دق، دق، دق، تتالت الضربات الثلاث الرتيبة المكتومة على الباب في مثل هذا الوقت من الليل، كالعادة. أطبق الصمت دقائق طويلة ثقيلة، أعقبته ضرباتٌ ثلاثٌ رتيبةٌ ومكتومةٌ أخرى وانتظار لدقائق طويلة ثقيلة. تناهى إلى السمع وقعُ خطوات متثاقلة متباعدة. كزّ الواقفُ عند الباب أسنانه وشدّ قبضته، ثم طأطأ رأسه وأرخى يده وانتظر، ككل ليلة.
من يدقّ الباب؟
أنا.
من أنت؟
أنا، أنا..
ومن أنت، أنت؟
قلت لك أنا. هل صرت لا تعرفني؟
أنا لا أعرف شخصا اسمه «أنا، أنا».
افتح الباب، قلتُ لك.
أنت طرقت الباب فقط.
وما يعني أن أطرق الباب؟
يعني أن أسأل من يطرق،
وبعد السؤال أيها «الذكي»؟
بعد السؤال؟ مثلا، قد لا أفتح.
(يزفر الواقفُ نافدَ الصبر ناطقا الحروف مقطّعة مشدّدة) أ،نا، متـ،عـ،ب.
وما شأني أنا بتعبك؟
ما شأنك؟ ما شأنك؟ ألا تخجل من قول هذا؟ والله حين أمسكك سأقطع رقبتك.
آآآهااا ! إخجل! تقطع رقبتي؟ هاه! أنا ماء ظهرك وصنيعة يديك فاترك الخجل لغيرك.
كيف تتحدث معي هكذا؟
معك يجب ألا أتحدث إلا هكذا.
ما الذي يجعلني أصبر عليك؟ يا الله!
هه.. الله؟ هل تعرفه أنت؟
وما شأنك أنت يا فرخ الحرام؟ تحاججني يا ابن الفاجرة؟
استشاط غضبا فزعق مردّدا بحدة لاكِمًا الباب بجنون حتى ارتجت الحيطانُ وارتبك الواقفُ في الجهة الأخرى:
ماذا قلت؟ أوَ تجرؤ؟ ماذا قلت؟ أوَ تجرؤ؟
يكفي يكفي، أكلّ ليلة هكذا؟ فضحتنا بين الجيران يا ابن الكلب.
هدأ كأن لم يغضب وقال:
نعم! أحسنت! هكذا، أنا ابن الكلب! فانتسبْ يا كلب.
ماذا تقول؟ ماذا أسمع؟ لعنة الله عليك وعلى من ربّاك. افتح الباب.
فيردّ بكل برود:
نعم! أحسنت! هكذا، لعنة الله على من ربّاني! فانتسبْ يا من ربّاني.
لعنة الله على اليوم الذي جئت فيه يا حقير، يا عاقّ، لعنة الله على اللحظة التي رأيتك فيها يا زرع إبليس.
نعم! أحسنت! هكذا، أنا زرع إبليس! فانتسبْ يا إبليس.
أتسخر مني؟ أتلعنني؟
أنا؟ أبدا! أنا أقرّ ما تقول فقط
(يردّ مستفزّا) طيّب، وما أدراني أنك زرعي؟
أنت لم تنفِ حينها، ولن تجرؤ على النفي.
اوووهوو، يا لهذه الليلة الغبراء، ما الذي سيجعلها تمرّ، ألا تفتح الباب وتكفّ عني هذرك، أنا لا أريد أن «أستجرم»..
آه ! صحيح؟ ومنذ متى لم تكن مجرما؟
كيف تفكر هكذا؟ لو كنت أنا مجرما لما كنت أنت هنا تواجهني بمثل هذه الوقاحة.
وماذا ستفعل؟ ستقتلني أنا أيضا؟ ستعذبني أنا أيضا؟
ويستمر التلاسن طول الليل، يستمر الجدل طول الليل، يستمر السباب والتلاعن طول الليل، يشتدّ الصراخ حينا، ويخفت أخرى ولكن لا يهدأ ككل ليلة. يعضده نباحُ كلابِ الجيف من هنا وهناك التي تُحمِّسهما للتناهش والتسالخ، تماما، كالكلاب.
وعندما يلوح فجر مربدّ، يقف «الملفوف» في ردائه عند الباب، يُخْرِج خنجرا يطعن به المعطفَ الملفوفَ في المهابة طعنة جديدة، ويبصق كتلا سوداء في الحذاء المهيب ثم يهمس: «طعنة أخرى وينهار، بصقة أخرى وينتشر السواد».
ثم يُطبق الباب بعنف، ويسلك دربه.
قاصة من تونس
نجيبة الهمامي