في كِتابِه «المُقدَّس، الإلَهِيّ، الدِّيني»، يَفْصِل هنري ميشونيك، بين «المُقدَّس» و«الإلَهِيّ». ويرى أنَّ هناك خَلْطاً حَدَث بن الاثنيْنِ. فإذا كان «الإلِهيّ»، هو المُتعالِي المُطْلَق، قياساً بالإنسانِيّ، أو البَشَرِيّ، خُصوصاً، في القُدْرَة على الحياة، وأنَّ حياة الإنسانِيَة، اسْتِناداً إلى سبينوزا، هي ليست حياةً بيولوجِيَة، فقط، بل إنَّها حياة فِكْر وتاريخ، فـ «المُقدَّس»، هو، نوع من حَجْبِ الإلهِيّ، الذي هو قُوَّة خَلْقٍ لِحياةٍ مُنْفَصِلَة عن المُقدَّس، وهي بهذا المعنى، حياة مُنْفَتِحَة على تاريخٍ لانِهايَة له. والرغْبَة في تَحْوِيل البشَرِي إلى مُقدَّس، هي، في جَوْهَرِها، تَهْدِيد لِلُّغَةِ، التي هِيَ مِنْ خَلْقِ الإنْسانِ وابْتِداعِه. بمعنى، أنَّ تقْدِيس اللُّغَة، هو مَنْع لِلْخَلْقِ، والإبداعِ، وللفِكْرِ، ولِحُرِّيَة الابْتِكارِ والإضافَة، أو ما يُمْكِن أنْ نَعْتَبِرَهُ، هُنا، نوعاً من الوَثَنِيَة الجديدَة، التي فيها يَصِيرُ «كَلامُ الله»، بتعبِير ميرلوبونتي، هو ما يَجْرِي في لِسانِ الإنسان، وكَأَنَّ الإنْسان، لا تاريخ، ولا مَعْنَى لَه، لأنَّه ليس سِوَى آلَةٍ تَسْتَرْجِع ما تَسْمَعَه، أو ما هو «مَكْتُوبٌ» عليه، أو ما هو مَوْجُودٌ، حتَّى قبل أن يوجَدَ الإنْسان نفسه. ولعلَّ أهمَّ ما يُثيرُهُ هنري ميشونيك، في كتابه هذا، هو تَمْييز الإلهِي بِابْتِكار التَّارِيخَانِيَّة الجذرية للتَّاريخ، وللمَعْنَى، أي للتَّاريخ كمعنى، وللمعنى كتاريخ.
ثمَّة فرق، إذن، بيْن الاثنيْن، أي بيْن التَّارِيخ المُنْجَز، التَّامّ والمُكْتَمِل، الذي اسْتَنْفَد مَعْناه، وبين لانِهائِيَة التَّاريخ، أي التَّاريخ الذي هو خَلْق مَفْتُوح على المجهول، وعلى ما يَبْتَكِرُه الإنْسان، أو ما يَصْنَعَه من معانٍ ودلالاتٍ. وبالتَّالِي، فاللُّغَة، تَكُون مُتَحرِّرَةً من المُقدَّس، الذي هو نُزُوع دِينِيّ، أي «كُلِّيانِي» شُمُولِي، وهي من تَخْلُق المَعْنَى، ولا تنْتَظِر مَجِيئَه من أي مَكانٍ، غير ما يَبْتَدِعُه الإنْسان نفسه، الذي يحْيا على الأرض، حياةَ فِكْرٍ وتاريخ، أو هو، بالأحْرَى، من يَصْنَعُ هذا التَّاريخ، ويُمْضِي على صَفحاتِه.
في الفَصْل بَيْن هذه المفاهِيم، وفي النَّظَر إليها، باعْتِبار المَسافَة التي تَفْصِل بَيْن كُلِّ واحِدَة منها عن الأُخْرَى، وما يَحْمِلُه كُلّ مفهومٍ منها، من مَعْنًى، ما يَفْضَح قَصْدَ «الثيولُوجِيّ المُسَيَّس»، الذي يَنْتَهِي بقتْل الدِّين نَفْسِه، لأنَّه، في رَفْضِه الفَصْل بَيْن هذه المفاهِيم، فهو يَرْفُض فَصْل «الدِّين» عن «الدَّوْلَة»، أي لا يقْبَل بالعلمانية، ولا يَرْغَبُ في وضْعِ الدِّين في سِياقِه، الذي هو ليس سِياق الدُّنْيَوِي، أي السِّياسِيّ والاجتماعِيّ، بِكُل ما يعْنِيانِه من تدبِير لِحياة النَّاس، خارِجَ فضاء الحياةِ الرُّوحِيَة، التي هي حياة تَخُصُّ الشَّخْصَ في ذاتِه، أي في قناعَاتِه واخْتِياراتِه، لا في ما هو مُجْبَر على فِعْلِه والقِيام به، أي ما هو نازِلٌ عليه من فَوْق، ولا رأي لَه فيه.
تَحامُل المُتَدَيِّن على العلمانِيَة، واعْتِبارها كُفْراً، أو مُرُوقاً، وخُروجاً عن الدِّين، هو رَفْضٌ لهذا الفَصْل الذي تُحدِثُه العلمانية بين «الدِّيني» و «الإلهِي» و «المُقَدَّس». وسَيَحْرِصُ المُتَدَيِّن، على تَشْوِيش المفاهِيم المُرْتَبِطَة بالعلمانية، أيْضاً، وعلى وَضْعِها، كُلِّها في السّلة نفسها، حيث تَصِيرُ الحداثة، والتَّنْوِير، مثلاً، هُما العلمانية نفسها، كما المُقدَّس عندَه، هو الإلهِي، وهو الدِّينيّ، لامَسافَةَ، ولا فَرْقَ، الماءِ نَفْسُه، بِاللَّوْنِ نفسه، والطَّعْم نفسه، والمَجْرَى والاتِّجاه نفسهما.
التَّشْوِيش الذي يُحْدِثُه المُتَدَيِّن، وأقْصِد به، وفق ما كُنْتُ أشَرْتُ إليه في كتاب «الإسلام المُتَشَظِّي»، مُدَّعِي الدِّين، أو المُنْتَسِب إليه من بابِ المَصْلَحَة والمَنْفَعَة، لا من بابِ الإيمانِ والاعْتِقاد، هو تَشْوِيش على الحاضِر، في مقابِل الماضي، وتَشْويشٌ على الدِّين، في مُقابِل التَّدَيُّن، وهو أيْضاً تَشْويشٌ على الحداثة، وعلى حرية الفِكْر والاجتهاد والنَّظَر. إذا كانتِ الحداثةُ، هي قَلْبٌ مُسْتَمِرٌّ للتُّرَبِ، وهي صَيْرُورَة وقَلَقٌ دائِمان، فهي، حَتْماً، ستكونُ تَشْوِيشاً على الفِكْر الماضَوِيّ، بِما هُوَ فِكْرٌ يَحْيا في ماءٍ قديمٍ، رَسَا واسْتَقرَّ في زَمَنٍ ومَكانٍ مُحدَّدَيْن. فالمُسَلَّم بهِ، وما لا يَقْبَل التَّغْييرَ أو التَّبْدِيلَ، هو ما يَسْتَفِيدُ منه المُتَدَيِّن، في خَلْط المفاهيم، وفي خَلْطِ التَّاريخ، واعْتِبار اللُّغَة حامِلَةً لمَعْنًى واحِد نِهائِيّ، وشُمُولِيّ، يَهُمُّ كُلَّ الخَلْقِ، في كُلِّ زَمانٍ، وفي كُلّ مَكانٍ، ولا دَاعِيَ لافْتِراض مَعانِيَ أُخْرَى جديدَة. وهو بِهذا، يَسْعَى لإلغاءِ الإنْسانِ، وَحَجْبِه خَلْفَ «المُقَدَّسِ»، الذي هو نفسُه «الإلهِيّ» و«الدِّينِيّ»، عِلْماً أنَّ المُتَدَيِّن يَحْيا ويَعِيشُ بالتَّأوِيل، أو بالشَّطَط في تأوِيل النُّصُوص، وفق ما يَخْدُم رؤيتَه، وما يَصْبُو إليه من امْتِلاكٍ للإنسان، بَعْدَ أنْ امْتلَك الإلَهِي، وحرَّفَهُ لِمَصْلَحَتِه.
إنَّنا، إذَنْ، بِصَدَدِ فِكْرٍ يُذِيبُ الدُّنْيَوِيَّ في الدِّينِيّ، أو يَجْعَل الدِّينِيّ يَشْرَبُ الدُّنْيَوِي، ويمْنَعُه من الانْفِصال عنه، وتأسِيس «أخْلاقِـ»ـهِ، التي هي غير أخلاق الإنْسان، أو الإنْسان وهو يَخْلُق قِيَمَه التي بِها يَحــــْيا ويَعِيش، لا بما نفرضه عليه من «أخْلاقٍ مُعبَّأَة بِمعْنَى الإلهِيّ الذي تَمَّ تَدْيِينُه»، كما يقـــول ميشونيك. فهذا النـــــَّوْع من التَّدْيين للإلهيّ، هــــو إلْغاء لله نفســــه، وتعْويضه بَبدائِل أخْرَى، هي من صُنْعِ المُتدَيِّن، الذي لا يَرْغَبُ في سَماعِ صَوْتِ الله، وهو يَدْعُوه لِيكُون مسْؤولاً عن أفْكارِه، وعن أفْعالِه، وعن كُلّ ما يَقْتَرِفُه من آثَام، لا يَدَ فيها لله، ولا للدِّين نفسِه.
ما يَقْصِدُه المُتَدَيِّن، حين يَذْهَبُ في هذا الاتِّجاه، هو «مأْسَسَة، وتَمَلُّك، واحْتِواء تَدْبِير الإلَهِي»، أي «تَدْبير الدِّين اجْتِماعِياً»، ما يَعْنِي إقْحامَه في السِّياسَة، أو تَسْييسَه، وبالتَّالِي اسْتِعْمالَه خارِجَ سياقِه، وخارِجَ وظيفَتِه، لأنَّ المُتديِّن، بهذا الخَلْط، وبهذا التَّشْوِيش، يُنَصِّب نَفْسَه «الابْن الشَّرْعِيَّ» للدين، وأنَّه هو وَحْدَه مَنْ يَمْلك «الحقيقة»، والحقيقة هي ما يقولُه هو لا غَيْرُه، ما دَامَ «لا يَسْمَع إلاَّ صَوْتَه»، الذي هو اسْتيلاء على صَوْتِ الله، وتَحْرِيف مَجْراه، بإنْزالِه من السَّماء إلى الأرْض.
هذا هو مَعْنَى «التَّحكُّم»، ومَعْنَى الهَيْمَنَة، والاسْتِيلاء على الدُّنيا باسْم الدِّين، أو استعمال الدُّنْيوِي لِفَرْض الدْينِي. ولعلَّ في هذا التَّحكُّم، ما يُلْغِي الإنْسان، وما يُلْغِي اللِّسان، ويُحوِّل الحُرِّيَة إلى قَيْدٍ، والحداثة إلى َتبَعِيَّة واسْتِعادة وتقليد، وهذا هو أخْطَر تَحكُّم، يُمْكِن أن يَجْرِي على الإنْسان، ويَسْتَبِدّ بفِكْرِه، أو يجعله خارِجَ شَرْطِه التَّارِيخِيّ، حيث لامَكان، في هذا النَّوْع من التَّحكُّم، للصَّوْتِ الآخَر، المُغايِر والمُخالِف. صَوْتٌ واحِدٌ للجميع، أي ما يَعْنِي، أن يصيرَ الجَمِيع صَدًى لِصَوْتِ المُتَديِّن المُخْتَبِئ خَلْفَ السِّياسِيّ، أو الذي يستَعْمِل السِّياسَة لخدمة الدِّينِيّ، لا الدُّنْيَوِي الاجتماعي، بما يَعْنِيه من اعْتِناء بالإنسانِ، وبتدبير شُؤونه، هُنا والآن، لا بِما كان فِي زَمَنٍ، ليس هو زَمُننا، ولا في مكانٍ، ليس هو مكانُنا.
وإذا نستطيعُ مُواجَهَة تَحكُّم الدَّوْلَة، أو تَحكُّم النِّظام السِّياسيّ، باعْتِبار دُنْيَوِيَتِه، فنحن لا نستطِيع مُواجَهَة التَّحكُّم الدِّينِيّ، لأنَّ كُلّ ما يُكرِّسُه هذا التَّحكُّم، يصبح مُطْلَقاً، ويُنْسَبُ إلى الله، أي يصيرُ مُقَدَّساً، وكُلّ من مَسَّه، أو رَغِبَ في تَغْييره، أو الانْقِلاب عليه، إنَّما يَنْقَلِبُ على الدِّين، وعلى الله.
٭ شاعر مغربي
صلاح بوسريف