الحديث عن رواد التنوير العربي ورموزه يبقى ناقصا إذا لم تتعرف الأجيال الجديدة على الدكتور ثروت عكاشة ودوره؛ كظاهرة متفردة تخطت تخصصها الوظيفي والمهني وتجاوزت حدود الجغرافيا السياسية لمصر والوطن العربي، وجعلت من الثقافة العربية قوة ناعمة مؤثرة في الثقافة الثورية المعاصرة؛ وإليهم أقدم هذا التعريف المختصر بهذا المثقف الكبير:
15 – ثروت عكاشة (1921 / 2012)؛ قاهري المولد سنة 1921، بدأ حياته الوظيفية ضابطا بالقوات المسلحة، بعد حصوله على بكالوريوس العلوم العسكرية عام 1939، وأتم دراسته في كلية أركان الحرب عام 1948، وحصل على دبلوم الصحافة من جامعة فؤاد الأول سنة 1951، ودكتوراه الآداب من جامعة السوربون1960، ورأس تحرير مجلة التحرير (1952 / 1953). وأُرْسِل ملحقا عسكريا في سفارة مصر في بون ثم باريس فمدريد (1953/ 1956)، وأصبح سفيرا في روما (1957/1958)، ووزيرا للثقافة والإرشاد القومي (1958/1962)، وعضو مجلس الأمة (1964/1966) وعضو المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو (1962/1970)، ورأس المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية سنوات 1962 و1966 و1970، وتولى رئاسة البنك الأهلي المصري من 1962 إلى 1966. وعينه الرئيس عبد الناصر نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للثقافة في 1966 و1967، وأختير نائبا لرئيس اللجنة الدولية لإنقاذ مدينة البندقية في 1967 واستمر في ذلك المنصب حتى 1977.
وعين زيرا للثقافـة للمرة الثانية من 1967 إلى 1970، ثم مساعدا لرئيس الجمهورية للشؤون الثقافية من 1970 إلى 1972، وأستاذا زائرا لمادة تاريخ الفن بالكوليج دو فرانس بباريس في 1973، وزميلا بالأكاديمية الملكية البريطانية 1975. ورئيس اللجنة الاستشارية الثقافية في معهد العالم العربي في باريس 1990/1993، وعضوا عاملا في المجمع الملكى لبحوث الحضارة الإسلامية؛ مآب مؤسسة آل البيت 1994.
وفي ملف أعدته عنه صحيفة البوابة في ذكرى رحيله الثانية وصفته بمقريزي عصر النهضة الثقافية المصرية، ومقريزي النهضة الثقافية العربية والإسلامية والإنسانية في عمومها.. وكان وزيرا للثقافة في فترتين من أهم فترات التحول والتحرر والاستقلال، وقاد فيهما ثورة ثقافية كبرى، كانت الأولى مع قيام أول وحدة عربية من مصر وسوريا بين عامي 1958و1962، وفي الثانية من 1966 حتى 1970 حدثت النكسة واندلعت حرب الاستنزاف، وتغير المشهد الثقافي العربي كاملا، ورغم الشدة توالت قطوف الثورة الثقافية واكتملت بنيتها العملاقة، وعلت صروح الفنون والآداب الأكاديمية والمهنية وارتقت بالأداء وحققت الانتشار، وحملت مفهوما واسعا أوصل الثقافة للمواطنين؛ في المدن والقرى والنجوع؛ فضلا عن حفظ التراث وإنقاذ الآثار، وعاد لمصر بهاؤها ورونقها، وأضحت منارة كبرى للتنوير في العالم.
قال له الزعيم الراحل جمال عبد الناصر: مهمتك تمهيد المناخ الثقافي لإعادة صياغة الوجدان الوطني والقومي والأخلاقي.. وبناء الإنسان أصعب جدا من بناء المصانع!
وقرر السفر إلى القاهرة فورا، ومقابلة الرئيس طلبا لإعفائه من شغل المنصب. ويحكي عن اللقاء أن جمال عبد الناصر أدرك ما يعتمل في صدره واستمع إليه مصغيا ومقدرا مشاعره وأحاسيسه، وسعى لإقناعه بقوله: إن منصبه (منصب عكاشة) يعلو وضع بعض من لا تطمئن إليهم، وستشغل مكانا مستقلا في قصر عابدين، وستكثر لقاءاتنا المنتظمة معا، كما أن المنصب لن يغير شيئا؛ حيث تستطيع أن تجد بابي مفتوحا لك، أو أن تتصل برقم تليفوني المباشر.
وحين أفصح عكاشة بأنه لا يأمن السهام الطائشة المصوبة نحوه من ذوى الأغراض أحس الدكتور عكاشة أن عبد الناصر ضيَّق عليه الحصار ولمس أوتار قلبه، وأيقظ فيه أحلام وذكريات ألهبت خواطره وأشعلت في وجدانه فورانا عصيا على الخمود واعتكف الدكتور ثروت عكاشة في بيته ليلتين كما أشار عبد الناصر، وفي صباح اليوم الثالث تلقى مكالمة منه يسأله عما انتهى إليه، فصارحه أنه لم يحس بالراحة لقبول المنصب، فرد عبد الناصر ضاحكا: هيا إلى مكتبك على بركة الله؛ لا تهتم براحة النفس هذه فأنا كفيل بتحقيقها لك، ونظر بعدها إلى رفيق السلاح يوسف السباعي، وكان يزوره، ولم يكد عكاشه يكرر عليه قول عبد الناصر حتى انفجر ضاحكا وقال له بمرحه المعهود: أسرع يا ثروت، فأنت لا تدرك مفهوم كلمة «الراحة» في لغة أهل الصعيد؛ إنها تعني أحيانا «الراحة الأبدية» وما أظنك ترحب بها الآن.
هناك الكثير مما يمكن أن يقال ويكتب عن ثروت عكاشة وثورته الثقافية؛ كأساس التنوير والتقدم والاستقرار.. وكانت مهمته شاقة لكنها حققت إنجازات عملاقة سطرتها سجلات التاريخ الوطني والقومي والإنساني المعاصر.. وما زالت إنجازاته؛ رغم تغير العصور وانقلاب الأوضاع؛ من معالم عصر قدمت فيه مصر مع عمقها العربي أقصى ما يمكن لخدمة الثقافة والارتقاء بسلوك وذوق المواطن.. وكل هذا للأسف وجد من يجهضه من أباطرة المال والسماسرة والمفسدين والمتخلفين عقليا، لكن تبقى الثقافة مصدرا للإبداع والتنوير الذي يحتاجه عرب اليوم!!
٭ كاتب من مصر
محمد عبد الحكم دياب