المتاهة الليبية

حجم الخط
7

تتعرّض حكومة «الوفاق الوطني» الليبية التي تتمتع بشرعيّة أممية لحالة تآكل مستمرة، بدأت مع اجتماع لبرلمان طبرق في آب/أغسطس الماضي صوّت فيه المجتمعون على رفض الحكومة المذكورة وذلك بعد محاولات عديدة سابقة للتصويت لصالحها، تبعه استيلاء قوّات الجنرال خليفة حفتر (القائد العام للجيش الليبي حسب حكومة عبد الله الثني وبرلمان طبرق المذكور) في 13 أيلول/سبتمبر على موانئ النفط الرئيسية في شمال شرق ليبيا (السدرة وراس لانوف والزويتينة).
بهاتين الخطوتين قام الجنرال، بتغطية إقليمية من حليفه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (وبتواطؤ أوروبي)، بإسقاط الشرعيّة السياسية عن فريق رئيس الوزراء فايز السراج في طرابلس وكذلك بسحب الورقة الاقتصادية الكبرى في ليبيا، النفط، من يد حكومته التي كانت منهمكة، تحت عنوان معركة «البنيان المرصوص»، في مدينة سرت (مسقط رأس الزعيم الليبي السابق معمر القذافي التي خاض فيها آخر معاركه قبل أن يُقتل) بحرب استنزاف عسكرية طاحنة مع تنظيم «الدولة الإسلامية» لم تنته فصولها حتى الآن، بحيث تحوّلت إلى مدينة مدمرة وخالية من السكان.
في هذه المرحلة العصيبة ظهرت حكومة «الإنقاذ»، التي يرأسها خليفة الغويل إلى صدارة المشهد الليبي مجدداً، والتي كانت قد سلّمت في تموز/يوليو الماضي مقارها تدريجياً، معلنة استيلاءها على مقر المجلس الأعلى للدولة، كما أعلنت وحدات من الأمن الرئاسي المكلف بحماية القصور الرئاسية، ليلة الأحد الماضي انشقاقها عن حكومة «الوفاق» وانضمامها لحكومة الغويل، فرد المجلس الرئاسي بإصدار أمر بالقبض على الأطراف التي اقتحمت مجلس الدولة وتسليمهم إلى القضاء.
لتدعيم موقفها المفاجئ لم تجد «حكومة» الغويل المستأنفة غير دعوة «حكومة» برلمان طبرق التي يرأسها عبد الله الثني لتشكيل حكومة «وحدة وطنية»، وهو أمر لقي بالطبع استجابة تكتيكية سريعة من حكومة الثني، وتم تسريب أنباء أن وفدين من الحكومتين التقيا في ثلاث جلسات في العاصمة الأردنية عمّان، وذلك بتنسيق دوليّ وإقليميّ، وهو ما سيعطي مبرّراً جديداً لقوات الجنرال حفتر لمحاولة الاستيلاء على العاصمة السياسية للبلاد.
الردّ على هذه النقلة السياسية المزدوجة جاء من القوّات التابعة لحكومة الوفاق داخل طرابلس وكذلك من قوات «البنيان المرصوص» في سرت التي اعتبرت الحادث انقلابا على الشرعية التوافقية وهددت «كل من تسوّل له نفسه المساس بشرعية الاتفاق السياسي الليبي والمؤسسات المنبثقة عنه».
بعض المحللين السياسيين الليبيين قلّلوا من أهمية انشقاق الغويل وربطوا ذلك بامتعاض مجموعة من أفراد الأمن الرئاسي من قيام مجلس الدولة «بوقف ممارساتها غير القانونية» وأن ما حصل لا خلفية سياسية له وأنه مجرد «ابتزاز مالي»، ولكن هذا التحليل، حتى لو كان صحيحاً، لا ينفي أن خطراً داهماً صار يتهدد حكومة «الوفاق الوطني»، وأنها ما لم تتمكن من إنهاء حملتها العسكرية في سرت، وحسم الانشقاق الأمني والسياسي في العاصمة بسرعة، فإن مشروع التوحيد السياسي لليبيا، الذي تبنّته الأمم المتحدة، يكون قد دخل مجدّداً في المتاهة الليبية.

المتاهة الليبية

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية