الأكراد في معادلة تحرير الموصل

حجم الخط
2

على الرغم من استمرار الجدل حول مصير اقليم كردستان وما يدور من تكهنات عن انفصاله عن العراق، غير أن الوقائع الجغرافية والتاريخية تكْشف أن ثمة عوامل عديدة لا يمكن تجاهلها تربط بين أجزاء الكيان العراقي ولا يصح التفكير وفقاً لمنطق مصائب قوم عند قوم فوائد، لأن ما وقع في حزيران/يونيو 2014 واحتلال تنظيم «الدولة» لمدينة الموصل برهن على أن الخطر الذي تتعرض له أي منطقة في العراق يتداعى إلى غيرها. إذ أخطأ من توقع أن وقوع مدن عراقية بيد التنظيم وسيطرته على مساحات من الأرض العراقية يسْفر عن ضعف وتهلهل الكيان العراقي فتكون فرصة مواتية للإستفادة من هذا الظرف وإعلان الدولة الكردية، مع أن قيام الدولة الكردية لا يمكن ان يغير البعد الجغرافي، كما أن ذلك الأمر لا يبعد شبح المخاطر التي تهدد مناطق أخرى في العراق.
لم يَدم الوقت طويلاً حتى لمست الجهات المتنفذة في الإقليم ما يشكله تنظيم «الدولة» من تهديد على كل المستويات، فإن زيارة وفد الإقليم برئاسة مسعود البارزاني مؤخراً قبل إنطلاقة عمليات تحرير مدينة الموصِل إلى بغداد لدليل واضح على ضرورة إيجاد التنسيق المستمر بين الإقليم والمركز وعدم جدوى التصريحات الاستهلاكية، كما أنه لا يوجد بديل للتوافق بين مكونات الشعب العراقي لدرء مخاطر التطرف والإرهاب ومنع تحول أي مدينة عراقية إلى معقل أو بقعة مهددة بالإنشطار إلى أجزاء أخرى. الآن تقود القوات العراقية بجانب قوات البيشمركه معركة تحرير الموصِل، غير أن إهتمام الباحثين والمحللين ينصب في ما هو واقع ما بعد انتهاء العمليات العسكرية، إذ هل تتعامل القوات المشاركة بعقلية ضيقة ومناطقية ويحاول كل طرف توسيع مجال نفوذه وحماية مصالحه، أم أن المعطيات تحتِم على الجميع تفكيراً ونظرةً شمولية والخروج من حدود دائرة المصالح الضيقة؟ بمعنى هل يتولد خطاب سياسي جديد بعد تحرير الموصل؟ من المعلوم أن كل هذا رهن وجود إرادة سياسية تعمل في إتجاه بناء مشروع وطني بحيث يتحول إلى مظلة لكل أطياف المجتمع العراقي، كما يتطلب ذلك بناء الثقة بين الأطراف السياسية. ما يمكن خلاصته حتى الآن من متابعة معركة الموصل ميدانيا والتحضيرات إليها هو توحد كل القوى السياسية لدحر تنظيم «الدولة» بغض النظر عن الاختلافات المذهبية والقومية. صحيح ان ثمة مخاوف من أن يتمترس البعض وراء محاربة التنظيم وتتم تنفيذ عملية تصفيات مذهبية ولكن هنا يجب ان تتنبه القيادات السياسية إلى حساسية الموقف وتدرك أن التخندق المذهبي هو بداية لتعثر كل محاولة إصلاحية ولا يخدم مشروع ترتيب البيت العراقي.
دور الكرد في معركة الموصِل واضح وتتفهم القيادات الكردية ضرورة إنهاء المرحلة «الداعشية» وإنهزام هذا التنظيم المتطرف، فمنذ إعلان دولة الخلافة انشغل العالم بما يقترفه عناصر التنظيم من جرائم وحشية. لكن أيا كان حجم مشاركة الأطراف العراقية في معركة الموصل وانجاز اسدال الستار على هذا الفصل الدموي من تاريخ عراق ما بعد الاحتلال لابد أن لا يبلغ التفاؤل بمستقبل العراق حد الإفراط، أولاً لتعددية الأطراف المشاركة في معركة الموصل، إذ لاشك أن كل طرف يعمل وفقاً لمصالحه هنا نقصد الأطراف الخارجية التي لا تتوانى في وأد كل مشروع من شأنه أنْ يضع العراق على طريق الوحدة ومنها ينطلق نحو بناء دولة تستوفي مفاهيم المواطنة والديمقراطية. معركة تحرير الموصل بقدر ما تحمل من المؤشرات الايجابية وصارت عاملا لجمع كلمة العراقيين كذلك تشَكِل مصدر قلق، لأن وجود تنظيم «الدولة» فتح المجال لعودة الأمريكيين بجانب القوات المتعددة الجنسيات إضافة إلى أن دول الجوار تعطي الحق لنفسها بالتدخل في العراق باسم حماية أمنها القومي. ويسود الاعتقاد أنه مع إطفاء نيران معركة الموصل ستشتعل نار حرب القوميات والإثنيات وتطرح المشاريع لتقسيم ما هو مقسم أساسا من الأراضي العراقية.
ما هو تصور الكرد في واقع ما بعد المعركة؟ طبعا القوى الكردية أعلنت أن المناطق التي سميت بمناطق متنازع عليها وسيطرعليها مقاتلوهم بعد أن تركها الجيش العراقي في عام 2014 ليست موضوعا للمساومة وهويتها أمر غير قابل للنقاش، وهذا الملف سيكون موضع شد وجذب بين الإقليم والحكومة الاتحادية وقد تتأزم الأجواء بين الطرفين جراء الخلاف حول إيجاد آلية لحل هذه المشكلة، وكان من الأفضل وجود خريطة الطريق بين الحكومة الاتحادية والإقليم للتعامل مع هذا الملف قبل إنطلاق عمليات تحرير الموصل.
أن الاحتكام إلى منطق الغالب والمغلوب لا يتفق مع السياسة الواقعية وإذا تفاقمت الأوضاع حول المناطق المتنازع عليها ربما تتدخل الجهات الخارجية ويفْتَح الباب لتوافد مندوبي الأمم المتحدة وطرح مشاريع متعددة حيث من الصعب بلورة برنامج تتوافق عليه جميع الأطراف لأن الوصول إلى موقف حول هذا الملف يحتاج إلى تفاهم وحوار صريح بين الجهات السياسية والإرتقاء إلى مستوى المسؤولية في إدارة ما هو معَقَد من القضايا والمسائل الخلافية، إذ إن تواجد تنظيم «الدولة» في العراق عقد الأوضاع على الأصعدة كافة وبهزيمة هذا التنظيم لا تنتهي أزمات العراق لذلك فإن مواقف الأطراف السياسية حيال مرحلة ما بعد التنظيم ستكشف عما إذا كانت العقلية السياسية في العراق قد وصلت إلى حالة النضوج أو لا تزال محتمية بخيمة الطائفية والمناطقية.

الأكراد في معادلة تحرير الموصل

كه يلان محمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية