يقول إدواردو غاليانو في كتابه «كرة القدم بين الشمس والظلّ»: «كرة القدم تقدّم ألف حكاية وحكاية مهمة، فيها المجد والاستغلال والحب والبؤس وفيها يبتدئ الصراع بين الحرية والخوف ونحن في أوج ديانة السوق».
من هذا المنطلق يقدم لنا شكري المبخوت في روايته الثانية «باغندا»: إحدى هذه الحكايات في عالم كرة القدم، قصة الجوهرة السوداء «فتحي بركة» الملّقب بـ»باغندا» وهو لاعب أحد أعرق الأندية التونسية فريق الاتحاد التونسي الذي اختفى في ظروف غامضة في عزّ عطائه وعزّ شهرته .
ما الذي وقع لباغندا؟ هو الخيط التشويقي الذي يتابعه قارئ هذه الرواية عبر تتبعه للتحقيق الذي قام به أحد الصحافيين، لا من أجل السبق الصحافي فقط وإنما بدافع ذاتي حيث كان باغندا من معارف طفولته . ولكن لم يكن هذا التحقيق إلا ذريعة من شكرى المبخوت لإدخال القارئ بلغة كرة القدم إلى حجرات الملابس بمعناه الرمزي والكشف عن ملفات الفساد الرياضي والإعلامي والمالي والسياسي في فترة معينة من تاريخ تونس ما بين 1986 و1989. «باغندا «هي الرواية الثانية للكاتب شكرى المبخوت تمتد على مئتين وأربعين صفحة مقسمة إلى ثمانية فصول عن دار التنوير للنشر.
بين كرة القدم والتحقيق :
يضرب شكرى المبخوت في هذه الرواية عصفورين بحجر واحد، حيث يتطرق إلى عالم كرة القدم: أجواء الملاعب التونسية، الجماهير والمراهنات والكواليس الخلفية للعبة الأكثر شعبية في العالم، هذه ثيمة جديدة على الأدب العربي باستثناء أعمال قليلة نذكر من بينها رواية «ضربة جزاء» للجزائري رشيد بو جدرة مقابل اهتمام كبير من الأدب الغربي بهذه المستديرة الساحرة مثل بازوليني في كتابه «الملاعب» وغاليانو في كتابه «كرة القدم بين الشمس والظل» وبراي وغيرهم .
كما أنه اعتمد في عمله هذا على تقنية التحقيق الذي نجده في الرواية البوليسية التي تعتبر من الأجناس النادرة أيضا في الأدب العربي، إذ تجد في هذه الرواية كل أركان الرواية البوليسية: الجريمة المحقق الضحية المشتبه فيهم، وهو تحقيق في جريمة لا يعرف المحقق والقارئ نوعها. فالقارئ يبحث مع المحقق الصحافي هنا حقيقة يجهلها كلاهما. اعتمد الصحافي في هذا التحقيق على قصاصات صحافية قديمة وعلى استجواب كل من كانت له علاقة بباغندا من قريب أو من بعيد .
فلماذا استبدل المبخوت البوليس بالصحافي في تتبع هذا اللغز، الأكيد أنه شيء متعمد فعدم وجود البوليس هو يزيد من غموض هذه القضية، كما أنّ غايات شكري المبخوت ليس الوصول إلى المجرم وإنما التحقيق في الدوافع السياسية والاجتماعية التي دفعت للجريمة وهذا ليس من مهمات المحقق الأمني.
من كان وراء اختفاء باغندا ؟ هذا هو اللغز الذي يحاول الصحافي هنا البحث عن مفاتيحه
باغندا بين الشمس والظل:
لا يمكن أن نتعرف على حكاية فتحي بركة إلاّ إذا ارتحلنا مع شكري المبخوت إلى أعماق تونس والشوارع الخلفية باب الجديد والملاسين وباب سويقة وحي معقل الزعيم وأحياء شعبية أخرى، حيث ينخر الفقر والحاجة والبطالة والجريمة عظام العباد. في هذه البيئة نشأ فتحي بركة الطفل الذي لم يُلسع فقط من سُمّ الفقر واليتم المبكر والفشل الدراسي، وإنما من سم العنصرية التي تعتبر من المواضيع المهمة التي أشار إليها شكري المبخوت وتناولها بالنقد، حيث مازال المجتمع التونسي يرى السود في مرتبة دونية فكانوا ينادونه «كحلة» و«وصيف» وغيرها من نعوت التمييز العنصري. لم ينجح هذا الشاب في أيّ حرفة أرادت أمّه أن يتعلمها إلاّ حرفة مغازلة الكرة المستديرة الساحرة التي كان يتتبعها من حي إلى حي، من بطحاء إلى بطحاء يلعب بقدمين حافيتين حيث كانت مُتعته الأولى .وبعد أشواط من التسكع في أحضان العربدة واستهلاك الخمور والمخدرات ومعاشرة المومسات والخارجين عن القانون، يدخل باختبار بسيط إلى عالم المجد: مجد كرة القدم ليصبح أشهر لاعب عرفته الكرة التونسية في تلك الفترة حيث كان ذكيا وموهوبا تنقاد الكرة إليه انقيادا. وسُمّي بباغندا وشبّهه مدربه البرازيلي بـ«بيليه» تونس وكان وقتئذ معبود الجماهير الرياضية وقد قدّم العديد من الأهداف والألقاب لفريقه الاتحاد التونسي الذي كان يرأسه آنذاك عماد بالخوجة». لكن الحب والثقة بالنفس والطموح من الأسباب التي ساهمت في أفول نجم الاتحاد التونسي في وقت مبكر. قصّته الغرامية مع ابنة أحد أثرياء تونس، وطموحه للأفضل في أن يكون له أجر مضاعف أو أن يلعب في فريق أجنبي من الاحتمالات التي ساهمت في اختفائه ووضعته في صدام مباشر مع رئيس الفريق عماد بالخوجة المشتبه فيه الأول في هذه القضّية. وكان على الصحافي تتبع ملف هذا الأخير أن يضع يده «في عش العقارب ويحرك برازا كريه الرائحة».
عش العقارب :
عندما فتح الصحافي ملف عماد بالخوجة وهو في طريقه لمعرفة سر اختفاء باغندا، اكتشف جرائم أخرى كان وراءها هذا الشاب الطموح الذي لم يدّخر جهدا في اللعب بكل الأوراق لزيادة رصيده المالي وتوسع سلطته، إذ أنه لم يأخذ من صنعة والده في صناعة الشاشية» إلاّ وضع شاشية هذا على رأس ذاك» وكان كالأخطبوط يمد أياديه في كل الاتجاهات، إذ بدأ بصناعة ثروته بالنصب وعمليات تزييف واحتيالات خطيرة .
ومنذ توليه منصب رئيس الاتحاد التونسي ودخوله عالم كرة القدم أصبح يتحكم في كل شاردة وواردة بقدرته على شراء كل ما يعترضه. فأصبح مصير البطولة يُعرف حتى قبل بدايته كما تفطن إلى الأرباح التي يمكن أن يدرها بيع وشراء اللاّعبين، خاصة أن كرة القدم في تلك الفترة لم تكن تعتمد على الاحتراف. وقد جنى الكثير من الأرباح جراء هذه الممارسات التي ذهب ضحيتها العديد من اللاعبين، خاصة الأفارقة منهم. كما أنه يتدخل في الجماهير وفي المراهنات وغيرها وأصبح المتحكم الوحيد في مصير كرة القدم التونسية .
كما عمد شكري المبخوت من خلال شخصية هذا الأخير إلى فتح ملف الإعلام والصحافة فهي مجرد «شقشقة لفظية… وانبطاح لذوي السلطان من دون مبرر» وتعرض للتدخل السافر في هذا القطاع وللمقالات المدفوعة الأجر وشراء الذّمم، حيث كانت السلطة السائدة آنذاك تشتري شرعيتها وتعمل على إرساء دولة البوليس وإرساء أركان الديكتاتورية. كما عمد إلى فتح ملفات الفساد المالي بداية من الرشاوى إلى التهرب من الضرائب إلى كيفية شراء ذمم رؤساء البنوك والتحكم في دواليب المال بإغداق الهدايا وإقامة السهرات الماجنة التي يقيمها على حسابهم ولإرضائهم وشرائهم، إلى أن وصل إلى أصحاب القرار والنفوذ في السلطة فأصبحوا كالدمى في يده يحركهم مثلما يريد .ولهذا أكّد المبخوت في هذه الرواية على أن عالم كرة القدم المتعفن ما هو إلاّ صورة مصغرة من العالم السياسي المتهرئ، مادام المال والسلطة هما المتحكمان في كل شيء: عالم ضاعت فيه القيم لصالح ديانة السوق والمال. وما صورة انقلاب عماد بالخوجة» على الرجل الذي مد يد المساعدة له وكان بمثابة الأب الروحى له وهو مصطفى الشريف الذي أخذ مكانه بطرق غير شرعية في رئاسة الاتحاد التونسي إلا صورة عن الانقلاب الذي قام به زين العابدين على بورقيبة. فكرة القدم والسياسة وجهان لعملة واحدة.
لم ينجح الصحافي فى الوصول إلى أي نتيجة، ولم ينشر تحقيق عمره لأسباب شرحها المبخوت على كامل الرواية ولم يعرف الصحافي مصير باغندا إلاّ بعد سنوات من هذا التحقيق سنة 1989 حيث أن باغندا انتحر حرقا في غرفته في مستشفى الرازييوم يوم السابع من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1987 وبين نار ونار عاشت تونس ألف حكاية .
هكذا يواصل المبخوت في هذه الرواية مشروعه الروائي الذي بدأه في روايته «الطلياني» وهو فتح ملفات الفساد الإعلامي والمالي والسياسي، فهي بمثابة الشوط الثاني خاصة أنّه حافظ على اللاّعب المحوري مغيّرا في التكتيك فقط، إذ لم يكن الصحافي في رواية «باغندا» إلا عبد الناصر الطلياني ذاته في فترة زمنية من حياته عندما اشتغل في الصحافة بعد تخرجه من كلية الحقوق وفي الصحافة الرياضية بالذات. كان عبد الناصر هو السارد ولكن عبر التحقيق مكّن عديد الأصوات الأخرى من التعبير عن مواقفها .
وإن اعتمد كاتبنا على الذاكرة وعلى التاريخ القريب في هذه الرواية إلا أنها تمد بظلالها في الحاضر وتنبئ بالمستقبل وكما يقال: إن التاريخ يعيد نفسه « مات الملك ….عاش الملك .
٭ ناقدة تونسية
ابتسام القشّوري