«الوردةُ والكفن»

حجم الخط
1

المصادفة وحدها هي التي أجلستني بجانبها في الطائرة، بينما تفسح لي قليلاً لآخذ مقعدي بجانب النافذة.
حييتها بإيماءةٍ خفيفةٍ وأنا أضع حقيبتي أسفل المقعد، قبل أن أنشغل عنها تماماً وعن رضيعها الذي لا يتوقَّف عن الحركة. من النافذةِ كانت أفكاري تُحلِّق إلى حيث الوجهة التي سنصل لها بعد أربع ساعاتٍ من التحليق، بيروت، التي ستحتوي حقائبي للمرة العشرين.. في السفر يأخذ كل شيءٍ أبعاداً مغايرة ويتِّسم بالسرعة والعمق، وتحضر بقوة أفكارٌ كالزمن والموت والوجوه البعيدة. أخرجت روايةً قديمةً لم أكملها، وفتحتها حيث الإشارة الورقية التي تؤشِّر على صفحات توقُّفي، بعد برهةٍ علا الصوت المعدني للمضيفة المبرمجة وهي تطلب منا ربط أحزمة الأمان، وتسمِّع معلوماتها عن الرحلة بصورة آلية.
بعدها سارت في الممر مبتسمةً لتتأكد من ربط الجميع أحزمتهم، أشرت إليها وأنا أنهض قليلاً وأخلع سُترة حُلَّتي الجديدة.. وطلبت منها أن تحتفظ بها حتى نهاية الرحلة. (كانت سُترة زفافي.. لم أرتدِها إلا في عُرسي.. وهذه المرة الثانية التي أرتديها.. لم أرد لها أن تتجعَّد من جلستي الطويلة، خاصةً أن زوجتي تنتظرني في المطار).
قلتُ لا حاجة للمسافر سوى لكوب قهوةٍ وكتابٍ ومراقبة السحب للهروب من فخ الذكريات المنصوب في المسافة حتى الوصول.
بينما تغادر الطائرة الأرض متخذةً سرعتها تتكاثف التمثُّلات للمشهد نفسه: الروح حين تغادر الجسد، والمرء حين يغادر أهله إلى البلدان القصية الغريبة، الأشعة حين تغادر الظلال فتختفي تاركةً المزاول حائرةً، وقد انفصل العالمان المنسجمان كلاهما إلى كينونةٍ مختلفة، لحظة إقلاع الطائرة وانفصالها عن الأرض إلى السماء لحظة كشفٍ وحلولٍ وإضاءةٍ في المسافات الفاصلة بين عالمين..
أفاقني صراخ رضيعها من شرودي فالتفتُّ ناحيتَها.. شَعَرَت بالارتباك وهي تعتذر عن إزعاجه لي.. ابتسمت لها قائلاً إنه «لا بأس».
اخترقت الطائرة السُّحُب، من الأعالي صارت الأرضُ مشاهد للوحةٍ غير متجمِّعة، ألوان خُضرةٍ وزُرقةٍ وبياض، في تفاصيلها اللامرئية بشرٌ وأحلامٌ وانكسارات.. وربما موتٌ مباغتٌ من قذيفةٍ أو طائرةٍ بلا طيار.
بعدما اجتازت الطائرة نصف المسافة إلى وجهتها، كانت جارتي في المقعد قد نهضت بطفلها الذي لم يتوقف عن البكاء ثلاث مرَّاتٍ للآن.. ذاهبة آيبة في الممر، لكي يتوقف عن البكاء.. غير أن شيئاً لم يوقفه.. كانت تزيح خصلات شعرها المنسدل عن وجهه وتنظر له بحنو بعينيها المتسعتين.. والمسافرون بين متعاطفٍ ومنزعِج. بعد قليلٍ هدأ فعادت إلى مقعدها وعدت إلى أفكاري.
علا صوت الطيَّار في ميكروفون الطائرة وهو يقول للمسافرين إن الرحلة ستكون أطول من المعتاد لمدة 45 دقيقة، لأنه سيتفادى المرور فوق سوريا. فتحت الشاشة الشاخصة أمامي وأخذت أتابع خط سير الطائرة الجديد.. بعد قطعها الصحراء، ستحلِّق فوق مصر، سيناء، ثم تستدير عائدةً إلى بيروت.. البحر. لا سوريا في الخريطة!
مرَّت المضيفات بيننا يناولننا بطاقات الدخول إلى لبنان لملئها.. أخرجت قلمي وشرعت أُدوِّن بياناتي.. بينما أنقل رقم جواز سفري في الخانة المخصصة لذلك قالت لي بصوتٍ متوتر: هل يمكنك مساعدتي؟ إنها المرة الأولى التي أسافر فيها!
تناولت منها جواز سفرها وجواز ابنها، وبطاقتيهما.. وشرعت أملأ بياناتها.. ابنها عمره شهور.. بينما أقرأ خانة «سبب السفر إلى لبنان» توقفت ملياً. التفتُّ إليها وسألتها عن السبب فقالت لي: إنها ستبقى في لبنان ليلة واحدة وتغادره مباشرةً إلى سوريا في اليوم التالي.. وأنها تقصد حمص. فأهلها هناك.. ولم يروا طفلها.. جدُّه يتمنى رؤيته.. وقد تراجعت صحته كثيراً وهذه ربما آخر أمنياته. ستسافر إلى دمشق ومنها تستقل سيارةً إلى حمص. هززت رأسي محاولاً الابتسام.. (كيف يمكن اختصار مأساة حياةٍ في أسطرٍ منمَّقة أكتبها في بطاقة»؟ سألتها.. ألا يوجد خطر في ذلك؟ الحرب على أشدها والطرق مقطوعة بالرصاص والحواجز؟ قالت محاولةً الابتسام، إنهم أخبروها أن الطريق مؤمَّنة.. وأنهم سيراعون وضعها كونها تحمل رضيعها.. هززت رأسي وأنا أخفي وجهي المرتبك الشاحب وأواصل تدوين البيانات.. بعد ثلاث ساعات كان طفلها يواصل بكاءه، خطر لي هاجسٌ مفزع «هل يهجس هذا الطفل شيئاً ويبكي له منذ أول الرحلة؟ هل يستشعر مصيراً لا تدري به أمه»؟
تداخلت سطور الرواية التي أقرأها تماماً كأني عميت. نظرت إليهما فوجدتها تحاول تهدئته.. المضيفة التي قدّمت لها مشروباً مهدئاً لمغص الأطفال لم تستطع مساعدتها أكثر.. ناديت على المضيفة وسألتها عن «بطانية» صغيرة له.. فاعتذرت لي عن عدم توافرها.. هززت رأسي. بعد قليلٍ استدعيتها مجدداً وطلبت منها أن تحضر لي سترتي التي سلّمتها إليها في بداية الرحلة.. فأسرعت إلى مقدمة الطائرة وعادت بها. استأذنت الأم.. ولففت الطفل بها، فهدأ قليلاً.. بعد لحظات بدأ يشرب زجاجة الحليب بهدوء وقد سكن تماماً وابتسم بعدما تدفَّأ. شكرتني الأم مرتبكةً وهي تخبرني أنها فاتها أن تٌلبسه ملابس ثقيلة. هززت رأسي وعدت أنظر من نافذة الطائرة.. الشمس والسُّحب والهواء والأفق، وفي الأسفل بعيداً.. مدن تحترق وأطفالٌ تنهار عليها سقوف بيوتها والموت والحياة وجهان للمصادفة.
فجأة قالت لي: هل زرت حمص من قبل؟ إنها وادعة وآمنة.. ابتسمت وقلت. نعم. زرتها من سنوات طويلة. لم أجد في روحي قدرةً على الحوار.. كنت محبطاً من كل شيء. قلت مغيراً مجرى الحديث وأنا أشير إلى طفلها: ابنك نام وهو بخير الآن.. فنَظرَت له مبتسمةً وأخذت تلمس وجهه وهو غافٍ. بعد دقائق نامت هي أيضاً. فتناولت فنجان قهوتي الذي لم ألمسه من أول الرحلة.
بينما نصطف في الطابور الطويل لنغادر الطائرة راحت تسحب سترتي من حول جسد ابنها قائلة: «أشك…» قاطعتها معيداً السترة إلى جسده الدافئ الصغير كالوردة «لا مشكلة. أبقِيه حوله». قالت.. ولكننا وصلنا و.. قلت «لا بأس. سيمرض إذا تعرَّض للبرد الآن.. بيروت باردةٌ كثيراً. عندي سترات أخرى».
تلعثمت وهي لا تجد الكلمات، بينما تنظر عيناها بامتنان لي. طالعت الطفل الهانئ الدافئ.. تمنيت في أعماقي ألا يصيبه مكروه وأن يراه جده المريض المنتظر في حمص. تحرَّك الصف.. بعدها كنا خارج الطائرة. بعدما اجتزت ضابط الجوازات، نظرت خلفي، فرأيتها في نهاية طابور طويل معظمه من السوريين.. لوّحت لها وأشارت لي مبتسمةً وهي تنظر إلى السترة في ارتباك.
التقطتُّ حقائبي عن السير المُتحرِّك، وسرت إلى حيث المستقبلين. طالعتني زوجتي، ركضت نحوي مسرعةً.. ابتسمت سعيدةً.. ثم عادت تتأملني. قالت: «أين سترتك»؟ ابتسمت لها ولم أجب. غادرنا المطار وهي تتأملني في ارتياب.
في اليوم التالي بينما أتكئ على شرفة البيت المفتوح على بحر بيروت، رحت أصيخ السمع للمذياع وهو يتحدث عن اشتباكات حول حمص من أكثر من محورٍ.. وعن قتلى وجرحى ومآسٍ. أحضرت زوجتي القهوة. بينما تقول لي إنها يُفتَرَض أن تعاقبني على إضاعة سترة زفافي و»نسيانها في الطائرة» بدلاً من أن تعد لي القهوة!
حاولت الابتسام لها فلم أستطع.. فلم أكن أعرف إن كانت سترة حُلًّتي تستحيل الآن غطاءً لوردةٍ حمراءَ دافئة أم تصبح كفناً لرضيع!

٭ شاعر وقاص مصري

«الوردةُ والكفن»

حمزة قناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية