ليالي غزة في وارسو

حجم الخط
1

قبل يوم من مغادرتي وارسو تعرّفت إلى سائح في نفس الفندق، قادم من لوس أنجلوس، وهو أميركي من أصل صيني. طلب مني مرافقته لنسهر سوية في المدينة. كان قادماً لتوه، فطلب مني أن أصف له المدينة التي لم يمض على وجودي فيها سوى ليلتين. وتحمّلت مسؤولية العمل معه كدليل سياحيّ.
عرّفته على بعض المطاعم والمقاهي. ولم أعرفه على مقهى ليس ببعيد عن الفندق اسمه ‘تل أفيف’.’
المهم مشينا سويّة في ليل جمعة وارسو، وتحدّثنا في السياسة وجمال المدينة. إلى أن أقترح علي أن نميل على تجمّع لناس يجلسون على الكراسي خارج مكان للسهر. هو ذكي ومتحدّث. أول ما اقتربنا من الجالسين عرّف عن نفسه وعرّف عن نفسي بلسانه. كان في الجلسة بولنديات وبولنديون وبنت تركية على آخر طراز من الملابس والمكياج قدِمَت إلى وارسو قبل خمسة أشهر، وقالت أنها ستغادر غدا إلى تركيا.’
سألتني بدورها: تبدو ملامحك غير نرويجية؟ قلت لها: نعم من فلسطين، من غزة، من خانيونس. لم يعطني هنري الفرصة لأفصّل منشأي وهويتي فاكتفى بقوله صديقي نصر معي في نفس الفندق وهو قادم من النرويج..
سبقني هنري وقال لها: وأنت ملامحك عربيةـ أنت مسلمة؟ قالت باستحياء: نعم.’
ودار حديث عن الوضع في تركيا والمنطقة العربية والإسلام. قال هنري المتحدّث الطليق: الإسلام، دين سلام. والجماعات الاسلامية تفعل غير ذلك.’
ومن هنا كلمة ومن هناك كلمة، حتى نطق شخص هو رفيق التركية، وقال:’
أنا كنت استمع للقرآن وأصغي له و لا أعرف ولكن يشدني الإيقاع، وطلب من رفيقته التركية أن تقرأ شيئاً. لم تنظر إليه بل نظرَتْ إلي بعيون، للحق جميلة ولكن فيها هروب من الهوية. قالت لا، لا أعرف. قال لها: حاولي: التفتَت إلي ثانية وقالت لي وهي تجيبه:’لا أعرف.
ارتبكتْ هي وتوتّرتْ. وأنا ابتسمت وقلت لها: أمعقول لا تحفظيين شيئاً؟. قلت لرفيقها: أقرأ أنا؟ قال: لا، أريد أن أسمع منها أيّ شيء. كان الموقف عميقاً ومحرجاً ومضحكاً في آن واحد.’
المهم، تَغيّر الموضوع ودخل على الخط هنري في التحدّث عن مشاريع سفره لعدة عواصم أوربية.’
البنت التركية لجأت إليّ لأغطي على أنكارها هويتها. وأنا تحمست رغم أن الجلسة حرّة والمشروبات حاضرة قريباً من الأيدي وربما الصدور البارزة.’
قال هنري: ما رأيكم أن ننضم إلى الطاولة الأخرى؟’
ولكنه ذهب وحده هناك وأنا بقيت أتحدث مع التركية عن تركيا ومعنا رفيقها. وعاد هنري ينادي علي بعد عشر دقائق:’
‘نصر، هناك أمرأة بولندية تتحدث العربية وكانت في غزة فيما مضى’! ذهبت من فوري وتعرفت عليها وتحدثنا.’
إمرأة بولندية كانت مبتعثة من قبل الصليب الأحمر للعمل طيلة سنة في قطاع غزة، وتتحدّث العربية بشكل مفهوم جداً. هي تعرف دوار حيدر عبد الشافي، تعرف خان يونس، تعرف رفح، تعرف، غزة وجباليا، والوسطى. كل شيء تعرف عن الأماكن. من غبائي قلت لها: هل تعرفين: شارع عمر المختار، شارع الوحدة، شارع النصر، شارع الثلاثيني، فردّت: ‘قلت لك عشت سنة هناك ومشيت في كل الشوارع’. وقالت أنها شجعت محمد عساف و كانت متابعة لعرب أيدول.’
يا الهي تحوّلت الجلسة لحديث عن غزة. شارك فيه هنري.’
المرأة البولندية: تسمي نفسها: ‘أميرة’، وتلقّب نفسها بـ’البدوية’.’
قلت لها: ذات يوم قد نلتقي في غزة. تمّنت ذلك واستدرَكتْ:
‘لكنني لا أعرف أين قرعتي ستكون، الاحتمال الأرجح أن أذهب مع الصليب الأحمر لسوريا، لحلب تحديداً..”
وجاءت البنت التركية لتودعنا وتقول فرصة سعيدة أنني تعرفت عليكم. وأخذت إيميلاتنا.’
بنت بولندية تشجّعت لأن صديقتها تتحدث العربية. وراحت تسأل عن معاني بعض الكلمات التي تسمعها وتستصعب مخارج الحروف.’
وأمس في القطار الذي أقلني لأوديسا. جاءت قرعتي في حجرة مع ثلاثة: رجلين أوكرانيين وامرأة لا أعرف أصلها لكنها تتحدث الإيطالية والروسية.’
القطارات قديمة جدّا في أوكرانيا. قضينا ساعات طويلة. كانوا يتحدثون الروسية وهي تحاول ترجمة ما يقول الرجلان بإيطاليتها وأنا لا أعرف لا الروسية التي لا تختلف كثيرا عن الاوكرانية ولا أعرف كذلك الإيطالية. وهي لا تعرف الانجليزية مثل الرجلين. وبالرغم من ذلك كنت مرتاحاً جدّا أن أحداً لا يفهم على أحد إلا بما ننجح في فهمه بالإشارات ولغة الجسد. كان الجو مليئاً بالرضا لا المشقة صرفني عن التفكير ببعض الأشياء الشخصية المتعبة في داخلي.’
وحدث موقف كوميدي: اقترح عليّ الشاب الروسي أو الاوكراني أن ندخّن في الوصلة التي بين عربتين من عربات القطار. وقمنا وإذا بشخص ثالث يندس هناك ويدخّن. وفجأة جاء رجلا أمن أوكرانيان متواجدان بالقطار، وطلبا منا جوازات السفر أو البطاقات الشخصية. و شرع الشرطيّ الثاني بكتابة غرامة لكل فرد على حدة. وراح الشرطي الأول يقلّب في جواز سفري النرويجي ويتحسسه بتشّوق، أو كما لو كان كتاباً مقدساً. كان يردد بالأوكرانية: ‘نرْويجْيَا نرْويجيَا’ ويقلّب في صفحاته ويبتسم. ثم قال للشاب الأوكراني، شريكي في الجريمة والغرفة: من أجل حامل الجواز النرويجي سأعفو عنكم ثلاثتكم. وهنا فتح الله عليّ وفهمت من النبرة والسياق ماذا قال.’
وخرجنا من الزنزانة نضحك حتى أنني ضربت من باب الممازحة على ذراع الشرطي الذي قلّب الجواز. وعدنا إلى حجرتنا. أخبر الشاب، شريكي في الجريمة والغرفة، باقي شركائنا في الغرفة: الرجل الأوكراني الآخر والمرأة التي تتكلم الإيطالية والروسية بما جرى. وشرعوا في إخراج المشروبات وفرد النايلون على الطاولة الصغيرة ووضعوا لوازم المزّ. والقطار يجري إلى أوديسا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية