تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: اُفتُتِحت مساء أمس الجمعة في قصر المؤتمرات في العاصمة بحضور وزير الثقافة التونسي محمد زين العابدين والنجمة السينمائية التونسية المقيمة في مصر هند صبري، وعديد من فنّاني السينما العربية والتونسية والأفريقية.
وتتزامن هذه الدورة التي ستستمر إلى يوم 5 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل مع الاحتفال بخمسينية هذا المهرجان العريق. يذكر أن إدارة هذا المهرجان ساعدت على نقل حفله الافتتاحي مباشرة إلى المدن الداخلية، على غرار مدن جربة وصفاقس وقفصة والقيروان والمنستير والمهدية والقصرين وسليانة والكاف وجندوبة. كما سيتمّ عرض مجموعة من أفلام هذه الدورة في بعض الجهات الداخلية الأخرى.
وكانت انطلاقة هذا المهرجان بعرض مخصوص بالصحافيين لفيلم «زهرة حلب» (إنتاج مشترك تونسي لبناني) في قاعة «الكوليزي» في العاصمة. وقال رضا الباهي مُخرج هذا الفيلم إنّ «زهرة حلب» يمثّل أفضل أفلامه لأنه عمل نابع من معيش الناس ويُجيب عن أسئلتهم عبر رؤية فنية تُفكِّكُ مسألة «الجهاد» وما فيه من استقطاب المجموعات الإرهابية للشباب التونسي، والتغرير بهم ورميهم في أتّون حرب طاحنة لا تعنيهم. وأضاف الباهي أن الفيلم ينهض على دعامة حكاية أمّ (هند صبري) تعمل ممرِّضة، تقرّر الالتحاق بسوريا بتعلّة الجهاد وغايتها في ذلك استرداد ابنها ذي الثمانية عشر عاما بعد أن تمّ تجنيده من قبل عناصر تكفيرية وترحيله إلى مناطق الحرب في سوريا. وهناك تعيش الأم مغامرة صعبة يتمّ فيها اغتصابها من قبل جماعة جهادية ثم قَتْلها من قِبَل ابنها بدون أن يعرفها. ولم يُخفِ الباهي تبرُّمَه من واقع الإنتاج السينمائي في تونس «هذا البلد الضيِّق» على حدّ وصفه، وأكّد في الصدّد أن فيلَمه ثمرةُ تعاون فريق الممثِّلين وزهدهم في الجانب الماديّ بغرض توفير كلّ أسباب النجاح له، وهم هشام رستم ومحمد علي بن جمعة وباديس الباهي وفاطمة ناصر من تونس ومحمد آل راشي وجهاد الزغبي وباسم لطفي من سوريا. وحيّا الباهي الفنانة هند صبري التي قامت بدور البطولة في فيلمه وشاركت في إنتاجه عبر شركة «سلام برود». والحقّ أننا شاهدنا فيلم «زهرة حلب»، وحاولنا التنبّه إلى كلّ خطابه الفنيّ والمضمونيّ، ولا نُخفي في هذا الصدد ملاحظةَ أنّ الفيلم لم يحفزِنا لأنْ نتعاطف مع أيّ شخصية من شخصياته، ولم يقدّم جديدا في طرحه لمسألة الإرهاب، كلّ ما فيه هو من قبيل الجديد المألوف، كما لو أنه طبيخ بائت.
وذكرت هند صبري في حديثها للصحافيين أنّ «زهرة حلب» أعادها إلى السينما التونسية بعد غياب طويل، وهي واثقة من أنّه سيجد صدًى طيِّبًا لدى الجمهور التونسي والعربي. ويذكر أن هذه النجمة فازت بجائزة أفضل ممثلة في فيلم «صمت القصور» للمخرجة مفيدة التلاتلي خلال أيام قرطاج السينمائية لعام 1994.
«الجديد في خمسينية المهرجان هو الرجوع إلى الذاكرة» بهذا القول وصَّفَ إبراهيم اللطيف، مدير أيام قرطاج السينمائية، هذه الدورة الجديدة، حيث ذكر أنه سيتمّ الاحتفاء بمؤسِّسِها الراحل الطاهر شريعة وبكلّ الفائزين فيها بالتانيت الذهبيّ على مرّ الخمسين سنة الماضية. واعتبر أن السينما العربية والأفريقية الراهنة إنما هي ثمرة جهود فنانين ومخرجين مَهَرة كان لهم الفضل في تأصيل هذا الفنّ وفي التعريف به عالميا. وأكّد إبراهيم اللطيّف أن النجم المصري عادل إمام سيكون حاضرا في اختتامية هذه الدورة، وسيحضرها معه أيضا كلّ من باسم يوسف ومحمود حميدة وجميل راتب وخالد النبوي وعمرو واكد وعزت العلايلي وباسل الخياط. وستكرِّمُ هذه الدورة كلا من المخرجيْن الراحليْن المصري يوسف شاهين والإيراني عباس كياروستمي، وسيتمّ عرض بعض أفلامهما بحضور ممثِّلين قاموا بدور البطولة فيها
وقال إبراهيم اللطيّف إنّ مسابقة العمل الأول تتضمن 12 شريطا سينمائيا، بينما تتضمن مسابقة الأفلام القصيرة 18 شريطا. وأشار اللطيّف إلى أن لجان تحكيم مسابقات هذه الدورة تتكوّن من عبد الرحمن سيساكو من موريتانيا (رئيس لجنة التحكيم الكبرى) وسفيان الفاني من تونس (رئيس لجنة العمل الأول) وميمونة إندياي من بوركينا فاسو (رئيس لجنة الأفلام القصيرة) وكريستوف لوبارك من فرنسا (ورشة تكميل). وسيكون جمهور السينما على موعد مع مجموعة من الأفلام الروسية والصينية، في إطار انفتاح المهرجان على محيطه العالمي.
وما ميّز هذه الدورة الجديدة من أيام قرطاج السينمائية هو احتفاء العاصمة التونسية بزوّارها، إذْ منذ فجر يوم 28 أكتوبر، يوم الافتتاح، بدت شوارع العاصمة التونسية كما لو أنها أخذت دُشًّا صباحيا باردًا، فلا يعدِمُ الماشي في شوارعها رؤيةَ مظاهرِ صَحْوِها المَدِينيِّ، ذلك أنّ محافظ العاصمة الجديد عزم أمره على تخصيص ما يلزم من عتاد ماديّ وبشريّ لتخليصها من أوساخها ومَشاهد بؤسها البيئي التي لازمتها منذ 14 سبتمبر/أيلول 2011، حتى تستقبل زوّارها من نجوم السينما في أبهى منظر.