لندن ـ «القدس العربي»: تتطور وسائل التداول المالي وطرق الدفع في العالم بصورة متسارعة، وبات من الممكن مؤخراً أن يتحول الهاتف المحمول إلى محفظة مالية تغني عن حمل النقود وتجعل صاحبه قادراً على الدفع من خلاله بسهولة، فضلاً عن ظهور وسائل دفع الكترونية عديدة تغذي عمليات التجارة الالكترونية، وتُنعش عمليات الشراء من خلال الانترنت.
وظهرت قبل سنوات البنوك الالكترونية على الانترنت، وفي مقدمتها «باي بال» المملوك لشركة «إي باي» وهي أضخم وأشهر مركز للتجارة الالكترونية على الانترنت في العالم، إلا أن التداول المالي على الانترنت سرعان ما واصل التطور حتى ظهرت «العملة الالكترونية» التي تشكل تهديداً للأوراق النقدية التقليدية والأموال التي تصدر عن البنوك المركزية في العالم، حيث من الممكن أن تحل بديلاً خلال السنوات المقبلة، خاصة مع اعتزام تحالف من مصارف وبنوك أجنبية كبرى إصدار عملة الكترونية جديدة موحدة ستنافس عملة الـ«بيتكوين» التي تلقى رواجاً متصاعداً على الانترنت.
بيتكوين.. عُملة الند للند
والـ»بيتكوين» هي عُملة الكترونية مشفرة بشكل كامل ويُطلق عليها اسم أو وصف (P2P) أو ما يمكن تسميته «الند للند» وذلك لأنه لا توجد جهة مصدرة لهذه العملة كبنك مركزي أو دولة، وإنما هي عملة مفتوحة المصدر لا وجود لها على أرض الواقع إلا على الانترنت، إلا أن من الممكن إتمام عمليات البيع والشراء بواسطتها، ويمكن تحويلها إلى أي عملة تقليدية موجودة في العالم مثل الدولار واليورو والجنيه الاسترليني.
وتعتمد «بيتكوين» بشكل أساسي على مبادئ التشفير، كما أنها تُعتبر العُملة الأولى من نوعها والأكثر شهرة وانتشاراً في العالم، إلا أن المتخصصين يقولون أنه يوجد حالياً في العالم ما لا يقل عن 60 عُملة تشفيرية مختلفة منها ما لا يقل عن 6 عُملات يمكن وصفها بأنها رئيسية.
ويقول الموقع الالكتروني الخاص بالعملة الالكترونية (بيتكوين) والذي اطلعت عليه «القدس العربي» إنها ـ أي عملة بيتكوين ـ عبارة عن «عملة مشفرة» تم الحديث عنه لأول مرة في عام 1998 من قبل شخص يُدعى وي داي وكانت فكرته تتمحور حول شكل جديد من المال يعتمد التشفير للتحكم في إنشائه والتعامل به بديلاً عن السلطة المركزية. أما أول تطبيق وتأكيد على المبدأ فتم نشره في 2009 فيما يعمل العديد من المطورين على البيتكوين منذ ذلك الحين.
ويؤكد الموقع الالكتروني أنه «لا أحد يملك شبكة البيتكوين تماماً مثلما أنه لا أحد يمتلك التكنولوجيا المحركة للبريد الإلكتروني» مشيراً إلى أن الـ«بيتكوين» يتم التحكم فيها من قبل جميع مستخدميها في جميع أنحاء العالم، بينما يقوم المطورون بتحسين البرنامج، دون أن يمكنهم فرض تغيير في بروتوكول البيتكوين لأن جميع المستخدمين لديهم مطلق الحرية لإختيار أي برنامج أو إصدار يمكنهم استخدامه.
العالم في انتظار تغيير كبير
ومن المتوقع أن تحل العملات الالكترونية كبديل عن الأوراق النقدية التقليدية خلال السنوات المقبلة وتغزو العالم، خاصة إذا وجدت من يتبناها من البنوك والمصارف الكبرى التي قد تتحول التداولات المالية العملاقة بينها إلى الكترونية تُغير من شكل النقد وحركة العملات وتغير من شكل التجارة العالمية بشكل كامل.
وفي تطور لافت أعلنت أربعة من أضخم البنوك العالمية مؤخراً دخولها في تحالف من أجل إصدار عملة إلكترونية جديدة لتكون هذه الخطوة هي الأولى من نوعها في هذا المجال، ويتوقع أن تحدث تغييراً ملموساً في عالم التداولات الالكترونية، كما أنها قد تغير شكل التجارة العالمية بأكملها.
وقد تتمتع العملة الجديدة بدرجة عالية من الثقة والأمان و«معايير واضحة لاستخدامها في تسويات الأعمال التجارية» وذلك حسب ما أوردت جريدة «فايننشال تايمز» في تقرير سابق لها عن هذه العملة الالكترونية المرتقبة.
أما البنوك الأربعة التي شكلت التحالف لإصدار العملة الالكترونية العالمية الجديدة فهي البنك السويسري العالمي (UBS) ودويتشه بنك الألماني، وبنك «سانتاندر» البريطاني، إضافة إلى المصرف الأمريكي الضخم «بني ميلون». وتقول «فايننشال تايمز» إن البنوك الأربعة المتحالفة تعتزم طرح العملة في بدايات عام 2018، أي خلال أقل من عامين من الآن.
وأضافت أن التحرك الجديد يأتي كمثال ملموس على التعاون المصرفي في مجال التكنولوجيا المسماة (Blockchain) بشكل خاص، ما سيؤدي إلى تشكيل «قوة مركزية في مجال شبكات الكمبيوتر بين هذه البنوك» وبالتالي تطوير فعالية السوق.
وقال مدير إدارة الابتكار في بنك «سانتاندر» جوليو فورا إن «التجارة اليوم بين البنوك والمؤسسات المالية أمر صعب، حيث تستهلك الوقت وتكلف الكثير من المال، ولهذا لدينا جميعاً مكاتب خلفية كبيرة تعمل» مشيراً إلى أن المشروع الجديد «سوف يعمل على تبسيط الأمر وجعله أكثر فعالية».
أما تكنولوجيا الـ(Blockchain) التي ستستخدمها البنوك الأربعة من أجل إصدار عملتها الالكترونية، فهي عبارة عن مجموعة من الخوارزميات التي تتيح إصدار «عملة مشفرة» مثل الـ «بيتكوين» أو غيرها، ليتم استخدامها في أعمال التجارة الالكترونية وعمليات تداول الأموال الكترونياً، وهي عملة يمكن التحقق منها الكترونياً ولا تحتاج إلى دفاتر محاسبية أو مراجعات بشرية عند تسوية العمليات المالية.
ويسود الاعتقاد بأن العملة الالكترونية يمكن أن تقلل من العمليات المكتبية والمحاسبية الضخمة التي تقوم بها البنوك في العالم، وهو ما يمكن أن يقلل من تكاليف الخدمات المصرفية، وبالتالي ترتفع أرباح البنوك وتقل تكاليف خدماتها للعملاء.
وكان تقرير صادر عن «أوليفر وايمن» العام الماضي قد أظهر أن تكاليف التسويات المالية والتجارية التي تقوم بها البنوك بشكل يومي حول العالم تتراوح بين 65 و80 مليار دولار سنوياً، وهي مبالغ سيتم توفيرها أو خفضها بشكل كبير جداً في حال اعتماد البنوك والمصارف الكبرى للعملات الالكترونية والاعتراف بها بشكل رسمي.