خزائن الشاعر: انتظام التكوين المعرفي والجمالي

حجم الخط
0

1 لعلّ المزية الخاصة التي تتسم بها نصوص الشاعر العراقي حسين علي يونس هي الكثافة الرمزية بمدلولاتها المتعددة، كثافة نوعية في المتخيل لغة ودلالة، وكثافة جمالية في المعنى وكثافة في الرؤية حتى الغموض وكثافة في الاستقصاء المعرفي الشعري إلى حدّ الوضوح.
وسعياً إلى كشف تفاصيل هذه الكثافة، المتعلقة بالكتابة الشعرية، واكتناهِ آليات اشتغالها اللغوي والجمالي من جهة وانزياحاتها الدلالية والفنية من جهة أخرى أحاول قراءة نصوص الشاعر، وضمن هذا المنظور النقدي في القراءة تأتي دعوة النص الشعري ذاته إلى عدم التوقف عن انجرافه السادر في اصطناع اللذة الشعرية، كتابة وقراءة، ومن حضور لحقيقة النص الجمالي، وإذا كانت الجمالية الحاضرة هنا مضمرة تارة وواضحة تارة أخرى فإنها تأتي طيعة مع المعنى ولا تنفك إزاء ما يقوم به الشاعر من محاولات رمزية لإغرائها من ممارسة لواحد من أدواره الشعرية في لعبة التشكيل الفني أو كثافته التي يتقنها، ولعل ما يميز هذه النصوص، أيضاً، تعدد ارتباطاتها الفنية وهو ما يعني حضور وجهة نظر نقدية، أكثر من واحدة، لا تحتكر المعنى بل تكمل وجهة نظر أخرى، على مستوى القراءة، تتيح بالتالي معرفة نقدية أشمل وأعمق، وفي هذا التعدد أيضاً يتم التواصل المعرفي والنقدي والجمالي بين النص وكاتبه وعليه سيتم استيعاب الكثير من التعابير أو الجمل الشعرية المكتوبة وبيان مدلولاتها ومرجعياتها ليستكمل، لاحقاً، استعراض البنى الفكرية، المتعلقة بالنصوص، وانتظام تكوينها اللغوي وعلاقاتها الرمزية والسرية وتداخلاتها الذاتية والموضوعية وأعني تداخل الدلالة بالمعنى .
مغامرة حسين، في كتاباته الشعرية، أنه يبحث عن الكثافة المعرفية أيضاً، لكن الكثافة لا تنفصل عن العذاب، شعرياً، لأنها تتأسس على التداخل أو التماثل بين الثنائيات الحياتية من جهة وما بين التعددية الشعرية المتعلقة بالمعنى من جهة أخرى، فالكثافة من هذا المنظار هي تلاحم الذات، رمزياً، طلباً للصورة الجمالية أي أن تكون الذات موضع تساؤل جمالي عندما تكون ذاتاً عارفة ومعروفة وأداة المعرفة في آن . أن شدّة شغفه بالكثافة المعرفية الجمالية أو انتظامها تجعله، أحياناً، لا يلقي بالاً على توسلات اللغة الشعرية العابرة بل تدفعه للتنقيب في أعماقها وأسرارها ورمزيتها إذن، الكثافة المعرفية في شعر حسين ترتبط لا محالة بالعذاب ذلك أن وعي الجانب الجمالي في النص الشعري أو الكتابة الشعرية عموماً ليس أمراً ميسوراً أو هيّناً لأنه يقتضي رؤية الصورة الجمالية واللغوية والفنية كما هي بدون تهويم بلاغي أو فذلكة لغوية مصطنعة . ثمة نظام معرفي نفسي، في أغلب شعر حسين، بالغ الخفاء يغري المتلقي ويجعله في حالة مستمرة للبحث عن المعاني المتناثرة، أن هذا النظام المعرفي/النفسي، أيضاً، يتخذ طابعاً جمالياً كثيفاً في الكتابة الشعرية التي ترتمي دلالاتها في الصور والتأملات والالتقاطات والإشارات اللغوية، لكن في المقابل وفي طبيعة القراءة النقدية يتماهى هذا النظام مع موضوع التلقي حتى ليجوز القول إن ثمة قصداً جمالياً مخفياً بمعنى أو بشكل ما، وأعني هنا اتصال المعنى/الشكل بالجملة الشعرية أو تواصل الشاعر بكيفية التوازي، جمالياً أيضاً، مع المفردة الشعرية المجردة المصاغة بمنتهى الدقة أو تلك التي تحمل بين دلالاتها مزيجاً من الجمالي والمعرفي واللغوي والمتخيل .
2
في فضاء العناوين والكلمات والألفاظ المكثفة، وفي صدى الرموز والإشارات والمعاني تنبي نصوص الشاعر وينهض القول الشعري نفسه مثلما يكسر الشاعر حصار الرؤية، يرفع حجاب المعنى، يُري الدلالة، يمد جسوراً باللغة بين المعنى الجمالي والفني وهكذا ينكشف النص وتنتظم ألفاظه مثلما تنتظم مكوناته المعرفية الجمالية لنقرأ هذين النصين: (جواد سليم: لقد مرت من أمامنا دساكر وفي دروبك كان يسير إلى نهاية حياته، زنخاً، يأسنا) وكذلك (ليل يمر: ربابنة كانوا يتحدثون عن السفن من أجل الخلاصة القاسية للقلب المتثاقل) وهكذا أيضاً يتسامى المعنى مع حركية الدلالة التي نستعيد من خلالها جمالية اللفظة الشعرية المكثفة .
ثمة نصوص يتحرر من خلالها المعنى من كل ما يخنق القول أو التعبير الشعري لكنه لا يتبدد في الملتبس ولا تغريه إلا الكثافة اللفظية، وهذه الأخيرة تستقيم في نصوص حسين معنى (آخر) يتجاوز حدود القراءة النقدية، وقد تلمسنا ذلك من خلال هذه المقاطع الشعرية: (يا بلادي: الأغنية التي تصطدم بوجهتنا المتعذر بلوغها تسفح مزمار غسقها، يا بلادي) وأيضاً في هذا المقطع: (القصيدة المستمرة: في الافتنان الأول لليأس يقف السيد شابلن وتحت صرخة جرحه شيء هائل: الشعراء يخطئون الجراح) هذه العبارة الأخيرة للشاعر تتكرر (5 مرات) بصورة يصل الشعري من خلالها إلى صيغة تبلور الكثافة المعرفية وفي إطار هذه المعرفة لا يصل القارئ أو الشاعر إلى نهاية الصرخة: (الشعراء يخطئون الجراح).
نصوص حسين تلجأ إلى الكثافة، وأحياناً إلى البساطة، في التعبير ونراه أيضاً يدرج النثري في النص ويكسر البلاغي، مولع الشاعر بتقصير المقطع الشعري مثلما يلعب على الشكل الفني ويتفنن كذلك في تشكيل التقاطاته ومخيلته ولغته ويتخذ التشكيل هنا أيضاً شكلاً جديداً أساسه الجمال المغاير الذي يقدم، بدوره، التوازن الفني في أكثر من قصيدة، لنتأمل في هذه النصوص: (خفقة: على ضفاف دجلة رسمت سرباً من السنين) (قصيدة 2: الكلمة التي طويت ستنشر على منحدراتها خزائن الحقول) (هو: قرب النافذة يتكسر وكالبرق يتبع أثر حطامه) (الايقاع: يمدد أرجله ويتثاءب فيما سلال السحب ترنو إليه) (آه: آه لو كنت الصرخة والبرق لصرت شيئاً هائلاً) (قصيدة: قدر الشعلة أن تستجيب لنداءات احشائها) (قصيدة: على نحو مستمر يتغير العالم الذي كان دغلاً من الدمع) وكذلك في هذا النص الذي تبدو فيه لفظة (زربت) العراقية بمعنى (تغوطت) وهي تخلق نوعاً من التململ الذي يوحي بالتذمر النفسي والحياتي وكأننا في طقس شعبي أقرب إلى التهكم لا إلى الفكاهة وهذه اللفظة أيضاً كعلامة ساخرة أو كحاجة تتطلبها اللحظة الشعرية أو كفاصلة تعيد المعنى إلى بساطته (حياتي: بغال كثيرة وهائلة حطمت حياتي وزربت عليها .(
أن كثافة المعنى هي في انفتاحه على دلالات النص وعلى أساس كثافة المعنى الجمالي والفني واللغوي أيضاً يتقدم الشعري، في نصوص حسين، صورة لعلائق رمزية تغاير طبيعتها، والشعري هنا يحتال على المعنى ويعيد إليه، في الوقت نفسه، وظيفته المعرفية لكن في شكل جديد، ان صورة المعاني المعرفية مخلوقة شعرياً باتجاه وظيفي مغاير، ويمكننا القول هنا، شعر حسين لا يستدير على لذته بل هو تواصل اللذة وديمومتها وبهذا نتفق مع قول الفارابي: (أن اللذة في الشعر غاية سامية) وربما لهذا يجيء الشعري عند حسين أقل تهويماً وأكثر لذة وتفكيكاً للمعاني المتناثرة لنطلع على هذه الالتقاطات: (إلى رعد عبدالقادر: كان يعجبك أن نتمشى بين منازل الكرنتينة ومن قلب المقهى نتأمل المارة) (إلى هاشم شفيق: خلف شمال الجديلة وجنوبها لتكن حجارة حبك برقاً يائساً وأغنية غسقية) (غروب: الظهيرة تعلق مصابيحها في كبد السماء بينما يزحف الغروب ناثراً شعره الكثيف على العالم) (بوابات: في قلبك لبثت مختفياً/كنت اعرف أنك مغادرة لذا وضعت السمكة التي خلقتها من اليأس في سلة وتأملت عينيك التي صرت فيها البوابات) (قصيدة: في السابق كان يوجد دون كيخوته واحد/دون كيخوته تغذيه الخيالات/اما الآن فكلنا دون كيخوته).
3
هل يجد الرثاء في ما نعيشه من مأساة وتقهقر خصوصيته في الكتابة الشعرية؟ يمكن للقارئ أن يلحظ، في بعض مراث الشاعر، رؤى متباينة وربما ذاتية محضة من الحياة أو الشعر وقضاياه، بعض هذه الرؤى يُضمر موقفاً وجدانياً وبعضها أقرب إلى المأساوية في حين يبقى بعضها الآخر ميالاً إلى الذات والتجربة الخاصة غير أن هذا التناول في مجمله يقدم إضاءات قيمة ومعرفية لجوانب متعددة تخص الكتابة الشعرية. حقاً أن ثمة علاقة متداخلة ما بين الشاعر وموضوعة الرثاء، فالشاعر يكتب حالة إنسانية لها خصوصيتها والنقد يربط، عادة، بين الشاعر ونصه ولكن المعنى الشعري ينطوي على الكثير من التفاصيل المتعلقة بحياة الشاعر وتجربته وانطباعاته، وسيؤدي هذا الرثاء إلى خلق إشارات جمالية عديدة في دلالات النص، لنتأمل النصوص التالية: (مرثية سيف: كنت واحد من الماشين ودمك الذي انسكب في الذرى الغسقية مضى مترنحاً/أريد أن الملم حنان صوتك في سلة/حيث نصب الموت شراكه لنا عبر بوابة عظيمة من الخيال) (حالوب: كنت قبالتي والحالوب الذي اخترق ترسانة دموعك اللؤلؤية نزف أطناناً من السهر) (مرثية من أجل برودسكي: هكذا مثل سلسلة الأيام التي تجرها أيام/لا يمكن رصد حركتها وعددها لأنها تجريد التجريد قبل أن تدرك القصيدة علة موتها) إضافة إلى هذا النص المعنون (قصيدة) والذي يبدأ هكذا: (جان دمو …… 1997) نص لا يحمل إلا الأسم والتأريخ وما بينهما سطور مثقلة بالتنقيط، وكأننا أمام ما يسمى بالبياض النصي بإطاره التشكيلي الموازي للكلام الشعري الملفوظ، فهل هو إشارة؟ مفتاح لمعنى يقول شيئاً مما يقوله الشعر، أم تراه إعلاناً موجعاً يصفع به حسين القارئ، يهزه بعنف محركاً الأسم الساطع للشاعر العراقي (جان دمو) أمام التاريخ (1997) وكأنه يقول هذا الذي يقوله شعراً ولفظاً ومعنى .
الكتابة الشعرية إذ تمارس نشاطها كفعل إنتاج المغاير أو المختلف وفي علاقة لها مع النقدي إنما تمارسه كذلك في علاقة معرفية أخرى، وقد نسأل قائلين: لئن كانت هذه العلاقة لها طابع العلاقة المعرفية فهل ينبغي أن شرطها الجمالي هو في الشكل النقدي لعلاقة القارئ مع النص؟ إذن، كل ما هو شعري معرفي يمارس تحوله، إنما يمارسه، لا على مستوى الجمالي وحسب بل التكثيف المعرفي، فالتكثيف ليس وجوداً في نص بل هو ما يمارسه الشاعر، في الكتابة، من خلال لغته ودلالاته ورمزيته، لنقرأ إذاً هذه النصوص: (في بابل: تركت صوتي على صخرة) (عندما: عندما يرن درهم حزنك وذكرى غامضة تشع في جسد شظية) (كآبة انكيدو: مدينة بابل العفنة التي تفتقر إلى التناسق لا تدهشي هذه الأيام) (لقد عدت اخيراً من الموت: لقد عدت أخيراً إلى الحياة/لآخذ مكان تمثالي الذي يلمع تحت الشمس/متدثراً بأسمال عثرت عليها داخل مقبرة).
في نصوص حسين، ما يثير احساساً جمالياً بالمعنى وحركياً بلغة النص، وهذه الأخيرة تبدو استمراراً عميقاً لحركة الحياة وتشعباتها، داخل النص أيضاً، هذه الحركة هي التي تقرر، أيضاً، نمو الحالة الشعرية واللغوية والدلالية والنمو الذي نعنيه، لدى قراءة النصوص، لا يرتبط بانبعاث، شعري، مفاجئ لعلاقات، شعرية، مفاجئة ولكنه نوع من التماثل، من التأثير الذي ينشأ في الملامح التفصيلية للتجربة الحياتية والشعرية، والتجربة هنا ليست نقطة التقاطع بين الشاعر والحياة بل انها استقصاء كلي لتناقضات الحياة والخوف والموت والحروب، موقف الشاعر يتجلى داخل هذه الحركة الحياتية ودورانها وتلك التجربة واسقاطاتها ونستطيع أن نتبين ذلك من خلال قراءتنا لهذه النصوص والمقاطع: (ايها الأسى: نبلك يتالق كربيع/وسامتك تستيقظ لتعكس نقيضها) (نصير غدير: في داخل اسمك يوجد أسى) (مصافحة: وحيداً إلى جانب يأسي/أقف ويدي تصافح الذكريات) (نصيحة شكسبير: لذا فانا منشغل هذه الأيام بتامل خطوتك).
عالم النص الشعري لا يبدأ من اللغة إلا حين تبتل هذه اللغة بنهر الحياة وتجاربها، اللغة التي يكتمل فيها البناء الجمالي للنص الشعري تتهيا داخل تلك التجربة، ثمة نص يخترق نهر الحياة ولكنه يتكون من خلال التجربة، هذا النص الذي يتجلى بالتجربة دون ان ينقطع عنها لنتأمل هذه العبارات الشعرية في هذا النص: (حسين علي يونس: على تخوم القرون اجلس/حين يهز العالم ذيله باتجاه الموت والزمن) بعض من نصوص حسين تتعدى التجريب، الذي يمارسه الشاعر، لذلك تكتسب النصوص لغتها الخاصة لا من خلال رؤية عابرة بل معاينة جمالية حادة ترتبط بالتفاصيل والجزيئات التي تؤلف عالم النص الشعري وتتطابق مع تجربة الشاعر ولعل بعض من هذه النصوص ما يدلل على ما ذهبنا اليه من تفسير: (لقد وقعت في غرام موجة/حلم كريستوفر مارلو/يوسا وأنا/عبدالعظيم فنجان/فمك/ليال). وهكذا يفتح الشاعر خزائنه التي يكمن القصد فيها وبها تكون الدلالة ويكون المعنى، وهكذا أيضاً تأتي الكثافة المعرفية الجمالية في النص لتقول الشعر .
شاعر من العراق
هامش: خزائن الليل/شعر/حسين علي يونس/منشورات دار الجمل/2011

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية