أجيال وأساليب تناولت الملحمي الفائق واحتفت بالعادي المألوف: شعرية الشعر الفلسطيني المعاصر

الشعرية الفلسطينية شعرية مجروحة انكتبت وتنكتب بقوة الأشياء ضمن مشهد الخيبات المتتالية والانهيارات المتعاقبة، والإهمال العربي الرسمي الصارخ، والإشاحة «الإنسانية» الكونية. ومن ثم اتسامها بالصدق الفني الذي هو أعلى درجات الموهبة الشعرية الأصيلة، وابتعادها ـ ترتيبا على ذلك ـ عن الكتابة الافتعالية.. نقصد الكتابة الكاذبة الملتوية على ظل ذيلها، والمتشرنقة على صبار لغتها العطشى واليابسة.
 لقد بلغ الشعر الفلسطيني في الثمانينات مستوى فنيا عاليا كما وكيفا لم يتأت له في تاريخ مسعاه عما ينماز به إنْ في الستينات أو في السبعينات على الرغم من انشداده إلى تطورات الشعرية العربية في العراق ومصر والشام. ستشهد الثمانينات ـ إذاً ـ طفرة على مستوى الكتابة الشعرية: بناء لغويا، وصوغا جماليا، وتخييلا مشتعلا، وتصويرا مشتقا من جراحات الأرض والتاريخ والإنسان. ولعل المجموعات الشعرية التي صدرت تباعا إبان الحقبة المذكورة، أن تكون مؤشرا وعنوانا على هذا النهج الفادح : «حصار لمدائح البحر»، «هي أغنية هي أغنية»، «ورد أقل»، لمحمود درويش؛ و«السربيات»، «الكتب السبعة» لسميح القاسم؛ و«جفرا»، «كنعانياذا»، لعز الدين المناصرة.
صحيح أن مغامرة أدونيس التجريبية كانت ملهما، وصلاح عبد الصبور مغذيا ومحفزا على المتح من البسيط، واليومي، والتفاصيلي وأسطرته. والأخير هو الشاعر الذي أنزل الشعر من السماء إلى الأرض ونقعه في الحامض اليومي والاسفنج المخلل والتفاصيل الناتئة. فهو، إلى جانب أدونيس وخليل حاوي وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وسعدي يوسف، اجتذب إلى تجربته أنظار الشعراء الفلسطينيين والحداثيين العرب، متمثلينها في كثير من منجزهم الشعري، ومترسمين بعض تصاويره وكشوفاته اللغوية الباهرة على الرغم من إسفافها في بعض الأحيان، حسب سلمى الخضراء الجيوسي.
وفضلا عن هؤلاء المشائين الذين واصلوا رحلة الشعر سعيا إلى رفع الشعرية إلى المستوى اللائق حيث خدمة القضية كموضوع نبيل، إذ هي محرك الكلام، والدافعية إلى القول، وخدمة الشعر كنوع تعبيري راق وتحقق لغوي جمالي بهي، تعاور الساحة شعراء فلسطينيون تقدموا إلى الواجهة يحملون الهم الجمالي أولا بأول، على رغم أن بعضهم يحسب على العقد السبعيني (أواسط الستينات وبداية السبعينات) مثل أحمد دحبور، ومريد البرغوثي، ومحمد القيسي، ووليد خازندار، وزكريا محمد، وغسان زقطان، وإبراهيم نصر الله، وآخرين، بحيث طمحوا وحققوا كتابة قصيدة منفلتة من أسر الجاهز والمباشر والزعيق. «وفي هذا الشعر ارتفعت فلسطين من سؤال السياسة إلى سؤال الوجود، وتحولت وظيفة الشعر من وصف ما هو كائن، أوضح الضحية فما ولسانا، إلى تأمل تراجيديا الفم واللسان في تاريخ الإنسان العابر للجغرافيا والقوميات. فما يوحد الهندي الأحمر والفلسطيني ليس صورة الضحية في مرآة الزمن، بل صورة الزمن في مرآة ما لا يفنى فينا ولا يموت»، كما يقول حسن خضر.
بمعنى آخر، أصبحت الشعرية مؤمثلة في بعض النماذج الاستثنائية العليا كما عند درويش والقاسم والمناصرة والبرغوثي ودحبور والقيسي، تشتبك مع الوجود والمأزق الإنساني. فمحمود درويش يقول: «الرائع والمعجزة أن نكتب شيئا آخر، أن أكتب إنسانيتي وسط الظلام والحصار، لأن استمرار خضوعنا لما يمليه علينا الاحتلال من كتابة رد الفعل المقروءة سلفا، هو فعلا استسلام اللغة لتشابه الرمل». ونحن نجد أن البعض ممن أدرك ماهية الشعر الحق، وسرق ناره كبروميثيوس استطاع الإفلات من ضغط المعضلة السياسية، وتراجيديا الاقتلاع والشتات، فمنح للسانه مزمار العشق والاقبال على الحياة، وكسا شعره ألوانا قزحية رغم الرماد الرائن، وحلق عاليا في الأجواز، كالهائل درويش في كتابه الشعري الواحد المتعدد والمتكثر، والمناصرة في نصوص «رعويات كنعانية» ونصوص «لا أثق بطائر الوقواق»، وبخاصة في جزئه الثاني المعنون «هوية مشروخة»، إضافة إلى زكريا محمد وغسان زقطان، وخصوصا وليد خزندار. وللمتأمل أن يتأمل ديوانيه: «غرف طائشة» و«أفعال مضارعة»، ويوسف أبو لوز «ضجر الذئب»، وزهير أبو شايب «دفتر الأحوال»، ويوسف عبد العزيز «دفاتر الغيم»، وطاهر رياض «حلاج الوقت»، وكمال قدورة «أرض النوم»، ومريد البرغوثي «رنة الإبرة». وهذا يعني، فيما نرى، الوعي الحاد، لدى شعرائنا المذكورين بعميق التحولات، التي طرأت وما تفتأ، وطبيعة التغيرات التي طالت وتطول الكثير من اليقينيات والجاهزيات والثوابت. وفي الصميم من ذلك، الاحتفاء بالعادي، وتوصيف الزائل والهارب من الأشياء، وتمجيد الهامشي؛ إذ لا مكان للبطل والزعيم، ولا للعظيم والمتشامخ والمتعملق. فالكل نسبي، وما كان نسبيا فإنه يصير إلى الاختلاف والتعدد، وأحيانا التنابذ والتباعد في الرؤى والممارسات التعبيرية.
وإذا كانت هذه الشعرية، وقد استوت على سوقها ونضجت النضج الكافي، قد وعت رسالتها وتخومها وما به تقوم وتبقى، فإنها لم تتخلص بحسب قراءتنا، من بقايا الغنائية بمعناها الضيق، ولم تقطع مع الأسلوبية المعتقة أحيانا، كما أنها أوسعت الإقامة الثقيلة لبعض الصور البلاغية الشائهة والمكرورة.
صور واستعارات تتعاور النصوص الشعرية الفلسطينية المختلفة، فتصيبها بالاختناق. ينضاف إلى ذلك ما يتهدد هذه الشعرية من شبح النمطية والاستنساخ والدوران الطاحوني على نفس الثيمات والمرجعيات، والوقوع في ذات التوجه التناصي، وهو ما ضاعف من مسؤولية الشعراء الحقيقيين، وجعلهم أكثر يقظة وانتباها، وأبعد بحثا ومسعى، وأعمق تناصصا مع شعريات أخرى لم تكن تطرق وتوطأ، كاستفادة المناصرة من الشعرية السلافية بعامة، ودرويش من الأساطير الهندية في منحاها العشقي والإيروسي الأزلي (الكاماسوترا نموذجا)، واختيار البعض قصيدة النثر خيمة وملاذا، وشكلا تعبيريا يكسر سمترية الأشطر المتجهمة، وفضاء تركيبيا فتت الغنائية شذر مذر، وتصويرا سورياليا في بعض الأحيان. لقد استعادت الذات الشعرية الفلسطينية عنفوانها، وعانقت بهجتها، وقالت أناها بالعمق المطلوب والحرية المتاحة من دون تفريط في القضية. فهي تقبع ثاوية، مختلطة ومضفورة بخيوط المتن، ومنتسجة مع لغته. وللقارئ المثالي، القارئ النموذجي، القارئ الفاعل والمتفاعل أن يملأ الثقوب، ويلون البياضات ويستدعي المحذوف والمسكوت عنه، ومالا ينقال مسلحا بذخيرته المعرفية، ورصيده الجمالي الذي تكون عبر سلسلة مترابطة في تاريخية محددة عنوانها الكبير نفس المساقات المعرفية، والمنجز الإبداعي إنْ بالنسبة للباث، أو بالنسبة  للمتلقي أو المستقبل.. كما يرى منظرو جامعة كونسطانس الألمانية، نقصد منظري جماليات التلقي. غير أن ما يتضمنه هذا الأدب لا يقتصر على وضع سياسي لابد من شرحه للعالم، فلو اقتصر الأدب على نقل النقاش السياسي، أو الدعاية، لفقد ما له من قيمة عظيمة، و«لكن ربما كان أعظم ما أنجزه الشعر الفلسطيني المعاصر، تصويره المرهف الراقي جماليا لوضع وجودي حقيقي»، حسب الجيوسي.
هل نعتبر هذا المدخل كافيا للتعريف بالشعرية الفلسطينية؟ وهل حققنا هذا المبتغى؟ أخال أن المسألة كلها لم تَعْدُ المدخل، وهو عين ما قصدناه من عنونة المقاربة. لقد ظللنا ننوسُ بين مفهوم الشعرية الحق، وبعض ما تحقق للشعرية الفلسطينية من فتوحات، وما رسخته من بناء لغـوي وتصوير وفاعلية إيقاعية، علما أن لا فكاك من حضـور التراجيديـا في هذا الشعر، وحضور الفقد والحنين الموجعين لوطـن، حتى وإن كـان ناقصا.
حسبنا أن نوجز ونحن نقفل المدخل، موردين أهم خصوصيات الشعرية الفلسطينية كما استقيناها واستقطرناها بعد غوص في المتن الشعري الفلسطيني الوسيع. يقول جبرا إبراهيم جبرا: «لا مشاحة في أن الشعر الذي ساد العالم العربي بعد حزيران 1967 هو ما كتبه ويكتبه شعراء الأرض المحتلة في شعر الأرض المحتلة، ثمة حب جارف عنيد رائع تتمازج فيه المرأة والأرض والإنسان يندر أن تشاهد مثله في أي شعر آخر. وهو أقرب في روحه إلى شعر الخمسينات وأوائل الستينات ومتأثرة به إلى حد بعيد».
أما خصوصيات هذه الشعرية والتي بها تنماز عن الشعريات الأخرى، فتأسيسها الرهيب للعلاقة بالأرض وتأنيث الأرض، ودفع هذه العلاقة إلى حدود الإيروسية، وهي العلاقة التي تلقفها الشعر العربي المعاصر تاليا. كما أسست للحلولية بين المرأة والأرض، ورفعت بالعقيرة عاليا مديح الهوية والانغراس في الأرض باستدعاء التاريخ والأسطورة والثقافة والحضارة. ومن خصوصيات هذه الشعرية: الغنائية منبجسة من الوحدة التفعيلية بتعضيد القافية. ولعل احتفاء الشعرية الفلسطينية بالقافية، والإصرار على تأثيث نصوصها بها على الرغم من أنها اختفت في كثير من نماذج الشعر التفعيلي في العالم العربي، أن يكون السمة اللافتة فيها. والسؤال هو: هل طقس الممارسة النصية الفلسطينية يساهم في استدعائها؟ ألا يضمر إيقاع تواترها رغبة دفينة أو معلنة في النفسية الفلسطينية للتواصل مع الآخرين بهدف تبليغ الرسالة مشعرنة مموسقة فتطرب وتبكي، وتحقق الهدفين سويا: السياسي والفني؟

أجيال وأساليب تناولت الملحمي الفائق واحتفت بالعادي المألوف: شعرية الشعر الفلسطيني المعاصر

محمد بودويك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية