أنا شخصيا مقتنع بأن العديد من سفرائنا وموظفين كبار غير مؤهلين في هذه المرحلة الحرجة للمنصب. وهذا واضح بدليل أن أغلبهم لم يمتلك الشجاعة والقدرة والجرأة والفكر الخلاق للدفاع عن الأردن وشعبه وقيادته الهاشمية العتيدة في وجه الهجمات الشرسة الهادفة للنيل من الأردن وقراره المستقل وتنكر للأردن دوره في احتواء أعداد فلكية من اللاجئين والدفاع عن مقدسات الأمة الإسلامية والمسيحية ومن ضمان الوحدة الوطنية والأمن والاستقرار وحرية الدين وتماسك الشعب الأردني بكل أطيافه السياسية والعرقية والاجتماعية والدينية. الا أن الموضوع لا علاقة به بالتشريفات الملكية ورئاسة الوزراء، لكل اجتهاده ولكل أعمال جليلة لا يمكن التنكر لها من الدفاع عن الوطن والملك وبذل الغالي والرخيص لاعلاء كلمة الأردن ورفعته وسؤدده ومجده محليا وعالميا. الموضوع اجتماعي بحت يتعدى ثلاثة وخمسة أشخاص وحتى المئة.
هذه ثقافة مجتمع موجودة حتى في أعتى الدول سياسيا وعسكريا واقتصاديا الا أن الواسطة في بلادنا ظاهرة وفي الدول الغربية مخفية تحت السطح والا كيف يمكن تفسير عدم القدرة في دولة عظمى كبريطانيا على التحقيق بالاعتداء الجنسي على آلاف الأطفال من رجال نفوذ في النظام البريطاني سواء رجال سياسة أو أكاديميين أو طب أو رجال دين (استقالة ثلاثة ممن كلفوا التحقيق في حوادث الاعتداء على الصبية).
لا يختلف أحد على شرعية الملك عبد الله الثاني وعلى ضرورة الحفاظ على المؤسسة الملكية ومؤسسة ولاية العهد كحل وحيد لاستدامة الوحدة الوطنية والتنمية الوطنية الشاملة كركيزة أساسية من ركائز الأمن والاستقرار وكصمام أمان ليس للأردن فحسب لكن للإقليم والعالم.
القيادة الهاشمية استطاعت أن تتخطى الخطب الجسام وتجنب الأردن والشعب الأردني من الكوارث البشرية والاقتصادية التي تعصف بدول الجوار بلا استثناء. لكن هناك تحديات أكبر فرضتها تبعات تدفق اللاجئين السوريين بأعداد فلكية وعدم وجود بصيص أمل بانتهاء الحرب الأهلية في سوريا في الأمد القريب وبدء معارك استعادة الموصل واحتمالية قتل العديد من المدنيين وتشريد مئات الآلاف عدا عن صعوبة القضاء على تنظيم الدولة واحتمالية تمدده سريا أو لجوء العديد من منتسبيه إلى سوريا ومنها إلى الأردن كخلايا نائمة تنتظر لحظة زعزعة الأمن والثقة بالأجهزة الأمنية.
المكون السوري أصبح حقيقة واحتمالية وجودهم في الأردن لفترة طويلة احتمال وارد وصعوبة ان لم تكن استحالة ترحيلهم إلى سوريا بعد انتهاء الحرب هي حقيقة اذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن 90 في المئة من اللاجئين يعيشون في المدن والقرى الأردنية وعشرة بالمئة فقط في المخيمات.
فرض بعض الدول المانحة شرط توظيف السوريين هو تمهيد لتوطينهم في الأردن تماما كتوطين اللاجئين الفلسطينيين. الآن العلاقة الأردنية الفلسطينية هي علاقة شائكة وهناك توترات تحت الرماد ان لم تكن ظاهرة علنا وهناك نعرة أردني فلسطيني على الرغم أن الملكة رانية نفسها فلسطينية ولكن أعتقد بأن الفلسطينيين وخصوصا في السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية لا يريدون كائنا من كان بالسيطرة أو التحكم أو حتى مجرد اللمس بالقرار الفلسطيني المستقل وكون القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين المستقلة وكون الفلسطينيين أنفسهم من يضطلع بالمرابطة والاستبسال في الدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية وخصوصا المسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف.
صحيح أن الهاشميين هم سدرة الحرم القدسي بموجب الوصاية التاريخية والدينية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين وصحيح بأن الأردن قدم الغالي والرخيص في سبيل القدس وفلسطين منذ عام 1948 وصحيح أن الملك لا يترك مناسبة لمخاطبة قادة الرأي والفكر وصناع القرار في المنابر والمنتديات والمحافل الدولية الا وتكلم عن معاناة الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي وعن الظلم والاجحاف الدولي بحرمان الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة باقامة دولتهم الفلسطينية المستقلة الحرة على كامل التراب الوطني الفلسطيني وضرورة إيجاد حل عادل وشامل للاجئين الفلسطينيين ووقف الاستيطان ووقف الانتهاكات المتكررة من تدنيس للحرم القدسي الشريف ومحاولات تهويد المدينة المقدسة وتقسيم الحرم زمانيا ومكانيا مخالفة لكل الشرائع والقوانين والدساتير الدولية، الا أن الرفض الفلسطيني لتركيب الكاميرات في الحرم والخلاف السخيف على الفيفا يدل على أن هذه العلاقة القوية والرصينة ظاهريا ليست الا علاقة هشة.
الآن وجـود أكثـر من مليـون لاجىء سـوري يستدعي السؤال عن ولائهم على المسـتقبل البعـيد وعن دمجهم وتمثيلهم في مؤسسـات الدولة الأردنية كافة وعن محنهم جوازات وجنسـيات كما يحصـل في دول أوروبيـة لطـلاب اللـجوء وكمـا حصـل من قبـلهم لمئـات الآلاف مـن الفلسـطينيين.
عودة إلى موضوع التعيينات في المراكز العليا. هناك العديد ممن لا يستحقون مناصبهم وهذا أمر بديهي في أي دولة سواء في السلطة الفلسطينية أو سوريا أو الأردن وغيرها مع خلاف بسيط بأن السلطة الفلسطينية ليست دولة وسوريا تدفع ثمنا باهظا بدماء أبنائها ومقدراتها العمرانية والاقتصادية والبشرية وهذا ما نريد تجنبه في الأردن مع ضخامة التحديات الاقتصـادية والأمنـية.
التطرق إلى موضوع تعيينات الواسطة والمحسوبية ليست برسالة حقد وضغينة ودراسة ملف العلاقة الأردنية الفلسطينية بعناية لا تهدف لضعضعة العلاقة التاريخية أو لضرب الوحدة المقدسة بين الشعبين التي أرسى دعاماتها الملك حسين والرئيس ياسر عرفات رحمهما الله، والتطرق لدراسة ملف اللجوء السوري بكل أبعاده وتداعياته ليست عنصرية وحقدا وتأليب مشاعر العداء والكراهية لإخواننا السوريين الذين تقاسمنا معهم الملح والخبز.
نحن على مفترق طرق والملك أول من عبر عن التذمر من تعيينات الواسطة والمحسوبية في رسالته النقاشية السادسة داعيا بشكل واضح لا لبس فيه عن الابتعاد عن هذه الظواهر الاجتماعية الكريهة التي تفتك بالمسيرة التنموية والنهضوية لمجتمعنا الأردني لكونها عائقا يثير الأحقاد ويزعزع الثقة بأجهزة الدولة ومؤسساتها وسفاراتها ومنتسبيهم ويحول دون النهوض بالوطن ورفعته بل على العكس تنخر وتحطم ما تم انجازه بتقويضها لقيم العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص والحكم الرشيد.»
كاتب من الأردن
الدكتور منجد فريد القطب