مشاعر المرارة والتحدي طغت بقوة على كلمات رموز حركة الإخوان ومؤيديهم، وهم يتحدثون في الميادين أو في قنوات الجزيرة، فبالأمس القريب كانوا في الظاهر وإلى حد ما سادة بلاد الكنانة وأولياء أمورها في السلطتين التشريعية والتنفيذية، وكانوا يحلمون بأن تصير مصر دولة تمتلك إرادتها من خلال توفير غذائها ودوائها وسلاحها، ومنطلقا لتصدير القيم الديمــقراطية والإسلامية إلى بقية دول وشعوب العالم العربي، لكن فجأة انهار كل ذلك مثل حلم جميل لما انحــــاز قادة الجيش لفئة من الشعب على حساب فئة أخرى، وهذا التدخل يظل في جميع الأحوال انحيازا صارخا مهما يكن الفارق العددي بين الفئتين. إن وصفة إسقاط مرسي انبنت على دهاء لم يحط قادة الإخوان إلا ببعض خيوطه. جاء مرسي إلى الحكم من انتخابات شهد العالم بنزاهتها وسمح لمعارضيه باستخدام كافة الوسائل المشروعة في حراكهم السياسي. لقد كان على الجيش ألا يتدخل، إذ ليس في وسع أحد مهما تكن قوة أعصابه أن يصمد طويلا في وجه مليونيات حقيقية تعطل الحياة العامة. ولنا ان نقيم تجربة الحكم الإسلامية في مصر من خلال النقاط التالية: 1 ـ المشاركة الفعالة للإخوان المسلمين في ثورة 25 يناير 2011 إنما تجلت في يوم الجمعة 28 يناير، وحسنا فعلوا حينما لم يتصدروا واجهة الثورة حتى لا يعطوا للنظام ذريعة قمعها في المهد، لكنهم من جانب آخر لعبوا دورا محوريا في موقعة الجمل وفي حشد الملايين نحو الميادين المختلفة، ولولا صمودهم في تلك الموقعة وحشدهم للملايين لما كان لثورة 25 يناير أن تنجح في إسقاط مبارك. 2 ـ بعد سقوط مبارك تحالف الإخوان مع المجلس العسكري بحجة أن مواجهته ستسبب إزهاق الأرواح البريئة، وأن المطلوب اعتماد نهج الإصلاح المتدرج، وقد أغضب هذا التحالف كثيرا من القوى الثورية المدنية بحجة أن الواجب الثوري يقتضي أولا تطهير مؤسسات الدولة العديدة، تمهيدا لاجتثاث نظام مبارك بالكامل. وقد أثبتت الأيام أن وجهة نظر الثوار المدنيين بزعامة حركة 6 أبريل كانت الأقرب إلى الصواب، فكثير من مشاكل الإخوان في الحكم تعود إلى الثورة المضادة التي قام بها فلول نظام مبارك. لقد كان المطلوب مهما يكن الثمن غاليا أن يتسلم الثوار الحكم كاملا، وأن يطهروا القضاء والإعلام والأمن وكل أجهزة البلاد. 3 ـ الإعلان الدستوري الأول المستفتى عليه شعبيا الذي أصدره المجلس العسكري تسبب عمليا في انقسام الثوار إلى إسلاميين وعلمانيين، ومن حينها والحرب قائمة بين الطرفين. لقد نص هذا الإعلان على اعتماد مؤقت لدستور 1971 مع شيء من التعديلات لا تطال المادة الثانية، التي تؤكد أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للحكم، ونص على إجراء الانتخابات التشريعية أولا تمهيدا لإنجاز دستور جديد، وأيضا على تمتيع المجلس العسكري بإصدار إعلانات دستورية أخرى. كان على القوى العلمانية ألا تتعرض للمادة الثانية من الدستور، وكان على القوى الإسلامية أن تقبل فكرة الدستور أولا، انطلاقا من جمعية دستورية منتخبة شعبيا، حتى تضع حدا للإعلانات الدستورية المكملة التي اتخذها المجلس العسكري أداة لتعويق الانتقال الديمقراطي السلس، وبذلك كان في الإمكان إيجاد أرضية قانونية جديدة تكنس الحياة السياسية من فلول نظام مبارك. 4 ـ دخول الإسلاميين الانتخابات التشريعية على أساس قانون انتخابات به عور دستوري كان بمثابة غباء سياسي كبير، فالسياسي المحنك يفترض أسوأ الاحتمالات قبل أن يخطو خطوة واحدة. لقد كان فلول نظام مبارك على دراية بهذا العور الدستوري وسكتوا عنه لاستغلاله في اللحظة المناسبة، وهذا ما كان في وقت حساس جدا، أي في خضم الانتخابات الرئاسية. وقد جاء الحكم على بطلان مجلس الشعب متزامنا مع شعور جمعي بأنه لم يقم بما يجب القيام به، فقد صوره الإعلام المعادي للإسلاميين على أنه شبيه بدور العبادة من حيث تركيزه على الجانب الديني أكثر من تركيزه على الجانب الخدمي، ومما تم التركيز عليه إصرار البعض على الأذان داخل مجلس الشعب وما إلى ذلك، والحق أن المجلس العسكري وحكومته بقيادة عصام شرف ثم الجنزوري كان لا يعبأ ابتداء بالوظيفتين التشريعية والرقابية لمجلس الشعب. 5 ـ كان على حركة الإخوان أن تفي بوعدها بألا ترشح أحدا من أعضائها للانتخابات الرئاسية، وكان من الأفضل أن تدفع بمرشح ثوري كفء وكارزمي، لكنها فقدت شيئا من رصيدها الأخلاقي حينما أخلفت هذا الوعد مهما تكن مبرراتها السياسية والدينية، واستعدت عليها بذلك بقية المرشحين السياسيين. من جانب آخر لم يكن مرسي هو رجل المرحلة، فإذا كان الرجل لا يشك في أمانته وكفاءته، فقد كشفت الأيام أنه ضعيف في صفاته الكارزمية وقدراته التواصلية ومناوراته السياسية. 6 ـ حينما أزاح مرسي المجلس العسكري السابق، صار رئيسا حقيقيا لمصر، وقد عزز هذا المكسب بموقفه المساند للشعب الفلسطيني في حرب غزة الأخيرة، وكان في إمكانه حينها أن يتخذ هذه الإنجازات أرضية لتطهير مصر من فلول نظام مبارك بدرجة كبيرة، لكنه عوض ذلك أصدر إعلانا دستوريا سبب له متاعب كبرى، فمن أجل التصدي لسعي المحكمة الدستورية إعلان بطلان مجلس الشورى، وبالتالي الحكم ببطلان الجمعية التأسيسية للدستور، ومن أجل محاربة الفساد بصورة أكبر والقصاص من دم الشهداء بصورة أفضل، اتخذ جملة إجراءات استعدت عليه القضاء وتسببت في تشكيل جبهة الإنقاذ، وحينها فقط تحالفت هذه الجبهة مع النظام السابق من أجل إضعاف مرسي وإفشاله، ومن ثم إسقاطه. لقد كان في إمكان مرسي أن يقبل بحل الجمعية التأسيسية وتشكيل جمعية جديدة منتخبة أو متوافق عليها، لكنه لم يفعل ذلك للأسف. 7 ـ رغم أن دستور 2013 شارك في إعداد كثير من بنوده جل القوى السياسية المصرية، سواء تعلق الأمر بالإسلاميين أو العلمانيين أو الجيش أو الأزهر أو الكنيسة، ورغم أن هذا الإعداد أخذ من الوقت جلسات طويلة جدا، ورغم أنه حظي بنسبة تناهز ثلثي المصوتين، فإن جبهة الإنقاذ لم تقبله ولم تعترف به. لقد أصر حزب النور على جعل الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، وكأنها ستنفذ من الغد لو تم ذلك، وكان الأحرى به وببقية القوى الإسلامية إيجاد صيغة توافقية حول هذه النقطة مع ترك المجال مفتوحا لإجراء تعديلات دستورية في الوقت المناسب، ولو أن ذلك تم لكانت جل القوى المدنية مؤيدة بدرجة من الدرجات لحكم مرسي. إن أهم شيء لا بد منه قبل تطبيق الشريعة الإسلامية توعية الناس بأهميتها مع تلبية حاجاتهم الأساسية من طعام ودواء وأمن وعمل وغير ذلك، وهذه أشياء تحتاج لسنوات عديدة. 8 ـ حكومة هشام قنديل لم تكن فاشلة في الحقيقة، وإنما أريد لها أن تفشل، وقد كان موقف جبهة الإنقاذ منها سلبيا منذ الوهلة الأولى. لقد رفضت أن تشارك فيها مطالبة بحكومة كفاءات وطنية، ومطالبة بتعديل الدستور وتغيير النائب العام، لكن مرسي لم يصخ السمع أول الأمر لهذه المطالب بصورة جادة، وسبب ذلك اطمئنانه إلى حياد المؤسسة العسكرية من جانب، وثقته في قوة جماعة الإخوان وضعف جبهة الإنقاذ من جانب آخر. ومما زاد الطين بلة إصرار جماعة الإخوان على تعيين بعض أفرادها في بعض المجالات الحيوية، ورغم أن نسبتهم إلى المجموع العام تظل قليلة، ورغم أن من حقها ذلك مبدئيا من حيث أن الإخوان مصريون أيضا، فإن التوقيت الأفضل لذلك كان ينبغي أن يكون بعد إجراء الانتخابات التشريعية القادمة. ونتيجة لذلك كله قررت جبهة الإنقاذ التحالف مع النظام السابق بصفة معلنة، ولما علمت بقوة هذا التحالف لكونه يحظى بدعم الجيش وبعض دول الخليج، فإنها قررت رفض كل أشكال الحوار والمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة. وفي ظل هذا التصلب السياسي من الطرفين، خسر الإخوان المسلمون دعم حزب النور الذي حظي بحوالي ربع مقاعد مجلس الشعب المنحل، ويعود ذلك إلى عدة أسباب في مقدمتها الخلاف الدعوي والتنافس السياسي بين الطرفين، وأيضا عدم توزير حكومة قنديل لأحد من حزب النور، إضافة إلى شكوك حول علاقة بعض الأطراف داخل حزب النور بالنظام السابق وبالمملكة العربية السعودية. 9 ـ يوم 30 يونيو كان تتويجا لعمل طويل شارك في إنجازه كل خصوم مرسي، وقد كان لمرسي حينها هامش للمناورة السياسية يتمثل في الدعوة لاستفتاء على بقائه في منصب الرئاسة، بحيث يكون هذا الاستفتاء متزامنا مع الانتخابات التشريعية القادمة، ولو أنه فعل ذلك لكان لديه من الوقت ما من شأنه اتخاذ جملة إجراءات يرفع بها شعبيته أكثر ويتغدى بخصومه قبل أن يتعشوا به، وحتى لو أنه لم تجدد الثقة به ثانية، فقد في الإمكان ترشيح إسلامي آخر أكثر شعبية في الانتخابات الرئاسية المبكرة، مع الاحتفاظ بدستور 2013 القابل للتعديل، وضمان إنجاز انتخابات تشريعية سيحظى فيها الإسلاميون بما لا يقل عن نصف المقاعد، وبالتالي يكون رئيس الوزراء ذو الصلاحيات الواسعة منهم. لكن وبعدما وقعت الواقعة في يوم 30 فإنه يبدو أن الشعب المصري المسيس انقسم إلى فسطاطيين يفرق بينهما حاجز كبير من الحقد والكراهية، والواقع أن كل القوى الفاعلة مسؤولة عن ذلك، لكن بلا شك يظل المجلس العسكري بقيادة السيسي هو المسؤول الأكبر. والمصيبة العظمــــى أن كل الخيارات صعبة التحقق، فالمجلس العسكري، ومن ورائه جبهة الإنقاذ وفلول النظام السابق وحركة تمرد لن يقبلوا بعودة الرئيس مرسي، وجماعة الإخوان، ومن ورائها كل الجماعات الإسلامية، باستثناء حزب النور، لن يقبلوا بالدخول في عملية سياسية جديدة من دون عودة الرئيس مرسي، وإذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه فإن مصر معرضة للشلل الاقتصادي، وربما الدخول في حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. وبغض النظر عن كل ذلك، فعلى القوى الإسلامية أن تأخذ الدروس والعبر جيدا مما جرى، وأول ما ينبغي الأخذ به التدرج في التغيير وإيجاد طريق معبدة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ومما ينبغي أخذه أيضا إجراء مراجعات علمية وفق مناهج جديدة تطال كافة العلوم الإسلامية، وفي مقدمتها الفقه السياسي وفقه الخلاف.