في الاسبوع القادم سيصادف مرور 100 عام على وعد بلفور. في يوم الجمعة 12 تشرين الثاني 1917 أعلن أرثر بلفور، وزير الخارجية البريطاني في رسالة قصيرة للورد ليونيل فولتر روتشيلد أن حكومة فخامته تؤيد اقامة بيت قومي للشعب اليهودي في ارض إسرائيل، وستبذل الجهد من اجل تحقيق هذا الهدف بشرط أن لا يتم فعل أي شيء يضر بالحقوق المدنية والدينية للجاليات غير اليهودية في ارض إسرائيل أو الحقوق السياسية لليهود في أي دولة اخرى».
بعد مرور خمس سنوات تم وضع وعد بلفور في كتاب الانتداب لادارة ارض إسرائيل الذي أعطته عصبة الأمم لبريطانيا، وأضيفت فيه جملة اخرى هي «الاعتراف أعطي بناء على الصلة التاريخية للشعب اليهودي بارض إسرائيل واعتبارات اعادة البيت القومي في هذه البلاد». حاييم وايزمن، الذي بمساعدة ناحوم سوكولوف، عمل من قبل الهستدروت الصهيونية من اجل الحصول على الوثائق بمواظبة وحكمة، سعى إلى الحصول على التزام اكثر وضوحا، لكن الصيغة المتواضعة بحد ذاتها كانت لبنة هامة في بناء دولة إسرائيل.
رؤساء العرب في ارض إسرائيل رفضوا وعد بلفور منذ تم نشره، واحتجوا على استخدام مفاهيم «الشعب اليهودي» و»البيت القومي في ارض إسرائيل» وعلى التعاطي مع العرب كـ «جالية» من خلال حقوق مدنية ودينية فقط وبدون أي حقوق قومية. ولنفس الاسباب قالت «م.ت.ف في» البند 18 في ميثاقها في العام 1964، قبل «الاحتلال» بثلاث سنوات إن «وعد بلفور وكل ما تأسس عليه هو مؤامرة»، وانطلاقا من ذلك أعلن رئيس «م.ت.ف»، محمود عباس، في الجمعية العمومية للامم المتحدة مؤخرا: «لقد مرت 100 سنة على وعد بلفور المشؤوم، الذي منحت من خلاله بريطانيا بدون وجه حق صلاحية وموافقة تطبيقه على ارض فلسطين، لشعب آخر. وهذا مهد الطريق لحدوث نكبة الشعب الفلسطيني واقتلاعه من ارضه».
في ذلك الخطاب طلب عباس ايضا من بريطانيا الاعتذار للفلسطينيين بسبب «الكوارث والمعاناة والاجحاف الذي تسببت به» نتيجة وعد بلفور. وقبل ذلك بشهرين طلب محمود عباس من سكرتارية الجامعة العربية مساعدته في «اعداد ملف قانوني ضد الحكومة البريطانية بسبب وعد بلفور وتطبيقه لأنها كانت صاحبة الانتداب».
هذه التصريحات، رغم أنها غريبة، تنزل إلى جذور الاشياء. في العام 1917 لم يكن هناك قرار للامم المتحدة حول تقسيم ارض إسرائيل الغربية، ولم تكن «نكبة» أو «احتلال». وعام 1967 لم يولد بعد. يثبت موقف «م.ت.ف» مرة اخرى عمق معارضة وجود السيادة الإسرائيلية في أي جزء من فلسطين، هذه المعارضة منذ 100 سنة، تنبع من انكار حقيقة، ليس فقط أن اليهود أبناء دين، بل ايضا أبناء قومية وهم يعيدون بناء سيادتهم في وطنهم القديم. في ميثاق «م.ت.ف» تمت صياغة هذا الانكار بالشكل الاوضح.
«الاصولية»، كما قال المفكر الاسباني ـ الأمريكي جورج سنتيانا، «هي نتاج مضاعفة جهودك عندما تنسى هدفك». الشعار القديم «الارض مقابل السلام» كان له منطقه الخاص به، حتى لو كنت لا أوافق عليه. لكن الاصوليين في اليسار الإسرائيلي نسوا الهدف منذ سنوات وهم يضاعفون جهدهم من اجل انهاء «الاحتلال» بدون شروط وبدون خديعة السلام. وعند ظهوره في مجلس الامن التابع للامم المتحدة في 16 تشرين الاول/أكتوبر 2016 كمتآمر شجاع وصل سرا من ديكتاتورية ظلامية، استنكر ممثل بتسيلم «الاحتلال» وطلب من المجلس العمل فورا من اجل أن يفرض على بلاده وضع حد لذلك. ولكن طوال خطابه لم يعبر ولو عن أمل واحد للسلام يسود هنا بعد انتهاء ذلك «الاحتلال».
الكثيرون في دولة إسرائيل وفي العالم ما زالوا لا يفهمون الصعوبة. وعلى العكس من الاتفاق المرحلي الذي يُمكن الاطراف من استمرار العمل لتطبيق كافة طموحاتهم واحلامهم، فإن الاتفاق النهائي لا يسمح بذلك. حسب رأي أبناء «م.ت.ف»، الاتفاق الدائم الذي يُرسي إسرائيل إلى الأبد في جزء من فلسطين ويعطي صيغة لتطبيق «عودة اللاجئين إلى منازلهم»، لا يستطيع أن يظهر البند الحيوي الذي يعلن عن «انتهاء الطلبات المتبادلة». لذلك فإن «م.ت.ف» التي ترفض وعد بلفور بعد 100 عام على صدوره، غير قادرة على التوقيع على اتفاق دائم مع دولة إسرائيل حتى بالشروط الاكثر تواضعا التي باستطاعة اليسار الصهيوني التفكير فيها اليوم. التجربة الدولية لفرض اتفاق كهذا ستؤدي إلى حل «م.ت.ف» والقضاء على قيادتها وهي لن تنجح. ويُفهم من هنا أن جهود الاصوليين في البلاد وخارجها موجهة لانسحاب إسرائيل إلى حدود 1949.
لكن ـ أعيننا التي ترى: بعد مرور 100 سنة ورغم كل شيء، فإن البيت القومي للشعب اليهودي يزدهر في ارض إسرائيل. وهذا ما سيكون.
إسرائيل اليوم 27/10/2016