ضرورة التأمل الفلسفي في الشعر العربي

حجم الخط
0

ارتبط الشعر منذ إدراك الإنسان القديم له ومباشرته في نظمه أو قوله ارتباطاً عضوياً وثيقاً بالفلسفة والفكر. ويجب علينا أن نقرّ بأن هذين المجالين هما الحاضن الطبيعي للشعر متى عقدنا على تعريفه كوسيلة للنفاذ إلى العالم، إذ لا يمكن بأي وجه من الوجوه أن يحقق الشعر غرضه هذا بدون مجاورة للفلسفة وبدون التأثر بطابعها التأمليّ لذلك مثّل كلاهما المجال الذهنيّ الذي يتحرّك الشعر لا بداخله فقط، بل ومن خلاله أيضاً .
إذ تناول الشعر في مناسبات عديدة وفي ثقافات مختلفة الذات والجسد وحاول استنطاق العالم والكون والوصول إلى الآخر، ولم يفتْهُ – أي الشاعر- وهو الذي أرّقه العالم أن يتساءل عمّا وراءه، عمّا وراء الطبيعة. ومن هنا نستطيع القول ألا وجود في التاريخ لشاعرٍ خلّاق لم يكن في الوقت ذاته فيلسوفاً أو مفكّراً خلّاقاً. ومن هنا كان لشعره ثقل واعتبار ولعلّنا نفهم من هذا السياق لماذا يتبعهم الغاوون، ولماذا اعتبرهم البعض ضالّين مضلّلين. ولم يكن الشعر العربي عموماً (والجاهلي منه على وجه الخصوص) بمنأى عن ذلك يوماً، إلا أن لحركة الشعر العربي خصوصية تاريخية – أفترضها- صنعت قطيعة مع الشعر بمفهومه الواسع وأحالته لمفهوم شخصانيّ ضيّق نستطيع أن نتلمّسه لا في الموروث التقليدي فحسب بل حتى في الشعر العربي الحديث، هذا القطع كان بمجيء الإسلام الذي لم يصبغ فقط الشعر برؤاه الجديدة، بل أزاح عنه جانبه الفلسفي وعاداه فأصبح الشعر شخصانياً ضيقاً لا يتناول القضايا الكبرى التي تمسّ الوجود والكينونة والطبيعة وما وراء الطبيعة التي باتت حكراً للدين (حاله حال الديانات الإبراهيمية الأخرى)، بينما حُصرت قضايا الشعر في حيّز العواطف والمشاعر الفردانية المباشرة فأصبح للشعر مجاله الشخصانيّ الانفعالاتيّ، نستثني من ذلك قلة من الشعراء نستطيع عدّهم على أصابع اليد لم يكونوا ابناء لهذا القطع ولم ينتسبوا إليه، بل حتى كانوا على قطيعةٍ معه، نذكر منهم المتنبي وأبو تمّام والمعرّي وأبو نؤاس بشكلٍ أساسيّ، الذين كان لهم الفضل في الخروج عن ضيق السائد الواحد إلى رحابة المتعدد المختلف، على مستوى مواضيع وقضايا الشعر ومضامينه الفلسفية، معيدين بذلك للشعر العربيّ جوهره الكينونيّ الوجوديّ.
إلا أن الشعر العربي لم يفلت من حينها من هذا الجانب الشخصانيّ ليتدرجّ إلى فردانية تتناول مواضيع الشعور الشخصي: حب، كره، حزن، غضب وغيره. هذه الخاصية المميزة لشعرنا الحديث الذي صار أقرب إلى الشعر اليومي أو شعر «الانفعالات»، فلا يبخل الشاعر في نظم القصيدة تلو القصيدة معبراً في كل مرة عن مشاعره ذات البعد الواحد وتجربته الشخصية ذات الارتداد الفرداني بشكلٍ يوحي إلى حدٍّ ما بالثرثرة أو لنقل الغنائية في أحسن الأحوال، ولسنا ههنا نلمّح إلى سطحية هذه المواضيع في ماهيتها وإنما نشير إلى خلّوها من التأملات الفلسفية والعمق الكافي لنقل هذه التجربة من الخاص إلى العام.
وهنا تماما تكمن المشكلة، فالشعر صار بطريقة أو أخرى مفرغا من بعده التأملّي الفكري .إلا أننا من جهة أخرى لا ننكر وجود تجارب شعرية في الشعر العربي الحديث انطوت على جانب فلسفي لكنها قليلة حتى تكاد لا تذكر إذ تعدّ على رؤوس الأصابع .
إنّ الشعر بما هو نفاذ إلى العالم كما ذكرنا سابقا لا يمكن أن يصاغ في إطار الضيّق. التجارب الشخصية واليومية يجب أن يُنظر إليهما في إطار التجارب المشتركة وهذا الارتقاء يتطلبّ بلا شك لا شاعرا أعجبه الجو الخريفي فنظم وإنما يتطلب شاعرا مفكرا له رؤى وفلسفة خاصة بالحياة. بغير ذلك سيبقى الشعر ضيّقاً مبتوراً من جذوره ورؤاه، وسنبقى ندور حول أنفسنا دور الرحى، ندور وندور لكن بدون أن نبرح مكاناً.

٭ شاعر أردني

ضرورة التأمل الفلسفي في الشعر العربي

محمد الصالحي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية