لوحات العراقي سعد علي إذ تجعل الجنة خلف الباب

نفذ الفنان التشكيلي العراقي سعد علي، بعض لوحاته التي تعرض حالياً في غاليري المرخيّة في الدوحة، على الأبواب والشبابيك الخشبية القديمة، مستثمراً مفهومي الباب والشبّاك، فيما ظلت فيكَراته تحيل إلى أقدم حضارة عرفتها بلاد ما بين النهرين.
ضمّ المعرض 22 لوحة فنية مختلفة الأحجام والموضوعات نفّذها كالعادة بالزيت والأكريليك والميكس ميديا على الورق والكانفاس والأبواب والشبابيك الخشبية المُستعملة، التي كيّفها الفنان لهذا الغرض خالقاً منها تُحفاً فنية.
يُعرف علي بتبّنيه مشاريع فنية محدودة يشتغل عليها لمدة زمنية طويلة مثل مشروعي «باب الفرج» و»صندوق الدنيا». كما ينجز بين آنٍ وآخر أعمالاً فنية مستوحاة من قصص «ألف ليلة وليلة» وأجوائها الغرائبية الساحرة التي تتمحور غالباً على الحُب الروحي والجسدي، حيث يرصد الحياة الأسرية الباذخة، ويصوِّر الاحتفالات العامة والخاصة، بدون أن ينسى الوشاة والمندسّين الذين يسترقون السمع ليل نهار.
لا يمكن حصر تجربة هذا الفنان في مدرسة فنية معينة أو تيار تشكيلي محدد، وليس صحيحاً أنه ينتمي إلى المدرسة الواقعية فقط، بل هو مزيج من عدة مدارس أبرزها التشخيصية والتعبيرية والرمزية والسريالية. منْ يدقق جيداً في لوحات المعرض سيكتشف بدون عناء رشاقة الفيكَرات اللدنة، ورهافة خطوطها، ودقة منعرجاتها، وربما تُذكِّرنا لوحاته ببعض أعمال أميديّو مودلياني، لكنها لا تحيل إليه بالكامل فثمة مساحة مشتركة بين الاثنين لكنها تظل غامضة وتنتمي كل واحدة منهما إلى مرجعياتها التقنية والجمالية.
يمكن تقسيم لوحات المعرض إلى قسمين أساسيين من حيث الأسلوب، فنصف هذه اللوحات أو أكثر بقليل منفّذة على الأبواب والشبابيك الخشبية القديمة، مستثمراً مفهومي الباب والشبّاك.
وإذا كانت جنة علي أو فردوسه المفقود كامنة خلف الباب مباشره، فإن أحلامه برمتها مُستقرة خلف النوافذ الخشبية التي صقلها وبثّ فيها الحياة من جديد. ومع ذلك فقد ظلت فيكَراته كما هي بمواصفاتها القديمة حيث العيون السومرية الواسعة التي تحيل إلى أقدم حضارة عرفتها بلاد ما بين النهرين، ومعالم الوجوه الرقيقة المتناسقة التي حسّنتها استطالات الرقبة، وليونة الأطراف.
ولا يتخلى الفنان عن تأثيث اللوحة حيث يضع شخوصه دائماً في أجواء حميمية دافئة كالبيت أو الحديقة أو غرفة النوم، ولا غرابة في أن يدعوهم إلى حفل راقص وبهيج. وفي خضم هذه الأجواء لا ينسى أن يحيطنا علماً بوجود المُخبرين ومتسقطي الأخبار الذين يتربصون في زوايا اللوحة وأمكنتها النائية المهمَلة.
لا شك في أن الجنّة التي يتخيلها علي منبثقة من مخيلته المتقدة، لكنه قد يختزلها في فتاة أو صبي حالم هبط من الأعالي ليجد نفسه مستقراً في عالمٍ لا يخلو من الدهشة والإبهار. تلك هي جنّة الفنان التي تسترخي فيها شخصياته وتجد نفسها محاطة بأعلى درجات الغبطة والحبور.
يشكِّل الحيوان مفردة أساسية في لوحة علي ويهيمن عليها في بعض الأحايين خصوصاً حينما تكون هذه الحيوانات داجنة ووديعة مثل الظباء بأنواعها المختلفة أو القطط التي تستدرج المتلقي إلى دفء المنزل وحميمية علاقاته الداخلية.
وفي لوحة «Lovely» لا تدري أيهما المحبوبة، هل هي المرأة الفاتنة أم الظبية الوديعة التي تستقر بهدوء تام بين ذراعيها الحانيتين؟ يركِّز الفنان في بعض لوحاته على جانب من الحضارة الإسلامية أو على بعض أطيافها التي تشرق في ذاكرته بدون سابق إنذار. ولا غرابة في أن تحمل إحدى لوحاته اسم «الحلم 13» لأنها مُستمدة أساساً من سلسلة أحلامه الطويلة التي لا يستفيق منها أبداً لأنه يحملها بين جوانحه مثلما يحمل الفيكَر الوسطي (وهو ابن العائلة الوحيد) المدينة الإسلامية بقببها اللازوردية المُريحة لعين الناظر.
يضمّ عمل Necessary خمس لوحات مستطيلة قياس (80 x 200سم) وربما يكون الفكَر النسوي الذي تكرر خمس مرات هو نفسه مع بعض التغييرات التي فرضها مزاج الفنان.
هذا العمل مثل بقية الأعمال الحُلمية التي ينفذها غالباً بالأكريليك أو الميكس ميديا لتبدو رقيقة شفافة تجسّد قدر الإمكان شاعرية الفنان الذي يرسم على وجه السرعة قصائد قصيرة ذات نهايات تنويرية خاطفة تتيح للمتلقي أن يمسك وهج الدهشة الذي يظل، في الأعم الأغلب، متلألئًا في مخيلته البصرية لزمن طويل.
وربما تذكِّرنا لوحة المُعطيات الضرورية الخمسة بالحياة الصامتة أو الجامدة لكنها تتكلم أحيانًا مثل حبتيّ الفلفل الخضراوين اللتين خرجتا من صمتهما المطبق بإيحاء قوي من المرأة المتأججة التي بثّت الروح في اللوحات الخمس المستطيلة التي شربت من إكسير الحياة. التنوع في هذه اللوحة ناجم عن انشغالات المرأة، فواحدة تحمل جنينًا في جوفها، والأخرى تحتضن كلبها، والثالثة تنوء بفاكهة غريبة لكنهن جميعًا يتطلعن إلى المدى المفتوح الذي يقترب من الحلم كثيرًا أو يتحرك عند مداراته الساحرة في أقل تقدير. تتعدد محبوبات علي مثلما تعددت «فيكَراته النسوية» وربما تكون معشوقته الأبدية هي التي تجسدّت في اللوحة التي تحمل عنوان Darling1 حيث رسمها على الخشب وكأنه يريد أن يخلِّدها عليه لأطول فترة زمنية ممكنة.
لم تكن مادة الزيت المنفذة على الخشب القديم هي الآصرة الوحيدة التي تربط بين لوحتي Darling1 وDarling 2 وإنما الوشم أو الرسم على الجسد، خاصة على العنق والذراعين وظاهر الكفّ هو الذي يحيلنا إلى تجارب جانبــــــية خاضها الفنان في حياته، إذ قدّم ذات مرة عرضاً حياً رسم فيه موضوعاته الفنية على جسد فتاة هولندية عارية، وكان بحق عرضًا مدهشًا نال استحسان النقاد والحضور على حد سواء.
لابد من الإقرار بأن الأسلوب أو الشكل الفني أهم بكثير من الثيمة لأن هذه الأخيرة يمكن أن يصادفها الإنسان على قارعــة الطريق. وأسلوب علي يتطور عبر السنوات، وتتعمق تقنياته كلما خاض تجربة جديدة. خطوطه وضربات فرشاته لم تعد عنيفة كما كانت قبل عشرين عاماً، وألوانه الصارخة بتدرجاتها المعروفة لم تعد وحشية وصريحة وساخنة كما كانت في مستهل حياته الفنية، سواء في إيطاليا أو في هولندا.
لقد تشذّبت تقنيته وباتت أكثر رقة ونعومة لتقترب كثيراً من حافات الكمال الذي لن يصل إليه أي فنان مهما كان موهوباً أو عبقرياً أو خارقاً للمألوف في مهاراته وقدراته الفنية.
يلعب اللون دوراً مهماً في أعمال علي الفنية لكن لوحات هذا المعرض برمتها تؤشر إلى تطوره التقني الذي أوصله إلى تحقيق هذه التدرجات اللونية المثيرة التي تنقل مشاعر الفنان وأحاسيسه الداخلية التي تصل إلى المتلقي بغض النظر عن ثقافته ومستواه العلمي.
ربما يكمن رهان الفنان هذه المرة على الرهافة اللونية التي تتناغم مع ميوعة الأجساد الأنثوية التي تسعى بكل طاقتها لأن تكشف عن مخزونها العاطفي الذي يتأجج تحت أدَمَة الجلد ولا تجد حرجاً في البوح به أو الإعلان عنه سواء في جنّة الأرض أو في فردوس السماء.

٭ ناقد عراقي

لوحات العراقي سعد علي إذ تجعل الجنة خلف الباب
نفّذها بالزيت والأكريليك والميكس ميديا
عدنان حسين أحمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية