تعددت الأطراف المشاركة في معركة الموصل على الأرض حتى بلغت حجم قواتها 102 ألف مقاتل من قوات عراقية وغير عراقية، وفقا لتقرير نشرته محطة «سي ان ان» العربية قبل يومين، إضافة إلى آلاف أخرى من الحشد الشعبي لا يمكن تأكيد الرقم الحقيقي لها.
وتتداخل في ساحة الصراع عشرات الدول التي تشارك بقوات خاصة أو مستشارين يرافقون القوات المهاجمة، لكن ليس من بينها قوات تركية مشاركة في العمليات القتالية بشكل مباشر سبق للرئيس التركي ان وعد بمشاركتها قبيل انطلاق العمليات العسكرية.
اقتصرت المشاركة التركية غير المباشرة على حوالي ألفي مقاتل من حرس نينوى بقيادة أثيل النجيفي من أصل حوالي خمسة آلاف مقاتل دربتهم القوات التركية في معسكر بعشيقة، 30 كيلومترا شمال الموصل، كما أعلنت تركيا عن طلب موافقة قيادة التحالف الدولي مشاركة طائراتها في الهجوم على تنظيم «الدولة». وكانت تركيا دخلت الأراضي السورية دون استئذان أي من دول العالم بما فيها روسيا والولايات المتحدة وإيران، ولم يرشح في وسائل الإعلام ما يشير إلى خلاف هذا، باستثناء آراء لمحللين يتوقعون ان تكون هناك تفاهمات مسبقة مع دولة أو أكثر من الدول الثلاث الفاعلة في الأزمة السورية.
وكان وزير الخارجية التركي يلديريم قد صرح في مؤتمر صحافي عقده يوم 18 تشرين الاول/أكتوبر، ان القوات الجوية التركية تشارك قوات التحالف في توجيه ضربات على تنظيم «الدولة» في معركة الموصل. لكن الخارجية التركية عادت للقول ان تركيا «تشارك من حيث المبدأ». كما ان البنتاغون الأمريكي لم يشر حتى الآن في بياناته إلى مشاركة القوة الجوية التركية في الوقت الذي خرجت فيه تظاهرات غاضبة لاتباع التيار الصدري أمام السفارة التركية في بغداد بعد ان كان مقررا لها ان تتجمهر أمام المحكمة العليا احتجاجا على نقض قرار رئاسة الحكومة بإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية الثلاثة.
وفي سياق التصعيد الإيراني غير المباشر ضد الدور التركي، وإضافة إلى تظاهرات أتباع التيار الصدري وهو الموصوف بأنه أكثر القوى الشيعية اعتدالا وأقلها ولاء لإيران، أصدر القضاء العراقي مذكرة قبض بحق قائد الحشد الوطني «حرس نينوى» محافظ نينوى السابق والحليف المسلح الوحيد لتركيا في ساحة الصراع حول استعادة الموصل، أو الصراع على الموصل وليس القتال من أجلها، كما يبدو.
يضم حرس نينوى أقل من خمسة آلاف مقاتل، تحدثت وسائل إعلام عن مشاركة ألفي مقاتل منهم في المعارك التي تدور في محيط ناحية بعشيقة شمال الموصل إلى جانب قوات البيشمركه الكردية التي تحاول استعادة مركز الناحية من تنظيم «الدولة» منذ ثلاثة أيام، وتتمركز قوات حرس نينوى في معسكر تتواجد به عشرات الآليات المدرعة التركية مع عدد يتراوح بين 700 جنديا وضابطا تركيا إلى 1000 اقتصرت مهامهم حتى الآن على تقديم الدعم والاستشارة لحرس نينوى.
ويكتنف الموقف الأمريكي من الوجود العسكري التركي في العراق بعض الغموض المتأتي من تصريحات متناقضة تصدر عن مراكز القرار الأمريكي التي تراوحت بين القول بشرعيته وعدمها من حيث نفي أو تأكيد كونه جزء من التحالف الدولي، وبالتالي الاستجابة للرغبة التركية بالمشاركة في استعادة الموصل، وهي المشاركة التي لم تبد الولايات المتحدة حتى الآن موقفا صريحا منها باستثناء موقفها القائل ان مشاركة الأتراك قرار تحدده حكومة بغداد المخولة وحدها بتحديد الأطراف التي يمكن لها المشاركة، ما يعني عدم السماح للقوات التركية بالمشاركة، وهو ما تدركه الولايات المتحدة التي تعرف تماما ان حكومة بغداد لا يمكن ان تسمح لتركيا بالمشاركة ولعب دور في إطار توازن القوى والنفوذ مع إيران التي لها اليد الطولى على القرار العراقي.
لكن ليس ثمة ما يبنى عليه من احتمالات وقوع صدام تركي إيراني مباشر أثناء أو بعد معركة الموصل، لأسباب من بينها ان لكلا الطرفين قوى محلية يمكن لها ان تخوض حربهما بالوكالة، كما ان علاقات إيران مع تركيا وما يرتبطان به من مصالح أكبر من ان ينجرفا إلى صدام مباشر طالما هناك قوى محلية مستعدة لخوض صراعهما بالوكالة، والأهم احترام نفوذ كل منهما الآخر، وهو ما ينفي ما يتردد في وسائل الإعلام على لسان سياسيين ومحللين يتخوفون من صراع قوى إقليمي بين تركيا وإيران.
تتحالف تركيا بشكل وثيق مع قوات حرس نينوى، وترتبط بعلاقات متينة وتنسيق مع حكومة إقليم كردستان وقوات البيشمركه التابعة لرئيس الإقليم الذي يقود الحزب الديمقراطي الكردستاني، لكن حرس نينوى لا يمتلك ما يكفي من أدوات دخول الصراع نيابة عن تركيا التي أعلنت قبيل بدء العمليات القتالية رفضها مشاركة الحشد الشعبي أو حزب العمال الكردستاني الذي يتواجد أكثر من خمسة آلاف مقاتل تابعين له سيشاركون في معركة الموصل، إضافة إلى مئات المقاتلين من الفرع السوري للحزب الذي يقوده صالح مسلم ويسيطر على مساحات واسعة من مركز مدينة سنجار وقرب ناحية ربيعة على الحدود مع سوريا.
يعد كل من الحشد الشعبي وحزب العمال الكردستاني حلفاء تقليديون لإيران التي تسعى لتواصل جغرافي من وسط إيران مرورا بديالى إلى كركوك والموصل وصولا إلى ربيعة ومن ثم إلى شمال سوريا الأقرب إلى حلب من طريق بغداد الأنبار دمشق إلى حلب. وبحكم النفوذ الواسع لإيران على القرار في بغداد شارك الحشد الشعبي بشكل واسع كقوة مقاربة لحجم مشاركة قوات البيشمركه الكردية، لكن حتى الآن ليس هناك ما يشير إلى مشاركة حزب العمال الكردستاني في العمليات القتالية بشكل مباشر لأسباب تعود إلى ان مراكز تموضعه في سنجار ما زالت تعد جبهات هادئة، ومن المؤكد انه سيشارك مستقبلا إذا فتحت جبهة قتال لاستعادة قضاء تلعفر غرب سنجار.
القوى المحلية من محافظة نينوى المدعومة من تركيا، هي قوى ليست ذات أثر في معادلة التوازنات العسكرية إذا قورنت بقوة الحشد الشعبي والجيش العراقي الذي هو ظهير الحشد، وليس العكس. كما ان هناك قوى محلية أخرى مؤازرة لإيران وتدين بالولاء لها بشكل مباشر أو للحشد الشعبي الذي ينفذ سياساتها، مثل حزب العمال الكردستاني وفصائل أخرى مثل الحشد المسيحي وهو من مسيحيي سهل نينوى وميليشيا قاسم ججو الإيزيدية وفصائل أخرى تابعة للحشد مشكلة من التركمان الشيعة من سكان تلعفر، وميليشيا أخرى من الأكراد الشيعة المعروفين باسم الشبك، وهذه جميعا قوى مؤازرة لإيران في نينوى.
يمكن القول، ان إيران نجحت في بناء قوة ناعمة عمادها الميليشيات تقاتل نيابة عنها، في حين تركيا لا تمتلك من الحلفاء سوى قوى من عدة آلاف من أبناء نينوى من العرب السُنّة، وتبدو المقارنة بينهما في ميزان القوى أشبه بالمقارنة بين قوة تنظيم «الدولة» المكون من عدة آلاف مقارنة بالقوات المشاركة في عملية استعادة الموصل التي قد تصل إلى مئة ألف.
رائد الحامد