القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1881 صدر أول قانون للرقابة في مصر، وقد اختص بالرقابة على المطبوعات، ذلك من تبعات ثورة عرابي، حتى تتم السيطرة على الصحف آنذاك، التي كانت تؤيد هذا الحدث، ثم في عام 1904 أضيفت الأفلام السينمائية إلى الصحف والمطبوعات، وفي 1911 صدرت لائحة التياترات، التي كانت ضمن المكتب الفني في وزارة الداخلية، حيث كانت تنص على تخصيص مكان مناسب في المسرح لضابط بوليس، كمراقب وقت التمثيل. وفي عام 1955 انتقلت الرقابة إلى وزارة الإرشاد القومي، وانتهت إلى المجلس الأعلى للثقافة منذ عام 1980».
لم يكن تاريخ الرقابة على المصنفات الفنية ــ السينما بالأساس ــ سوى تاريخ أشكال السلطة السياسية وأهدافها. وما بين المنع والإباحة إلا استعراض لتاريخ سياسي واجتماعي، يمكن من خلاله الكشف عن الأفكار والصراعات التي كانت دائرة بين فنان السينما والرقيب ممثل السلطة. في الكتاب المعنون بـ»تايخ الرقابة على السينما في مصر» للناقد سمير فريد، الصادر مؤخراً عن سلسلة الفنون بمكتبة الأسرة، يمكننا من خلال لائحة المحظورات التي تتطور دوماً أن نعرف إلى أي مدى وصل المجتمع المصري في قضية حرية التعبير. وبخلاف التعرض للمعارك الكبرى التي خاضها بعض السينمائيين مع جهاز الرقابة، وهو الصورة المباشرة لتطبيق الدولة لشروطها التعسفية في الغالب التي تخدم سياساتها في المقام الأول، تبدو فكرة تغيّر المحظورات أكثر دهشة.
يوسف وهبي في دور رسول الإسلام
تأتي أولى معارك الرقابة في السينما المصرية، حينما شرع يوسف وهبي في تمثيل شخصية رسول الإسلام، عام 1926، في فيلم ألماني بدعم من مصطفى كمال أتاتورك. وقد وصل الأمر إلى الملك فؤاد بتهديد وهبي بالنفي وإسقاط الجنسية المصرية عنه. ويستعرض سمير فريد السجالات والمقالات التي دارت بين يوسف وهبي والقرّاء وبعض علماء الأزهر، حتى انتهى الأمر، ونشر فنان الشعب في جريدة «الأهرام» في 30 مايو/أيار 1926 بيانه قائلاً «بناء على قرار حضرات أصحاب الفضيلة العلماء، واحتراماً لرأيهم السديد، أعلن أنني عدلت عن تمثيل الدور، وسأخطر الشركة بعزمي هذا». انتهى الأمر عند هذا الحد وانتهت الحكاية، لكن لنا أن نتأمل ذلك عام 1926 فهو عام الأحداث الكبرى على مستوى الوعي المصري، ففيه أصدر طه حسين كتاب «في الشعر الجاهلي»، وأصدر علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» ــ نهاية عام 1925 ــ وكان الملك فؤاد يبحث عن دور الخليفة الجديد، وما آل إليه حال كل منهم.. وهبي وحسين وعبد الرازق، هم نتاج السلطة السياسية لتلك الفترة، التي شهدت بعدها بعامين تأسيس جماعة الإخوان المسلمين رسمياً.
محظورات عام 1947
تغيّرت بعض تعليمات الرقابة عام 1947، نظراً للمأزق الذي كان يمر به النظام السياسي وقتها، فجاءت بعض الإضافات والممنوعات الجديدة التي تم فرضها على الفيلم السينمائي، نذكر منها، مراعاة الحذر والدقة في ذكر المواضيع التاريخية ومشاهير البطولة الوطنية، خاصة الموضوعات حديثة العهد، مما يخشى معه إحداث الشغب، كذلك تمنع مناظر الأحاديث والخطب السياسية المثيرة، ومناظر الجرائم التي ترتكب بدافع الاختلاف في الرأي، في ما يتصل بالخلاف السياسي والاجتماعي، كذلك منع ظهور الحارات القذرة وبيوت الفلاحين الفقيرة، وتجمهر العمال وإضراباتهم، واعتداء العامل على صاحب العمل، أو بث روح التمرد بينهم كوسيلة للمطالبة بحقوقهم. وأخيراً عدم التعريض بالوزراء والباشاوات، ومَن في حكمهم من رجال القانون والدين والأطباء، ورجال الجيش والبوليس. هنا نجد أن الحرب العالمية الثانية انتهت، وأن صوت الاستقلال الوطني تزايد، فكان لابد ومنع بعض الأفلام، كفيلم مصطفى كامل الذي لم يعرض إلا بعد يوليو/تموز 1952.
ما بعد 1952
صدر أول قانون للرقابة عام 1955، بعدما كان عبارة عن لائحة أو تعليمات خاصة بالرقابة. ويرى سمير فريد أن هذا القانون كان تعبيراً حقيقياً عن روح الثورة، فالهدف من الرقابة هو.. حماية الآداب العامة والمحافظة على الأمن والنظام العام ومصالح الدولة، بدون أن يحدد القانون بنوداً معينة، وترك ذلك لتقدير الرقباء أنفسهم. وبينما يحتفي مؤلف الكتاب بالقانون المذكور، إلا أننا لن نضع علامة تعجب ــ يعتبر سمير فريد أن فيلمي «شيء من الخوف» و»ميرامار» تعبير عن انتعاش قوى اليمين بعد هزيمة عام 1967 ــ فعدم تحديد بنود القانون وفي دقة شديدة، هو أساس المهازل التي تطالعنا حتى الآن، وفق هذه العبارات التي من السهل تأويلها حسب هوى الرقيب، الذي تحوّل من ضابط بوليس رسمي في السابق إلى موظف أمني محسوب على مَن يسمون أنفسهم بالمثقفين ــ عدا استثناءات ــ فأغلبية السادة الرقباء تابعون أوفياء للنظام السياسي الحاكم. الأمر الأكثر خطورة هو تأييد بعض المثقفين، وبالطبع هم أصحاب الأصوات العالية في الصحف والدوريات، ليلعبوا اللعبة المعروفة بأن يطالبوا بمنع هذا الفيلم أو ذاك، ويناشدون وزارة الثقافة بالإسراع في ذلك، هنا تبدو الرقابة في خدمة الرأي العام، وسلسلة المقولات الجاهزة، من الأمن وسُمعة الوطن وكرامته، وما شابه من تلفيقات تليق بقاصري العقول، أو يقوم الوزير باستصدار قراره بمنع فيلم ما، ويبدأ مهللو الصحف في تمجيد القرار والإشادة به، خاصة مع تصاعد المد الديني منذ منتصف السبعينيات، التي أنتجت ثمارها الآن. أعمال كثيرة تشوهت سواء بالحذف أو المنع التام، مثل «المذنبون» 1976، «الغول» و» خمسة باب» و»درب الهوى» 1983.
تبعات قانون الرقابة
ويستطرد سمير فريد ذاكراً أن في الفترة من 1984 وحتى 2000 لم تمنع الرقابة أي فيلم مصري، إلا أن المطالبة بالمنع لم تعد قاصرة على الصحافة ــ وكأن الأمر يدخل ضمن إطار المنطق أن تطالب الصحافة بذلك ــ لكنها امتدت إلى كل الفئات في ظل نمو التطرف الديني، ويضرب العديد من الأمثلة. ضابط شرطة يرفع قضية لمنع فيلم «للحب قصة أخيرة» لرأفت الميهي عام 1986، بحجة تصوير مشهد جنسي بين بطلي الفيلم. بعض السينمائيين والمثقفين يطالبون بمنع فيلم «القاهرة منورة بأهلها» ليوسف شاهين عام 1991، بحجة الإساءة لسمعة مصر. طالب بعض الصحافيين بمنع فيلم «ناجي العلي» عام 1992، بحجة موقف ناجي العلي من مصر بعد معاهدة كامب ديفيد 1977. أحد المحامين يرفع قضية لوقف عرض فيلم «المهاجر» عام 1994، لمشابهة أحداثه وقصة يوسف في الكتب المقدسة. بعض الصحافيين يطالبون بمنع فيلم «الأبواب المغلقة» لعاطف حتاتة 2001، بحجة كشف عورات المجتمع كما يريدها أصحاب التمويل من الأجانب.
فروض الولاء والطاعة
ونختتم ببعض من لائحة المحظورات السعودية، التي اعتمدتها شركات السينما المصرية، التي كانت السعودية ودول الخليج السوق الأوحد لشرائط الفيديو، ومنها.. عدم وضع الممثلين سلاسل ذهبية في رقابهم وأيديهم. عدم القسم بغير الله. عدم احتضان الممثل للممثلة. منع الرقص بكافة أنواعه. عدم التعرض للأنظمة السياسية بمختلف أنواعها. عدم الإساءة لرجال السلطة والأمن. ممنوع غناء السيدات. يضاف كلمة «بإذن الله» أو «إن شاء الله» قبل أي فعل مُستقبلي. عدم استخدام كلمة «ربنا افتكره»، فذلك يعني أن الله قد نسيه، والاقتصار على كلمة «توفي». عند تلاقي شاب وشابة، أو رجل وامرأة غير متزوجين في أي مكان، فلابد من وجود شخص ثالث يشترك في الديالوغ. وأن آخر دعوانا أن حسبنا الله ونعم الوكيل.