جاء الإعلان عن جائزة نوبل للآداب هذا العام مخالفا لكل التوقعات وآفاق الانتظار المختلفة. أن يفوز بجائزة الأدب المغني الأمريكي الشهير بوب ديلان شيء لم يكن في الحسبان. إن تاريخ الجائزة يقضي بأن يحصل على الجائزة روائيون وشعراء ينتمون إلى طراز الثقافة العالمة كما جرت العادة. ولكن أن يحرزها مغن ينتمي إنتاجه إلى الثقافة الجماهيرية، فأمر لم يستسغه الكثيرون. ورغم المسوغ الشعري الذي نبهت إليه لجنة الجائزة، ظل الحديث عن سر التحول. وكانت السخرية والانتقاد، وأيضا كان التساؤل.
من الطبيعي أن تكثر الانتظارات والتوقعات، وحين تختلف النتيجة عنها كان لا بد من التساؤل، ليس لكيل الشتائم ولا لإيجاد المبررات، ولكن لإعادة التفكير والنظر في المسلمات وجاهز التصورات. ولعل التساؤل المركزي الذي يفرض نفسه علينا هو إعادة التأمل في طبقات الثقافات التي تعارفنا عليها، والنظر في العلاقات التي تربط بينها، وخصوصيات كل منها، بهدف إعادة النظر في العلاقات الممكنة بين الإنتاج الأدبي والفني، وسبل تلقيهما والتواصل معهما.
درج الباحثون المعاصرون على التمييز بخصوص هذه الطبقات الثقافية بين الثقافة العالمة، والثقافة الجماهيرية، والثقافة الشعبية. وصار الحديث الآن عن طبقة جديدة تتصل بالثقافة التفاعلية. ولعل أهم معيار يتم الاحتكام إليه في هذا التمييز هو الوسيط الثقافي الذي يوظف في الإنتاج والتلقي، ويضمن التواصل الملائم مع طبقات المتلقين على اختلاف ضروبهم وأصنافهم. اعتبرت الثقافة العالمة متصلة بالكتابة، والشعبية بالشفاهة، والجماهيرية بالوسائط الجماهيرية (الصحافة، الراديو، التلفزة، السينما). أما المتفاعلة فقد اتصلت بالوسائط المتفاعلة في مرحلة الرقامة. وتبعا لهذه الطبقات ووسائطها، تم التمييز بينها إلى الحد الذي يصل إلى حد المفاضلة بينها لدى الأوساط المختلفة، وطبقات المتلقين على اختلافهم. فالأكاديميون يعتبرون الثقافة العالمة مدار اهتمامهم، ولا يقيمون أي اعتبار للثقافة الشعبية التي ينتجها العوام، ولا بالثقافة الجماهيرية التي تتوجه إلى الجماهير العريضة. وما تزال الآراء الآن متباينة بخصوص الثقافة التفاعلية. ويمكن قول الشيء نفسه عن المنتمين إلى الطبقات الأخرى، ومواقفهم من الثقافة العالمة، أو غيرها.
لكن مع ذلك يمكننا الذهاب إلى أن العلاقات بين هذه الطبقات، قديما وحديثا، قائمة، ولا يمكن لأي ثقافة أن تتأسس أو أن تتشكل إلا على أرضية الثقافة التي سبقتها في الزمن، وتحاول الاستفادة من منجزاتها، ثم تعمل على تجاوزها، والتنكر لها. ورغم كون الثقافة المتجاوزة تظل متمسكة بموقفها من الثقافة الجديدة إلا أنها تظل مع ذلك تحاول الحفاظ على نفسها، وفي الوقت نفسه استثمار ما يمكن أن تقدمه لها هذه الثقافة الجديدة، ولو على مستوى استغلال وسيطها الجديد.
في إحدى روايات نجيب محفوظ، عندما دخل الراديو إلى المقهى، خرج الراوي الشعبي بربابته خاسئا وهو حسير، إذ لم يبق له مكان في الفضاء الثقافي الجديد، وحتى جمهوره المحدود بات يعترض على وجوده في المقهى. فالراديو يوسع أفقه المعرفي والتواصلي، ويقدم لها أشياء لم يكن ينتظرها عن العالم. لكن الراوي في المساء، يمكننا أن نتخيل، عاد إلى المقهى بوصفه واحدا من الجمهور ليستمع إلى هذا الجهاز الذي حل محله. فلم يكن منه سوى الاستغراب، والتفكير في أن يكون له موقع داخل هذا الفضاء الثقافي الجديد، ليوسع دائرة جمهوره، وإن لم يكن يتعامل معه بشكل مباشر. فكان أن ذهب إلى شركات التسجيل لإسماع صوته على نطاق واسع، ثم ها هو الآن يملأ الفضاء الشبكي، حيث يراه الناس بالصوت والصورة.
نتبين من التوقف على هذا المثال، ونحن ننظر في العلاقات بين الطبقات، أن ما يجمعها، رغم الاختلاف، هو أن يكون لها جمهور أكبر يتواصل معها، وأن تنتج شيئا جديرا بأن يتلقى. وأي كاتب أو مفكر، أو خطيب وهو ينتج خطابا، فمن أجل أن يتلقى على نطاق واسع، بل أن يخلد في الزمان، فيظل صوته مسموعا وإن اختفى عن الأنظار.
نعتبر الآن الشعر الجاهلي العربي النموذج الشعري، ومثله الشعر العباسي والأندلسي. لكننا عندما نتأمل الشعر العربي قبل الإسلام نجده يتصل بالشفاهة، وأن ما كان يجري عليه آنذاك هو ما يجري حاليا على فنانينا الشعبيين، وهم يتنقلون بين الأسواق، والأعراس والمواسم. لكن شعرهم حين حول إلى الكتابة، انتقل من الثقافة الشعبية إلى الثقافة العالمة، فاهتم به البلاغيون والنقاد والمؤرخون، ويمكن قول الشيء نفسه عن الأساطير والملاحم القديمة، لقد انتقلت من الشفاهة إلى الكتابة، وصارت سلطة ثقافية. وماذا عن الرواية ألم تكن في بداية ظهورها قريبة من الثقافة الشعبية، وأن الثقافة العالمة تنكرت لها، واعتبرتها ثقافة خادمات البيوت؟ ألم تعتبر الرواية العربية، وقت ظهورها، والشعر يفرض نفسه، أدب المراهقين؟ وألا يمكن قول الشيء نفسه عن التلفزيون والسينما في الصيرورة نفسها؟
إن تطور الثقافات يرتبط بمدى قدرتها على خلق جمهور واسع، ودفعها إياه إلى التفاعل معها بإنتاج الإبداع المتميز الذي يؤثر فيه، ويتواصل معه. وللثقافة الجماهيرية حقها في أن تحتل مكانتها على المستوى العالمي.
٭ كاتب مغربي
سعيد يقطين