بيروت ـ «القدس العربي»: إنه المثل الشعبي المتداول منذ الأزل، «عيش كتير.. بتشوف كتير». نصفه الأول كان كافياً لإطلاق برنامج كوميدي مميز أبطاله من كبار السن، أصغرهم في الـ75 من عمره، جميعهم في غاية الهضامة، خفة الظل والعفوية. ما إن أطل برنامج «عيش كتير» عشية الثلاثاء في 18 الجاري على شاشة «الجديد» حتى ألهب مواقع التواصل الاجتماعي بقوة. وصارت «جاندارك» بطلة شعبية بعد اللوحة التي قدمتها بعفوية مطلقة. هذا النجاح لم يكن متوقعاً من قبل معدة ومنتجة البرنامج مي نصور.
تعترف نصور بأن اليوتيوب ساهم بانتشار كبير لبرنامج «عيش كتير» منذ حلقته الأولى، وكان لطلب جاندارك حبوب الفياغرا من الصيدلي أن يطلقه بشكل مذهل. عن كواليس الكاستينغ لاختيار أبطال البرنامج من كبار السن تقول نصور: البرنامج فورما أجنبي، صورنا قبل سنتين حلقة تجريبية. لم تكن شركات التلفزيون في لبنان واثقة من نتائجه كبرنامج في شرقنا، بينما حقق النجاح الكبير في الغرب. في الحلقة التجريبية تعاونت مع سبعة مسنين بسبعة اسكتشات، ولدى بيع البرنامج لتلفزيون «الجديد» تعاونت معهم مضافاً إليهم ثلاثة جدد. لم يتم الكاستينغ بالطريقة المتعارف عليها. تواصلنا مع المسنين من معارفنا ومع آخرين من معارف أصدقاء مشتركين. بعضهم صور أفلاماً لطلاب جامعيين. هكذا تمّ تجميع «الكاست» واختياره.
إذاً بعضهم وقف أمام الكاميرا ومرّ على الشاشة؟ دعد رزق ممثلة حضرت في العديد من الإعلانات والمسلسلات. ريمون خياط حضوره ملحوظ جداً في الإعلانات. جاندارك مثلت مع طلاب الجامعات لكنها لم تسجل حضوراً على الشاشة الصغيرة. وهي أكبر الفريق سناً في برنامج «عيش كتير».
نسأل عن عمر جاندارك المهضومة جداً فتضحك مي نصور وتقول: بصراحة لم تقل مرّة عمرها، بتقديري بين الـ85 سنة و88. أدام الله صحتها الجيدة جداً، فهي محترفة في عملها. لم «تنق» مرّة، ودائماً تصل على الموعد. ندرك أن طاقة المسنين على العمل تختلف عن طاقة الشباب، لكن فريق «عيش كتير» يعطي الكثير. ولم يصادف أن أوقف أحدهم التصوير للتعب أو الرغبة في المغادرة. كما لم يقل أحدهم بأنه لن يأتي اليوم إلى التصوير. نستدعيهم صباحاً لتحضير المشاهد، وعلى الدوام ينتهي التصوير بحدود الساعة الخامسة عصراً. ومنهم من يغادر مع إنتهاء مشاهده، أو يأتي بعد الظهر إلى مواقع التصوير.
لم يكن أحد من هؤلاء المسنين الذين ضحكنا معهم في برنامج «عيش كتير» بحاجة للإقناع كي يطل على الشاشة. وتضيف: تواصلنا مع عدد كبير من المسنين ومن لم يرغب لم يدخل المشروع. بحثنا في دور المسنين واخترنا بعضهم، لكن الإدارات تتوقفت عند المسؤولية في حال حدوث مكروه لمسن؟ فتراجعنا.
لا بد من معرفة من هم الأكثر شجاعة وحيوية في التصوير من بين نجوم «عيش كتير»؟ نصور تعترف أن مزيداً من العلاقة معهم ساهم بسبر أغوار شخصياتهم. وتقول: بتنا نحدد الدور المناسب للشخص المناسب. توطد المعرفة وتعدد اللقاءات معهم سمح بتحديد الأمكنة التي يفترض أن يتحرك فيها هذا الشخص أو ذاك حفاظاً على طاقته وسلامته. فالطريق مثلاً لا تتناسب مع بعضهم. بات سهلاً تحديد دور كل منهم. وبات العمل ينجز بوتيرة أسرع بعد أن تخطينا فترة التجريب. كافة الاكتشافات في شخصيات أبطال «عيش كتير» توصلنا إليها بعد اسبوع من التصوير، وصارت قدراتهم واضحة سواء على صعيد الحفظ، المواقف العفوية، الوقوف وغيره. مثلاً نجنب جاندارك الوقوف والمشي. في اختيار مشاهد التصوير ننظر إلى شخصيات المسنين وأعمارهم، خاصة وأن بعضهم يتراوح عمره بين 75 و85 سنة. جميعهم بصحة جيدة لكننا نحاذر الاسكتشات المتعبة للقلب. وكمنتجين للبرنامج لا نرغب بما يؤذي كرامة الناس، أو اصابتهم بالـ»نقزة» التي قد تؤدي لسكتة قلبية، بنظري هي برامج غير مضحكة. موافقتي على اعداد وإنتاج هذا البرنامج اخذتني للمقالب الخفيفة، غير المؤذية، تحترم الناس. وأن يتمّ التصوير بالقرب من أشخاص بحيث تسجل الكاميرا ردة أفعالهم عليها.
شراء الفياغرا من قبل جاندارك المسّنة جداً اسكتش لا يزال متداولاً عبر وسائط التواصل الاجتماعي فكم هي نسبة عفويتها؟ تقول نصور: نسبة 75 في المئة من كلام «جاكو» من عندياتها. الصيدلي من فريقنا، والضرب إن صحّ التعبير بالزبائن قاصدي الصيدلية. اسكتش تضمن تضمن ايحاء جنسياً لكنه محترم. نحن نهتم بأن لا نسقط في الابتذال أو السوقية لإضحاك الآخرين. وقريباً سيدخل مسن إلى الصيدلية ليسأل عن واقي ذكري، وفي رأي أن احداً لن ينطق بجملة تقول أن دمنا ثقيل، أو أننا سوقيون. وألفت هنا إلى اختياراتنا لملابس المسنين، حيث نعمل بذهنية «التاتا والجدو». ملابس مزهرة بالورود، مع قبعات. بعضهم علّق قائلاً على الحلقة الأولى بأنه لم يستطع تحديد جنسية المسنين أكانوا عرباً أم أجانب؟ لا نهدف لأن تضيع هوية البرنامج العربية، لكننا لا نرغبه منتمياً إلى منطقة ما. بل أن يكونوا جميعهم شبيهين بأي مسن.
المشهد الخارجي في البرنامج جميل فماذا عنه؟ تقول نصور: نعم نركز على الصورة. نصور في الحدائق، أو غيرها من الأماكن المخضوضرة، ونحرص على اقتناء ملابس جميلة للمسنين وعلى اللوك بشكل عام. بدورنا كمنتجين قمنا بإضافات على الفورما الغربي منها الحوار الصغير الذي يسبق كل اسكتش. ومررنا مشاهد صغيرة للمسنين فيما بينهم. كذلك كان اصرار على تقديم صورة جميلة للمسنين في نهاية كل حلقة وهي ظهرت في Free Hag التي حملتها جاندارك في شارع الحمرا. وكل حلقة ستتضمن ما هو مشابه لتقريب جيل الشباب من المسنين.
لم تتوقع مي نصور النجاح الذي حققه البرنامج في حلقته الأولى. تقول: إلى جانب اسكتش الفياغرا، نجح كذلك اسكتش الـ«بيبي» حيث حملت دعد بولها إلى الحديقة العامة في كوب. توقعت أن يكون البرنامج مسلياً. أن يسجل كليب جاندارك عبر مواقع التواصل الاجتماعي في 24 ساعة مليون و200 ألف مشاهدة على موقع تلفزيون «الجديد» فكان مفاجأة. جاندارك فرحة جداً لشعورها أنها ساهمت بنجاح البرنامج. وكمنتجين ومعدين في غاية الفرح والحماس.
يبدو أن النساء أكثر جرأة من الرجال فدعد راحت تتحرش بالشباب؟ نعم دعد جريئة جداً. هي التي نختارها في اسكتشات توقيف الناس في الشارع وتوجيه السؤال لهم. هي مقدامة بكل معنى الكلمة، فيما نخشى من «دفشة» بالغلط على جاندارك. أتواصل مع فريق البرنامج من المسنين عبر الواتس أب، وهم يخبرونني بتعليقات الجمهور على حضورهم في البرنامج. أتواصل معهم وأشعر بالمسؤولية حيالهم. كما أن تلفزيون «الجديد» يحيطهم بكل ما يلزم من عناية وآمان خلال العمل.
تبلغنا نصور أن أعضاء الفريق قد يصلون إلى 12، على أن يتغيروا لاحقاً بحسب الحلقات الـ 15 في هذا الموسم. وتوضح نصور: عندما نصور ونعرض في الوقت عينه فحن نقع في مشكلة الوجوه المعروفة لأبطال البرنامج. إنها الصعوبة التي نواجهها كإنتاج، لهذا نتريث في قبول تصوير موسم جديد مباشرة.
عن مي نصور المعدة والمنتجة فهي بدأت عملها من قناة «أل بي سي» بعد دراسة الاخراج السينمائي في جامعة الألبا، وكتابة السيناريو. عملت كمنتجة في برامج «الشاطر يحكي» و«ياليل يا عين» و« Survivor» و«ليلة حلم». وعملت مساعدة منتج لقنوات تلفزيون أبو ظبي. ولاحقاً صار لها شركة إنتاج خاصة Sync مع الشريكين كريم سركيس وسركيس سمعان. تقول: «عيش كتير» برنامج أعادني إلى أيام الدراسة الجامعية حين كنا نعمل على مشاريع بهدوء وروية وفرح. المساحة التي اتاحها لي البرنامج تساعدني في اختراع الأفكار المهضومة التي تنال اعجاب الناس. كما أهتم جداً بأن يظهر هذا البرنامج زاوية مختلفة لكبار السن. «عيش كتير» يعيد ثقة كبار السن من المشاهدين بذاتهم ويحافظ على صحتهم. ويقول لهم حتى مع عمركم لكم الفرح، الغناء، المرح وكذلك المقالب بالآخرين.
زهرة مرعي