مَعركةُ المُوصِل ومُسْتَقبلُ العراق

حجم الخط
1

منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 يَمْرُ هذا البلد بحالة عدم الاستقرار، وتحول مشروع المُحافظين الجدد في عهد جورج بوش الابن بإقامة دولة ديمقراطية في عراق مابعد صدام إلى كابوس مُفزع.
كما فشلت محاولات بناء الدولة على أسس جديدة ناهيك عن اندفاع القوى الإقليمية والدولية نحو الساحة العراقية، بحيث غدت مجالا لمناطق نفوذ من تراوده مشاريع إحياء الدول الإمبراطورية والتمَدُد على المستوى الإقليمي، ويعتبرُ إعلان دولة الخلافة بقيادة أبوبكر البغدادي في يونيو 2014 وسقوط مدينة الموصل بيد هذه الجماعة المُتطرفة من أبرز أعراض احتلال العراق وتركه بيد التيارات المُعارضة، إذ أخفق قادتها في إدارة المرحلة الانتقالية، ما عَبدَّ الطريقَ لنشوء وانبعاث الكيانات ما قبل الدولتية، إذ ساندت أمريكا هذا المنحى الطائفي عبر قناتين، الأُولى تتمثل في تركيبة مجلس الحكم الطائفية التي أُنْشِئَت برعاية الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر. والثانية تجلت في مساندة أمريكا بتكوين مجلس الصحوات، بعدما أدرك القادة العسكريون أن حرب العراق تكلفتها في تصاعد متواصل.
لا يُجادلُ أحدُ بأن هناك حالةً من الإجحاف بحق مكون معين في المُعادلة السياسية العراقية، إذ لم يتمتعُ أفراد المكون السني بفرصة مشاركة فعالة في ترسيم الخريطة السياسية وصياغة الدستور، بل حُمل أبناء السنة وزر ما ارتكبه النظام السابق من الجرائم والاعتداءات على سائر مكونات المجتمع العراقي. لاشك أن العقلية التي قرأت المعطيات من هذا المُنْطَلق الثأري ساهمت في تفاقم خطر التطرف، كما وفرت المسوغات للإرهابيين الذين سوقوا أنفسهم تحت يافطة الدفاع عن المكون السني، من هنا يمكن تفسير إقبال المتطرفين على البيئة العراقية بدون أن يتنبه أصحاب القرار إلى أن معالجة هذا الأمر يستدعي إعادة التوازن إلى المشروع السياسي والانسلاخ من العباءة الطائفية، لكن الغطاء الوطني ظل غائباً لدى كل الأحزاب السياسية إلى أنَّ سقطت ثاني أكبر مدينة عراقية في قبضة تنظيم «داعش» ومن جامع المدينة ألقى البغدادي خطبة عصماء مبشراً بدولة الخلافة الممتدة من الموصل إلى الرقة. هذا الحدث وضع المشروع السياسي في العراق أمام تحدِ كبير وكشف حجم الخلل في الأجهزة الحكومية، كما أن سرعة سقوط الموصل وهروب عناصر الجيش العراقي أثار الاستغراب لدى المحللين السياسيين. لا يُعقلُ أنَّ جيشاً نظاميا مدججاً بالأسلحة الثقيلة لم يقاوم تنظيماً ليس له أي حاضنة شعبية في العراق، ليس ذلك فحسب، بل لولا الغطاء الجوي الأمريكي لربما ألحق التنظيمُ مدنا عراقية أخرى بإمارته. ومن المعلوم إن وجود «إمارة داعش» منذ عام 2014 داخل الأراضي العراقية له تداعيات على المستوى الإقليمي والدولي، يُذكر أن هذا التنظيم حاول من البداية اقتطاع المناطق السنية من الدولة العراقية وفصلها عن الحكومة المركزية. كما أراد أن يمتدَ على شرائط حدودية حتى لا يفقد المنافذ ولا يكون مُنحصراً في بقعة جغرافية محددة. فتح «داعش» الباب لمزيد من التدخل في العراق، إذ توافدت إليه القوات من شتى الجنسيات، إضافة إلى أنَّ الجهات الإقليمية وجدت الظروف مواتية لتعزيز مواقعها وتحقيق أهدافها الخاصة بتقطيع مفاصل الكيان العراقي فعليا.
الآن مع انطلاقة عملية استعادة مدينة المُوصِل وتحرير المناطق الأخرى من قبضة «داعش» يتساءل المُراقبُ عن المدة الزمنية التي تستغرقها هذه العملية؟ هل تستعيد الحكومة العراقية مدينة الموصل بسهولة كما خسرتها بسهولة؟ ومنْ ثُمَّ كيفَ ترسي الحكومة العراقية بعد تحرير المُوصِل أسس مشروع سياسي جديد بحيث تقنعُ مواطنيها بتساميها على الاعتبارات الطائفية وتجاوز الاستقطابات المذهبية؟ إن الانتصار في معركة المُوصِل لا تؤتي ثماره إذا لم يُترجم على المستوى السياسي. كما أن احتلال «داعش» لمدينة الموصِل وضع مستقبل العراق على المحك، بحيث سادت المخاوف من أن يُصبح هذا البلدُ بأكمله قاعدة منها يبدأُ التنظيم نشاطاته نحو بلدان أخرى، ما حفز الدول المعنية إلى إعلان التحالف الدولي ضد الإرهاب. كذلك بالنسبة لعملية تحرير الموصل ومرحلة ما بعد «داعش» تتداخل شبكات مصالح القوى الدولية والإقليمية، إذ يأتي توقيت معركة الموصل في ظل توتر مُتصاعد بين أنقرة وبغداد، نتيجة تموقع القوات التركية في منطقة بعشيقة. مُبرر الجانب التركي لعدم انسحابه من الأراضي العراقية هو التصدي لأي خطر مُحتمل وتسلل المُتطرفين إلى مَناطقه الحدودية. واعترض رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان على احتجاج الحكومة العراقية مؤكداً على حق بلده في اتخاذ إجراءات ضرورية لحماية مصالحه، ولا يُستبعدُ توسيع أنقرة لعملية درع الفرات بحيث تشمل مناطق حدودية بين تركيا والعراق، وما يعززُ موقف تركيا في هذا الملف هو عجز الحكومة العراقية عن انتهاج سياسية متوازنة في هذه المرحلة، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. فيما يتعلق بالشق الداخلي هو مشاركة مجموعات مُسلحة غير مندمجة في الجيش العراقي وتُدار بإمرة جهات مشبوهة في عملية استعادة المُوصل، ما يزيدُ من قلق تغير التركيبة الديموغرافية لبعض المدن وطمس هويتها بعدما يهاجر سُكانها جراء ظروف الحرب. كما أنه على الصعيد الخارجي لم تفلح الحكومة العراقية في النأي عن سياسة المَحاور وعدم الانحياز لأجندة إقليمية معينة. طبعا مثل هذا التوجه لا يخدم مصلحة العراق ويؤجج الحساسيات المذهبية، كما يكون عاملاً أساسيا وراء تشتت الولاء وغياب صناعة القرار السيادي. ما اتفق عليه مُعظم المُراقبين هو أن أيا كان حجم الخطر الذي يشكله «داعش» ومهما امتدَّ هذا التنظيم وبسط سيطرته على مِساحات واسعة فإنّه لا يمتلك مقومات الديمومة ويعوزه التأييد الجماهيري، قد تكتسب مثل هذه التنظيمات شعبية مؤقتة خصوصا في صفوف من يشعرون بالغبن وعدم إنصافهم في مرحلة تاريخية مُعينة، لكن من الصعب أن تستمرَ أو تفرضَ نفسها كأمر واقع، لذلك يبدو أن السؤال الأساسي هو عن مرحلة ما بعد «داعش» هل تكون نهاية هذا التنظيم لحظة فارقة في تاريخ العراق بحيثُ يستعيد سيادته الكاملة؟ وتُطوى مرحلة الاضطرابات السياسية والتدخلات الخارجية أو تبدأُ حلقة جديدة من التنازع بين الأطراف السياسية على مغانم ما بعد الحرب؟ لا يُمْكِنُ التكهن بما سيكون عليه العراق في مرحلة مابعد «داعش» وذلك لتعقيد المشهد وتضارب الأجندات في الداخل والخارج
كاتب عراقي

مَعركةُ المُوصِل ومُسْتَقبلُ العراق

كه يلان محمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية