كيف نقيم علاقاتنا مع الأشياء؟

حجم الخط
2

مدريد ـ «القدس العربي» محمّد محمّد الخطّابي: في خضمّ الكمّ الهائل والمتوالي من الترجمات الأجنبية التي نُقلت إلى اللغة الإسبانية مؤخّراً في فترات زمانية متفاوتة، حيث صدرت عدّة كتب في مختلف المجالات التاريخية والأدبية والإبداعية والفنيّة استوقفتني منها على وجه الخصوص رواية للكاتب النّمساوي الرّاحل توماس برنهارد وهي بعنوان «الأسمنت».

شخصيّات من مِعطف كافكا

شخصيّات رواية «الإسمنت»، أو «الملاط» لبرنهارد قد التقت وتوافقت معه في مصيره المحتوم بالمعنى المزدوج للكلمة، أيّ أنّه كما يحدث في روايته هذه، فقد وفى بوعده مع هذا المصير الذي كان لا مفرّ، ولا مناص للكاتب منه، فمات بالفعل، ذلك هو المعنى الجليّ في هذه الرّواية. هذه الرواية تجعلنا منذ الوهلة الأولى نشعر بنوع من الانقباض والقلق والتوجّس فهي تنبئنا منذ البداية أن العالم في منظورهذا الكاتب حافل بالعنف والقلق والمعاناة والنفاق والتفاوت والعبث أو اللاّمعقول. وكما هو الشأن مع فرانز كافكا وروبر والسر، فإنّ البطل في عزلته القاتلة في نهاية المطاف يجد نفسَه بمفرده أمام فشله الذريع، إنّ الحمق أو المرض كانا نقطة انطلاقه نحو هذا المصير المجهول، إلاّ أنّ ذلك كان يسبّب له آلاماً مُبرحة، واستمراريةً لمعاناته وتفاقم شقائه.
شخصيات برنهارد في المرحلة الأولى من أعماله كانت تجد النجاة نظراً لميلها وازورارها نحو الفضول والتطلّع واكتشاف حقائق العالم المحيطة بها، سواء كانت شخصيّات حمقى أو مرضى. إلاّ أنّها شخصيات كانت تحاول باستمرار البحث المتواصل، والاستفادة الحثيثة، أيّ كان دأبه هو المعرفة.
وعلى الرّغم من عدم تمكن هذه الشخصيات تحقيق ما تتوق إليه، فإنّها كانت لا تجد الإنقاذ، بل إنّها بهذا الفشل إنّما كانت تبحث عن منفذ لجلدها والميزة التي تجمعها هي العزلة التي من جرائها كانت تتولّد الاستفادة لديها.
شخصيات هذه الرواية تراجيدية المنزع، لأنّها كانت تتصارع بدون هوادة فيما بينها بدون انقطاع، وبين القوى المتناقضة، مثل ما هو عليه الشأن لدى الأبطال الكلاسيكييّن. فالخلاف بين هذه الشخصيات، وبين هؤلاء الأبطال هو عدم إحرازها أيّ انتصار حيال قلقها الفادح ومعاناتها المُزمنة.
الكاتب، يتبّع في ذلك تقليداً لدى فرانز كافكا ولدى روبر والسر. هذا التقليد كان قد أعطى بعداً جديداً للطبيعة الإنسانية في العالم المعاصر. ويتمثّل هذا البعد في علاقة الإنسان بمنتوجاته، في هذه الحالة يصبح الفنّ والأدب لديه في مستوى تقنية زراعية مّا، السّؤال إذن الذي تطرحه الرواية هو: كيف نقيم علاقاتنا مع الأشياء؟ وإذا ألقي السّؤال بصيغة ضميرالمتكلّم يكون كما يلي: بأيِّ وسيلةٍ أقيم علاقتي مع ما أعتقد أنه لي ومِلكي؟
وفي محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة المُحيّرة، فإنّ الأفراد يكتشفون الغموض المطلق، حيث يتحرّك كلّ ما هو ليس أنا حتّى ولو كان هذا الشيء لي وملكي. إنّ الإجابة الموجّهة (للخارج) تتمثّل في أنّه مع الأشياء لا يستطيع المرء فعل أيّ شئ، أمّا الإجابة الموجّهة (للداخل) فتتمثّل في الموافقة حسبما يرتاح له ضميرالمتكلّم . الكاتب- بناءً على ما سبق – كان يرسم الخطوط العريضة لروايته على أساس تقليدي، وإن كان في النهاية قد عبّأها وشحنها بطاقات تعبيرية هائلة، حتى انتهى به الأمر في الذّوبان في عمله، حيث كان بذلك وكأنهّ يبدع أدباً جديداً.

ذوبان الضّمير

موضوع رواية «الإسمنت « لتوماس برنهارد ليس هو في الأساس «ذوبان الضمير» أو تهريمه أيّ جعله هرماً عتيّاً. ذلك أنّ الضمير بالنسبة لفرانز كافكا وروبر والسر يسيل بين أناملهما، في حين يلجأ توماس برنهارد إلى البحث والتنقيب عن علاقة مّا تقود إلى الفساد، أو تفضي إلى الزّوال، أيّ أنه يراقب عن كثب كلّ حركة في اتّجاه الموت أو الاضمحلال. فبالنسبة للأوّليْن (كافكا ووالسر) فإنّ الضمير- والحالة هذه – ما زال يقود إلى الفنّ، أمّا بالنسبة للكاتب النمساوي، فإنّ الضّمير يُسهم في الزجّ به ودفعه إلى معانقة الموت الزّؤام، وبالتالي إلى حفر قبره. إنّ روايته «الإسمنت « مثل أعماله الأخرى، وبشكل خاص روايته «الانقراض» إنّما هي بالنسبة للكاتب تسعى وتتوق إلى تعرية وظيفة مشروع الأدب، أيّ تجريد الحقيقة من كلّ رأسمالها. فـ»الإسمنت» رواية مُغلقة، ومنتهية بشكلٍ نهائي لدرجة أنّ الكاتب يجعل من الصّعوبة علينا التفكير في عمل لاحق له من شأنه أن يلقي الأضواءَ به على أعماله السّابقة، ففي هذه الرّواية لا يمكن أن يطرأ تغييرعلى وجهة النظر المُعبَّر عنها آنفاً، فلا امتداد، ولا استبدال للرّؤية القصصيّة، ولا للرّواية إلاّ بموته .
إنّنا نجد في هذه الرّواية كلمة تطفو على سطح الحديث والأحداث بإلحاح متواتر، فالبطل مدفوع بالقرف أكثر من الفضول. ويتّضح هذا الاتجاه على امتداد الصّفحات الرّهيبة للرّواية. هذا الرّعب نجده مصحوباً بإرهاصٍ جامح، وبشعورعارم حيال الموت غير المُعلن عنه بواسطة القلق، أو الكتابة، أو الشّقاء، أو المعاناة وحسب، بل بواسطة عنصرين أساسين في الرّواية وهما السّخرية والازدراء كذلك. إنّ النجاة كانت تُدرَك في الأعمال التاريخية، والإبداعات الكلاسيكية، على وجه الخصوص، وكان يرجع الفضل في ذلك إلى طاقة المعرفة وزخمها، والفضول المتصاعد لدى الأبطال. هذه الطاقة وهذا الفضول نجدهما يتلاشيان في رواية توماس برنهارد. إنّ القرف الذي يتحدّث عنه الكاتب بدون أيّ حرج جوهري، أو أيّ تبجّح أسلوبي في هذه الرواية إنّما هو انعكاس واضح ورجعُ صدىً بيّن لما كان قائماً في بلده النّمسا على عهده في مجالات الثقافة والفن والإبداع، فضلاً عن آفة الرّياء الإنساني والنفاق المُستشري في مجتمعه، وهو ككاتب وناقد متتبّع كان يراقب ذوبانَ ضميره فيه من فرط معاناته، هذا المجتمع الذي كان يصفه بأنه مجتمع عديم الضمير، أو مجتمع بلا ضمير، يُضاف إلى ذلك إشكاليات الأيديولوجيّات المزيّفة. إنّ الكاتب حيال ذلك برمّته يقهقه بصوتٍ جهوريٍّ عالٍ وهو يقول لنا وداعا.

كيف نقيم علاقاتنا مع الأشياء؟
«الإسْمَنت» للنّمساوي تُومَاسْ برنهَارد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية