تونس ـ «القدس العربي» ـ من عبد الدائم السلامي: «كل الثورات الحديثة سعت إلى دعم الشأن الثقافي إلا ثورة تونس فإنها زادت من تهميش المثقّف وإقصائه»، هكذا كتب أحد المثقّفين التونسيّين مُعلِّقًا بمرارة على العريضة التي وجّهها شعراء وموسيقيّون ومسرحيّون إلى وزير الثقافة محمّد زين العابدين طالبين منه إنصافَهم مِمَّا أصبحوا يتعرّضون له من «إهانة» سبَبُها ضعفُ المنحة الخاصة بمشاركاتهم في التظاهرات التي تنظمها المندوبيات الجهوية للثقافة، وبطء إجراءاتها. وهي منحة «أصبحت – منذ إلغاء اللجان الثقافية – تخضع لعَقْدٍ مُسبق يقع إمضاؤه وتسجيله بالقباضة المالية ثم نُجبر على الانتظار لأشهر ليقع تحويل تلك المبالغ الهزيلة لنا». وهو أمر، يقول أصحاب العريضة، قد أجبر العديد منهم على عدم المشاركة في عديد التظاهرات الثقافية لتهافت عائداتها المالية. ويطالِبُ هؤلاء «بالإلغاء الفوري لهذه الإجراءات المهينة والمذلة، وإعادة العمل بالطريقة القديمة التي تعتمد على علاقة مالية مباشرة بين المبدع والوزارة بدون المرور بتلك الإجراءات المطوَّلَة»، كما طالبوا «بمراجعة المنحة المخصصة لمشاركة المبدعين في التظاهرات الثقافية بما يليق بهم وبكرامتهم». وخُتِمَت العريضةُ بدعوة المثقّفين وزيرَ الثقافة إلى ضرورة «فتح كل الأبواب أمامنا من أجل إنقاذ الوضع الثقافي المتأزِّم أصلا».
وعوّلت الشاعرة سوسن العجيمي على الحس الإبداعي لوزير الثقافة (باحث وأكاديمي في مجال الموسيقى) كيْ ينهض بمسؤوليته الثقافية مذكِّرةَ إيّاه بتنوّع جهود البشير بن سلامة (كاتب ووزير ثقافة في عهد بورقيبة) في صناعة ثقافة وطنية حيّة عبر طبع كتب المبدعين بالآلاف على نفقة الدولة، وتوفير كلّ الأسباب الحافظة لكرامة الكاتب التونسيّ. وتساءلت العجيمي قائلة: «ماذا ننتظر من هذا الوطن تحديدا؟ يا سيادة الوزير نحن موتى في وطن لا يحترم مبدعيه».
وقد تواصلت «القدس العربي» مع مجموعة من الكتّاب التونسيّين لمعرفة الأسباب التي حفزتهم لأنْ يتوجّهوا بهذه العريضة إلى وزير الثقافة. فأجابوا بأنّ الفعل الثقافي في تونس – ومنه دعوات المشاركة في الفعاليات الثقافية- ما يزال محكومًا بمنطِق «الصُّحبة» و«الشللية»، ذلك أنّ هناك مجموعة بعينها من المثقّفين تستأثر بالحضور في كل الأنشطة الفكرية والإبداعية التي تقام في تونس أو في الخارج على حساب باقي مثقّفي البلاد. كما أكّدوا ضحالةَ المكافآت المادية، فهي لا تتجاوز في الغالب الأعمّ 100 دينار تونسي. وأعرب هؤلاء عن أنّ الكاتب التونسيّ يعيش وضعا ماديا ورمزيا صعبًا، وهو متروك لحاله يواجه بمشقّة ظروف معيشه وظروف نشر كتبه.
يذكر أن كثيرا من النَّقد قد وُجِّه في الفترة الأخيرة إلى رئاسة الحكومة ووزارة الثقافة بسبب إقرار مجموعة من التدابير الإدارية ذات الصبغة المالية الخاصة بالأنشطة الثقافية خلال ميزانية 2017 على غرار إقرار ضريبتين، الأولى بقيمة 6٪ تشمل توريد وبيع الكتب والمؤلّفات والمنتجات المعدَّة لطبع الكتب، والثانية بقيمة 18٪ وتشمل توريد وبيع المعدّات والآلات والمواد المتعلقة بالأنشطة الثقافية على غرار معدات الإضاءة والصوت، والآلات الموسيقية والمواد المستعملة في الفنون التشكيلية وعمليات إنتاج وتوزيع وعرض الأعمال المسرحية والموسيقية والأدبية والتشكيلية والأشرطة السينمائية. وهي زيادات رأى البعض أنها ستساهم في غلاء أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية وفي ارتفاع تكلفة طباعة الكتب وإنجاز الأنشطة التشكيلية والسينمائية والمسرحية، وهو ما سيدفع باتجاه عزوف الناس عن متابعة الفعل الثقافي لعدم قدرتهم المادية عليه.
وقد جاءت هذه التدابير في إطار حملة التقشّف ومكافحة الفساد التي دعا إليها رئيس الحكومة واختار لها شعار «ناقْفُو لتونس» (لِنَقِفْ لتُونسَ)، وهي دعوة وجدت معارضة كبيرة من الفاعلين الثقافيين، كما عارضتها المركزيةُ النقابية التي قال أمينها العام حسين العباسي: «يجب على الحكومة أن تبحث عن الأموال في جيوب الفاسدين وليس في جيوب الفقراء».