لقاء الدوحة والاستعصاء السياسي الفلسطيني

حجم الخط
11

التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في العاصمة القطرية الدوحة، وأتبع ذلك بلقاء مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل ونائبه (ورئيس حكومتها في غزة) اسماعيل هنية تحت إطار ما يسمى «توحيد الصف الفلسطيني» إضافة إلى القضايا الفلسطينية الملحّة الأخرى كالانتخابات وتشكيل حكومة وحدة وطنية وإنهاء الانقسام، لمواجهة التحدّيات الكبرى التي تحيق بالمشروع الوطني الفلسطيني.
وإذا افترضنا أن القضية الفلسطينية، في المرحلة الراهنة، هي محصّلة للوضع العربيّ (الذي هو، بدوره، محصّلة للوضع الإقليمي والدولي)، فإن جمع الطرفين الفاعلين في الساحة الفلسطينية، والقادرين – لو توفّرت الإرادة (وساعدت الظروف) ـ على تعديل دفّة السفينة في جوّ مليء بالعواصف، هو مسألة جديرة بالتقدير والشغل الحثيث عليها.
قد يكون الاجتماع الآنف الذكر رمزيّاً كونه جرى خلال قيام الرئيس الفلسطيني بأداء واجب العزاء بالأمير الأب خليفة بن حمد آل ثاني، الذي توفّي مؤخرا في قطر، لكنّ حصوله، والكلام الذي جرى فيه ونُشر عنه، يدلّ على قابلية سياسية قطرية على جمع الطرفين، وهي قابلية تمتد من علاقة الدوحة المميزة مع حركة «حماس» إلى خبرتها الدبلوماسية الطويلة والمعقدة على جمع أطراف متنازعة (كوساطاتها بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان، وبين لبنان وتنظيم «الدولة»، وبين السعودية وتركيا، وبين الأطراف السودانية المتصارعة الخ…)، كما على ابتعادها الجغرافي النسبي عن الوضع الفلسطيني، وبالتالي عدم وجود احتمال تنازع مصالح جغرافية أو سياسية، كما هو الأمر في حالة مصر والأردن.
تأكيد عباس خلال مجريات لقاءاته في الدوحة على دور مصر المهم، يحيل، بشكل خجول، إلى قضية تنازع المصالح هذه، وهو قد يفسّر، على ضوء التصريحات الفلسطينية الحادة والرافضة للتدخل المصري بالشؤون الفلسطينية لاسيما شؤون حركة فتح وعلى ضوء التصعيد الداخليّ في مصر (والذي تجلّى في تلقّي قيادات الإخوان المسلمين أحكاماً مرتفعة بالسجن)، استعصاء كبيراً يؤثر بقوة على الأهداف المنشودة من لقاء السلطة وحركة حماس أكثر، على عكس ما هو متوخّى من دولة مكلفة بشؤون المصالحة الفلسطينية في الجامعة العربية.
بهذا المعنى، فإن التأجيج السياسي والأمني الحاصل في مصر، والأزمة السياسية التي تتخبط فيها أكبر الدول العربية التي تحدّ حدود غزة وتتحكم بحركة سكانها مع العالم الخارجي سيجعل أي اتفاق بين الفلسطينيين مهدّداً بالسقوط.
تجاهل الجغرافيا السياسية مع مصر (أو مع الأردن) غير ممكن بالتأكيد ولكنّ تأجيل المصالحة الفلسطينية إلى أن تحلّ أزمات مصر والمنطقة العربية هو قرار كبير يتحمّل مسؤوليته الفلسطينيون أنفسهم، وهو قرار لا تؤجله الضغوط الخارجية وحدها بل كذلك البنى السياسية والمصالحية الصلدة التي تعتاش على هذا الانقسام، والضغوط الداخلية ـ الإقليمية (حركة محمد دحلان بالنسبة لفتح وحركات السلفية المتطرفة بالنسبة لحماس مثلا)، وكذلك حالة الجمود المؤسساتي في الحركتين.
لقاء الدوحة، بهذا المعنى، هو تلخيص رمزيّ لمجمل الحالة الفلسطينية ولكنه أيضاً تحدّ كبير للحركتين يضعهما وجهاً لوجه أمام شعبهما وطموحاته في الحرية والخلاص من الاحتلال.

لقاء الدوحة والاستعصاء السياسي الفلسطيني

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية