة وتنتظر الأوامر من زعيمها العجوز الذي يعيش في النصف الآخر من العالم. وبالنسبة لأردوغان فقد كان يتحدث عن واقع. لأن غولن كان حليفه السابق وأصبح زعيماً «للبناء الموازي» مصمماً على تحطيم المؤسسة الحاكمة.
ولهذا بدأ بحملة تطهير ضد اتباعه في الأسابيع التي تلت الانقلاب وأرسل رسائل غاضبة للولايات المتحدة مطالباً بترحيل رجل الدين كي يواجه العدالة في بلاده.

في حضرة غولن

يقول فيلكنز إنه حاول عن طريق «مكتب القيم المشتركة» التابع لحركة غولن في مانهاتن مقابلة الزعيم الروحي للحركة الذي رفض منذ وصوله أمريكا مقابلة أحد. وظل يتواصل مع أتباعه في تركيا من خلال الأشرطة والرسائل المسلجة. ففي عام 2014 قابل ألب أصلان دوغان مدير المكتب وطلب مقابلة غولن. وكان الجواب هو أن الشيخ مريض ولا يستطيع مقابلة أحد.
وحتى لو وافق فسيتعب بعد السؤال الثالث أو الرابع. ولكنه تلقى مكالمة هاتفية بعد الانقلاب وطلب منه السفر إلى مجمع غولن في بنسلفانيا.
وسافر بالسيارة حيث وصل إلى مبنى مقام على 25 فداناً. ويصف فيلنكز المبنى الذي أقيم على الطريقة العثمانية ومظهر رجل الدين الذي خرج من غرفته كمتقاعد استفاق للتو من قيلولته وليس كزعيم يقود الملايين. وتحدث إليه عبر مترجم، فرغم مرور عقدين على إقامته في أمريكا لم يتعلم الإنكليزية.
وعند سؤاله عن علاقته بأردوغان قال أن الرئيس التركي لم يكن مستعداً للمشاركة في السلطة «ومن الواضح أنه كان يحمل تلك الرؤية بأنه الرجل الأقوى». وأضاف أن أتباعه هم مثله «ففي بداية مسارهم السياسي، أنشأوا حزباً وقيادة ديمقراطية في الظاهر، وبدوا أنهم جماعة متدينة، ولم نرد التخمين ولهذا صدقنا كلامهم».
ويقول فيلنكز إن غولن تحدث كالمعتاد بطريقة موجزة، «وقد حذرني مسؤول أمني تركي» من هذا.
وفي رده عن علاقة حركته بالسياسة أجاب أن بعض أتباعه وصل لمراكز هامة وهذا لا يعني تآمرهم «لا يمكن عزل مواطن او جماعة اجتماعية من السياسة لان القرارات السياسية والأفعال تؤثر على حياتهم»، ويرى أن دور جماعات الفعل المدني ضروري ومهم في المجتمعات الديمقراطية «ولا يجعل من «حزمت» (الخدمة) حركة سياسية». وبعدها انتهت المقابلة.
ويقول إنه وجد تجسيداً للحركة من خلال رجل الأعمال مصطفى أكسوي الذي تعرف عليه في فندق في اسطنبول، ويملك شركة بناء وفندقاً ومصنعاً للألبسة ويوظف 600 شخص.
وكغيره من أتباع غولن لا يظهر بشكل المتدين، ويرتدي الزي الغربي. ويقول أكسوي إنه بدأ بالتعرف على حركة غولن عام 1993 عندما قاد وفداً من رجال الأعمال لجمهورية تركمنستان حيث تجول الوفد في مدرسة تابعة لغولن، وكانت من أحسن المدارس في البلاد ويتسابق الناس على إدخال أبنائهم فيها.
وشعر أكسوي بالفخر وأصبحت هوايته في كل رحلة زيارة مدارس غولن. ففي تنزانيا كانت هناك مدرستان ولا توجد سفارة، وحتى في كاليفورنيا وفي أحياء الهسبانو أقامت الحركة مدارس.
وأكد أكسوي أن المدارس ترتبط مع بعضها لتبادل المعلومات والحفاظ على مستويات التدريس. وقال مثل غولن إن الحركة ليس لديها أجندة سرية.
وأضاف أن الشكاوى ضد غولن كانت تأتي من العلمانيين الذين فقدوا القوة «لا يعرفون التغيرات الحقيقية»، «وكانت تركيا تتغير بسرعة» ولهذا كان عليهم لوم طرف.
رغم تأسيس الدولة التركية الحديثة على المباديء العلمانية وتنصيب الجيش نفسه حارسا لها حيث قمع كل التوجهات «المتدينة» في العقود الأخيرة من القرن العشرين إلا أن عمدة اسطنبول رجب طيب أردوغان، أعلن عن تأسيس حزب العدالة والتنمية ورشح نفسه عام 2001 لرئاسة الوزراء.
وقدم نفسه كحام للقطاع المتدين في المجتمع التركي وخطب قائلا «المساجد هي ثكنناتنا والمؤمنون هم جندنا» ولكنه وعد بإبعاد الإسلام عن السياسة.
وبعد عام فاز الحزب وبدأ أردوغان ببناء تركيا اقتصادياً واجتماعياً وفتح قنوات اتصال مع الأقليات الكردية والعلوية وتحول إلى جسر مع العالم الإسلامي وزعيم لدولة ديمقراطية، مزدهرة ومستقرة.

صعود غولن

بالتساوق مع صعود الإسلاميين كان غولن يخط مساره في مدينة إزمير الساحلية ويحاول التعايش مع العلمانيين، حيث تبنى رؤية الداعية المعروف سعيد الدين النورسي التي تؤكد على أهمية التوازن بين الدين والعقل. وانعكس هذا على خطبه التي كانت مؤيدة للعمل.
وفي عام 1971 وبعد الانقلاب اعتقله الجيش بتهمة التآمر لقلب النظام العلماني وقضى سبعة أشهر في السجن. لكنه تحول إلى نموذج عن الإسلام بالنسبة للعلمانيين. وقال «قلت أكثر من مرة إن النظام الجمهوري والعلمانية عندما يطبقان بشكل صحيح هما نعمة من الله».
ورغم الجدل الذي أحدثه موقفه من العلمانية إلا أن موقفه في الغرب ظل غامضًا، فهو يتحدث عن الحب والسلام وحوار الأديان والتسامح. ويرى أحد أتباعه السابقين أن «جاذبيته تأتي من عاطفته» فهو يبكي ويتفاعل «وقد يصعب على الغربيين فهمه إلا أن هذا يعتبر ساحراً بالنسبة للمسلمين».

إمبراطورية

عندما وصل أردوغان للسلطة، كان عدد أتباع غولن يقدرون بحوالي 3 ملايين شخص وكانوا جزءاً من رجال الأعمال والطبقة المتوسطة الصاعدة التي تواجه النظام العلماني وانضم عدد منهم للبيروقراطية.
وفي الوقت الذي واصل فيه غولن دعوته بدأ أتباعه في إنشاء مدارس لتأهيل الطلاب للكليات والجامعات والأكاديميات العسكرية والتي كانت ناجحة.
وبشكل تدريجي بنى أتباعه إمبراطورية من الصحف وشبكات التلفزيون والمدارس التي وصل عددها إلى 2000 مدرسة في كل أنحاء العالم منها 120 في الولايات المتحدة.

سنوات أردوغان الأولى

في الفترة الأولى من حكم أردوغان حاول أن يجد أرضية مشتركة مع غولن تتعلق بدور الإسلام في الفضاء العام ولكنهما لم يتعاونا حتى المواجهة مع الجيش بشأن تعيين إسلامي رئيساً للدولة ومعارضة المؤسسة العسكرية.
فمع أن أردوغان دعا لانتخابات فاز فيها إلا أن الحزب بقاعدته الشعبية لم تكن كافية للوقوف أمام مؤسسة عسكرية ترى نفسها الحارسة للعلمانية.
وهنا وجد أتباع غولن فرصة حسب إبراهيم كالين، أحد مساعدي باسم أردوغان «فقد كنا جدداً، وعندما وصل حزبنا للسلطة كان الشيء الوحيد الذي يملكه هو دعم الشعب، ولم تكن للحزب أي سيطرة على مؤسسات الدولة لا القضاء أو قوات الأمن».
في الوقت الذي ازدهر فيه حكم أردوغان كان الثمن الذي دفعه باهظاً. ويشير فلينكز لقصة سمعها عام 2011 من القاضي أورهان غازي إرتيكان، وهو قاض علماني النزعة. وحدثه عما جرى في اجتماع لانتخاب مجلس أعلى للقضاء وفيه قرر الغولونيون الأسماء المناسبة وكانوا يتحدثون بلغة سرية.
ومن هنا بات على أردوغان المرور عبر هؤلاء إن أراد تحقيق ما يريد. قد تكون القصة تعبيراً عن مخاوف علماني، معسكره في تراجع إلا أن الكاتب استمع لقصة مشابهة تحدث فيها الناس عن المدارس أو اختراق الغولونيين للشرطة. وفي أحاديثهم الخاصة تحدث الناس عن «عصابة سرية» داخل الدولة وتزداد قوة.

حركة سرية

يشير الكاتب إلى قصة احمد كيليش الذي بدأت علاقته مع الحركة عام 1973. وأصبح إبن صاحب المحل الصغير شخصية مهمة في الحركة وأحد حماة أسرارها قبل تركه لها.
ويقول إن الحركة وضعت نصب عينها اختراق كل مؤسسات الدولة بطريقة غير قانونية. فقد رأت أن الأنتخابات لا تقود للسلطة نظراً لوجود الجيش «فالطريق الوحيد لحماية الإسلام هو اختراق الدولة ومن ثم السيطرة على كل مؤسسات الحكومة».
وقال «هذا تركيب مزودج في الشيفرة الجينية للمنظمة». ويرى كيلش أن الصورة التي يقدمها غولن لنفسه بالمتواضع والمكرس نفسه للدعوة تتناقض مع صورته الحقيقية فهو مغرور ومليء بجنون العظمة ويطالب بالطاعة المطلقة.
ويقول إنها مقسمة إلى 7 أقسام يقف على رأسها غولن وانضم كيليش للمرتبة الثالثة- مجلس القيادة أما القسم الثاني فهو للعمليات الخاصة التي لم يعرف عنها. وينفي أصلان أوغلو من مكتب مانهاتن التقسيم ويقول إنه مضلل. ويضيف كيليش إن غولن قدم حركته على أنها مبعوثة من السماء ودائما ما تحدث لاتباعه بأنه رأى النبي محمد في منامه. ويرى فيه أتباعه ليس داعية بل مخلصاً. ويقول فلينكز إن العناصر السابقة في الحركة قدمت الرؤية نفسها.
ويقول سعيد ألبسوي الذي ترك الحركة عام 2003 بعد 17 عاماً فيها «في الظاهر يقدم نفسه على انه غير مهتم بالمال ولا النساء أو السلطة ويريد أن يكون قريباً من الله» إلا أن «الهدف هو القوة واختراق الدولة وتغييرها من الداخل، وهم لن يتحدثوا أبداً عن القوة بل ينكرونه». مع أن غولن في شريط مسجل يعود للتسعينات دعا فيه أتباعه للصبر وانتظار اللحظة المناسبة للسيطرة على الدولة. ومن هنا كان تركيز الحركة حسب كيلش على اختراق القضاء والشرطة ومدارس تأهيل الطلاب لأكاديميات الدولة والدخول في البيروقراطية.
وفي بعض الحالات قام «الإخوة» في مؤسسات الدولة «بتغشيش» المرشحين الأجوبة وعندما يعينون يرفعون إلى المناصب الهامة.
ويحمل كل عنصر من العناصر تم ترفيعه اسماً سرياً ويصبح له مشرفاً خارجياً «إمام» درجته أعلى من المسؤول في مؤسسته. في بداية التسعينيات من القرن الماضي يقول كيليش إنه أصبح «إماماً» في أنطاليا حيث كان يشرف على 15 مدينة. وقدر أن نسبة 40% من الشرطة كانوا غولونيين و20% من الشرطة.
ويشير الكاتب هنا لبعض أفكار غولن التي فيها عداء للولايات المتحدة واليهود الذين اتهمهم بنشر الأفكار المنحرفة مثل الشيوعية. ويقول كيليش إن الجنون والعبقرية كانا واحداً في حالة غولن من ناحية التنظيم والتنظير والتخطيط والإدارة. وقال إن أتباعه كانوا يمارسون حركات متطرفة مثل تقبيل أرجل رفاقهم. كما أظهروا إشارات حب للزعيم خاصة عندما يتعلق الأمر بالأشياء التي يستخدمها مثل حذائه.
وحسب مسؤول أمني فقد تلقت زوجة احد الغولونيين صندوقاً من زوجها العامل في مجمع بنسلفانيا ووجدت فيه «قطعة خبز قضم منها غولن وتركها». وجاءت لحظة الطلاق بالنسبة لكيليش عام 1997 عندما هاجم غولن نجم الدين أربكان، الزعيم الإسلامي.
وأمر غولن أتباعه بالهجوم عليه حيث اضطر للتنحي بضغط من الجيش وغولن. ويعلق «أربكان وغولن كانا يدعوان للأمر نفسه وهو دولة إسلامية» إلا أن السلطة كانت اهم لغولن من الدين.
يشير الكاتب لوضعية غولن في أمريكا وكيف كانت السفارة الأمريكية تشك بمصداقيته بحيث يمنح إقامة دائمة في أمريكا. ولكنه منح الكارت الأخضر بسبب الدعم الذي قدمته له شخصيات مؤثرة مثل، المدير السابق للعمليات في «سي آي إيه» مورتون ابراموفيتز وغراهام فوللر، المسؤول في «سي آي إيه».
ويعترف فوللر الذي كان ضابطاً ميدانياً في تركيا أثناء الحرب الباردة بكتابة الرسالة رغم أنه لم يقابل غولن إلا بعد تقاعده.
وكان فوللر يرى في غولن والإسلام السياسي قوة ضد الشيوعية. ومع ذلك أثارت علاقة غولن مع «سي آي إيه» الكثير من النظريات وأن مدارسه التي انشأها في وسط آسيا كانت ملجأ لعدد من عملاء المخابرات تحت ذريعة تعليم الإنكليزية.
وهذا واضح في مذكرات مدير الاستخبارات العسكرية التركي السابق إسماعيل بيكين. وقال إنه حذر الأمريكيين من أتباع غولن لكنه لم يتم الاستماع له «باعتبار غولن مشكلة محلية».
ويقول غاريث جينكز من معهد وسط آسيا والقوقاز في تركيا إن الجيش كان واعياً لدور الغولونيين في المؤسسة العسكرية وطردوا عدداً منهم.
وحسب برقية لويكيليكس كتبها دبلوماسي أمريكي جاء فيها أن الجيش صمم امتحاناً لمعرفة المتدين في الجيش من غيره، من خلال دعوتهم وزوجاتهم إلى حفلات فيها سباحة، ومن لم تحضر فهي متدينة. وعندما اكتشف الضباط الحيلة بدأت النساء يحضرن بالبكيني.

الدولة العميقة

جلبت محاربة الدولة العميقة معسكر أردوغان وغولن للتعاون، وقسم غولن البلاد إلى سبع مناطق كان مسؤول كل منها يزوره في مجمعه. وكان أردوغان يرسل ممثلين للتشاور حالة أراد دعماً في قضية.
وعندما بدأت ملاحقة أشخاص قالت الحكومة إنهم يخططون لقلب النظام رحب الغولونيون بالتحرك بل وكانوا اكثر حماساً ـ وقادت صحف وتلفزة غولن الحملة ضد المعتقلين وقامت بشيطنتهم، خاصة عندما اعتقلت الشرطة مجموعة قالت إنها تنتمي إلى منظمة «إركينغون».
وتبين فيما بعد أن معظم الأدلة قام بفبركتها أعضاء في حركة غولن. وكان من نتائج التعاون بين أردوغان والغولونيين تحييد الجيش. وفي هذه المرحلة شعر الغولونيون أن في استطاعتهم عمل ما يريدون حسب جينكز.
ورد أردوغان بطريقة محسوبة بإغلاق مدارسهم التي كانت مصدرا من مصادر الدخل «وبالنسبة لأردوغان فقد كانت إعلانا للحرب» حسب جينكنز.
ولكن المواجهة الحقيقية بدأت بحادث رجل الأعمال رضا زاراب بداية كانون الثاني/يناير 2013 والذي اتهم بتهريب ذهب إلى إيران في خرق لقوانين الحصار الدولية وتبع ذلك أشرطة اتهمت الحلقة الضيقة حول أردوغان بالفساد.
وهو ما اعتبر محاولة انقلاب ولكن عبر القضاء. وبدأ الرئيس التركي يتحدث عن «البناء الموازي» وملاحقة أتباع غولن في كل مؤسسات الدولة خاصة القضاء. وجاء تحرك اتباع غولن في وقت كان فيه النظام يواجه تظاهرات حول حديقة غيزي.

بايلوك

في تموز/يوليو أخبرت دائرة المخابرات الجيش انها حددت 600 ضابط في الجيش من مستخدمي نظام مشفر للرسائل «بايلوك» وتم استحداثه بعد حملة أردوغان ضد القضاء. وكان الجيش يخطط لفصلهم بعد شهر. ويقول كالين «نعتقد أن الانقلاب حدث في تموز/يوليو لأنهم أرادوا التحرك قبل فصلهم». ويقول إن تفاصيل الانقلاب لا تزال غامضة ومتناقضة وأنه حدث قبل ست ساعات من موعده لأسباب غير معروفة.
ويبدو أن الانقلابيين ركزوا على القبض على أردوغان، ولو حدث لنجحوا كما يقول كالين. وأهم من كل هذا لم يجد الانقلابيون من ينضم إليهم من قادة الجيش الكبار وبحلول الساعة الرابعة صباحاً كان المتآمرون يبحثون عن ملجأ. ويقول دبلوماسيون غربيون إنهم وجدوا ان اتهام الحكومة الغولونيين قوي إن لم يكن مقنعاً. وقال أحدهم «بلا شك لعب الغولونيون دوراً فيه ولا تنس العناصر المعادية لأردوغان الإنتهازية التي شاركت».
ويناقش مسؤولون أمريكيون سابقون إن الغولونيين باعتبارهم القوة الأولى في الجيش كانوا الأقدر على تنظيم عمل كهذا.
ويقول قدمت حكومة أردوغان عشرات الآلاف من الصفحات حول ضلوع غولن بالمؤامرة وتاريخه في تركيا، ولكن الجنرال أكار، قال أثناء اعتقاله أن احد المتآمرين عرض وصله مع قائدهم غولن.
ويعلق مسؤول أمريكي ان تاريخ أكار في العسكرية يتسم بالنزاهة. ولعل أهم اعتراف جاء من الجنرال ليفينت تركان الذي يؤمن بقداسة غولن، ويدين للأخير في مساره العسكري، وهو الذي وكل بمراقبة قائد الجيش نجدت اوزيل وحدد عدداً من المتآمرين ومنهم علي يازجي مستشار أردوغان.
واطلع على الخطة التي كانت تقضي باعتقال كل مسؤولي الدولة من أردوغان إلى رئيس الوزراء.

غولن تلقى مساعدة مسؤولين سابقين في «سي آي إيه» للحصول على الإقامة في أمريكا… ومناصروه تعجلوا بعد الكشف عن نظام «بايلوك» وعدم القبض على أردوغان أحبط العملية

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية