رحلة مرعبة إلى جحيم سجن نساء فرنسي

حجم الخط
1

 ■ أثار الدرامي الفرنسي ضجة صحافية كونه من إنتاج  الفنانة جولي غاييه العشيقة السابقة للرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، التي تجسد دور محامية تحاول مساعدة موكلتها  ماتيلدا (صوفي مارسو)  أستاذة جامعية تجد نفسها مسجونة لمساعدتها زوجها في الهروب من السجن، والذي تنقطع أخباره فتظل حبيسة في عالم مختلف ومرعب.
هذا الفيلم أشبه بضربة معلم، حيث وجه لكمة موجعة تنتقد عالم سجن النساء ليضعنا في قارب متهالك يخوض العواصف والأمواج، لنشعر بالخوف والرعب، ولكن المخرجة بمهارتها كشفت لنا الكثير من العنف والإنسانية. يصور الفيلم الأحداث بواقعية ليميط اللثام عن عيوب تشغيل نظام السجون الفرنسية، كما أن الفيلم له ميزة كبيرة إذ أنه يأخذ صوفي مارسو بعيدا عن الأفلام الكوميدية والرومانسية، فنجدها امرأة بدون ماكياج وفي حالة رثة ومزرية وتعاني القلق وعليها التعايش مع هذا العالم الموحش والتأقلم مع زميلاتها النزيلات وكذا قسوة بعض السجانات.
أودري استروجو، سبق أن خاضت في قضايا شائكة، ففيلمها الأول عن الحياة في الضواحي، وفيلمها الثاني عن الأجانب بدون وثائق الإقامة وفيلمها الثالث تناول عواقب الاغتصاب، حيث واجهت مشاكل إنتاجية صعبة مع ذلك تصمم لتشق طريقا مفروشا بالشوك في كشف قضايا اجتماعية مسكوت عنها وتصر على طرق باب التحدي لتزرع كاميرتها في قلب سجن النساء. هذا الفيلم يذكر ويعيد إحياء فيلم «نبي» للمخرج جاك أوديار الذي خلق سيمفونية مرعبة عن سجن الرجال، لكن الأفلام الفرنسية نادرا ما تتعرض لسجون النساء.
تقول المخرجة في مقابلة لها إن الفيلم ولد في ذهنها منذ أربع سنوات وهي تريد هنا تعريفنا بمعنى سجن النساء، وما هي جرائم النساء فهذه الشخصيات القابعة في السجون لا أحد يستمع لمعاناتها وألمها، وأنها أحبت الشخصية الرئيسية وهذا العالم الغرائبي المثير حولها، فالفيلم مقاربة ويناقش قضية اجتماعية مهملة، وكذا رغبتها في فيلم جديد ليس له شبيه، وحول اختيارها للفنانة صوفي مارسو كشفت أن هذا كان بالصدفة فهي لم تفكر بصوفي أبدا خلال كتابة السيناريو وهذا حدث مصادفة، فذات مرة ركبت معها القطار وحكت لها قصة الفيلم وكانت المفاجأة أن صوفي أبدت رغبتها في تجسيد الشخصية، رغم أن المشاهد الفرنسي متعود رؤية مارسو في أفلام كوميدية ورومانسية جذابة.
وبالنسبة لصوفي مارسو فقد أكدت في حوار لها أن دافع قبولها لهذا الدور عدة عوامل منها أن المخرجة التي عملت ثلاثة أفلام جيدة، شابة ذكية وتحمل أفكارا وأهدافا جادة، فهي تنجز أفلامها لتعطي الناس وتدافع عنهم، أي أننا مع سينما جادة وتثير الجدل بمواضيعها وليس مجرد تسلية وربح خصوصا أنها تبحث في أصول الطبيعة الإنسانية، كما كشفت أن المخرجة زارت سجونا كثيرة وتعبت في كتابة الفيلم، والفيلم ليس وثائقيا ولا لهدف توثيقي ففيه عرض درامي وقد كان العمل شاقا ومتعبا، لكن النتائج رائعة ومشجعة والممثلات المشاركات رائعات والكل بذل جهدا فوق طاقته.
نحن في فيلم «المسجونة» مع سينما جادة وموضوع ثقيل وبعيد عن الكوميديا والرومانسية التي تجذب الجمهور، وهذه خطوة شجاعة، والفيلم يكشف حقيقة مرة وواقعية، فالسجن ليس مصلحة تهذيب وتأديب وإصلاح للفرد، بل العكس تماما فهو يحطم ويدمر الفرد ويمسخ كل الصفات الإنسانية، فالسجن دنيا مشبعة بالعنف، والمخرجة ربطت بقوة قضايا عديدة تعاني منها المرأة داخل وخارج السجن، رغم أن الكاميرا ظلت حبيسة مع الشخصيات داخل الجدران القاسية وصرير فتح الأبواب والزنازين خلق أيضا رعشة القسوة، ولم يكن الفيلم مركزا على شخصية واحدة، بل على عدة شخصيات، سجينات وسجانات، ولكل واحدة قصتها وألمها، هناك شخصيات ضائعة ومحطمة وليس لها كيان يمكن لمسه، والسجن زادها ضياعا وتمزقا ولا تملك الحب أو تشعر به لذا فالعنف ناتج عن فقدان التوازن النفسي والروحي، الجميع متعب ومعزول ولا توجد عوامل مساعدة كون كل شيء محبطا وبائسا وثقيلا. 
ركز الفيلم على نماذج لنساء من أصول عربية وأفريقية، وهذه النماذج واقعية وغير مبالغ فيها، فهناك دراسات عديدة تشير إلى أن الكثير من السجون الفرنسية تزدحم بنماذج من أصول عربية وأفريقية وهؤلاء يجدون صعوبة بالغة في التعايش مع المجتمع خارج السجون، لذا سرعان ما يعودون إليها. صور لنا الفيلم قسوة السجن كأننا في حفرة من جهنم وزج بنا لمشاركة شخصياته حياتها المبنية على الانتظار، فبعضها أصبح غير مكترث بالحياة والمستقبل فلا أمل ولا توجد تباشير ودوافع تنقذ من الضياع، وهناك مسجونات يشعرن بالظلم والقهر وغياب العدالة وضحايا أخطاء قضاة، وكونهن من بيئة فقيرة ومعدمة فلا يجدن من يدافع عنهن، وهناك من تقرر وضع حدا لنهاية بؤسها بالانتحار، كما أننا نلمس ما يحدث للسجانات ومنهن من يتحولن إلى سجينات، فمعايشة هذا المحيط بقلقه ورعبه ومتغيراته يكون التحول مفزعا وتجف منابع الإنسانية فتتصحر الروح وتكون ردة الفعل متطرفة، فالسجانة من أصل عربي وترفض أن يقال لها عربية وتتسبب بموت سجينة شابة ومضطربة نفسيا وتثور السجينات ضد هذه السجانة وضد هذا الوضع المزري. السجن هذا العالم المتكامل الموحش له قانونه الداخلي الخاص، لا نعني القانون الرسمي ما نقصده له تقاليده الخاصة ولغته الخاصة، ماتيلدا كادت تصاب بالجنون لكنها تخلصت منه بربط صداقات وتفهمها لبعض الحالات وتضطر للاندماج التدريجي مع مجتمعها الجديد، بعض المسجونات يحاولن قتل الملل والعذاب بتناول المخدرات ومحاولة التقاط لحظات البهجة بتكوين صداقات والتعري من كل زيف، هذه تعترف لتلك وتلك تحكي قصتها بصوت مسموع وهناك أحلام مؤجلة وأخرى تموت.

٭  سينمائي يمني مقيم في باريس

رحلة مرعبة إلى جحيم سجن نساء فرنسي
فيلم «المسجونة» للمخرجة أودري استروجو
حميد عقبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية