ألمانيا: عامان على إنطلاقة «بيغيدا» وتقرير حكومي يؤكد إرتفاع جرائم كراهية الأجانب بنسبة 116 في المئة

حجم الخط
0

برلين ـ «القدس العربي»: تزامن التقرير الذي كشفته الحكومة الألمانية مؤخرا، والذي تحدث عن ارتفاع في جرائم الكراهية ومعاداة الأجانب خلال العام الماضي، مع فضيحة أمنية سلط الإعلام الألماني الضوء عليها، وهي حادثة فصل شرطة برلين شرطيا بسبب تقربه من حركة «مواطني الإمبراطورية الألمانية» أو ما يعرف باسم «مواطني الرايخ» مطلع عام 2016 وهي حركة لا تعترف بالجمهورية الاتحادية الألمانية وتعتقد باستمرارية الإمبراطورية الألمانية. وذكرت متحدثة باسم الشرطة الاثنين أنه تعين على شرطي ترك مهام عمله مطلع العام الجاري بسبب قربه من حركة «مواطني الرايخ الألماني». ولم تعلن بيانات عن رتبة الشرطي أو كيفية اكتشاف السلطات تقربه من هذه الحركة.
وكان وزير داخلية ولاية بافاريا، يواخيم هيرمان، قد كشف في برنامج «روندشاو» الذي تذيعه قناة BR الإخبارية عن انشغال شرطة بافاريا بالتحقيق في شبهة تورط عناصر من أفرادها بمنظمة «مواطني الرايخ» اليمينة المتطرفة. وقال الوزير إن أحد المسؤولين تم إيقافه عن العمل لحين انتهاء التحقيقات، في حين فتحت الشرطة تحقيقات منفصلة بحق ثلاثة أفراد آخرين. وأكد هيرمان أن كل من يثبت تورطه بهذه المنظمة اليمينية من عناصر الشرطة سيتم فصله من عمله.
التقرير الحكومي الذي صدر في الجزء الأخير من تشرين أول/أكتوبر الجاري، ذكر أن عدد هذه الجرائم المسجلة في عام 2015 بلغ 8529 جريمة بارتفاع بنسبة 116 ٪ عن العام السابق. كما نوه التقرير إلى تسجيل 10373 جريمة موجهة ضد مواقف سياسية أو جنسيات أو ألوان بشرة أو ديانات، ولفت إلى أن هذا النوع من الجرائم ارتفع بنسبة 77٪ مقارنة بعام 2014 ليصل إلى مستوى قياسي منذ بدء الإحصائية عام2001 .
وذكر أن جرائم الكراهية على الإنترنت ارتفعت بنسبة 176٪، وتم تسجيل 3084 منشور كراهية على الإنترنت العام الماضي. كما أشار التقرير الذي حمل اسم «حياة جيدة في ألمانيا» وحصلت صحيفة «باساور نويه برسه» الصادرة الثلاثاء على نسخة منه، إلى ارتفاع في عدد جرائم السطو وأشار إلى أن معدل حل الشرطة لهذه الجرائم «غير مرض».
ووفقا للتقرير المؤلف من 323 صفحة، فإن إحصائية جرائم النشل آخذة في الارتفاع بعد عام 2010 وتم تسجيل 167 ألف جريمة من هذا النوع في العام الماضي «وهو ما يعادل ارتفاعا بنسبة نحو 10٪ مقارنة بعام 2014».
وأوضح التقرير أن الشرطة تمكنت من حل 3،32٪ من جرائم النشل في عام 1998 فيما انخفض هذا المعدل في العام الماضي ليصل إلى 27٪ فقط، وقال:»هنا ينتظر المواطنون أن تنشط كل المستويات الحكومية وتتخذ إجراءات».

إجراء صارم وفقا لسيادة القانون

المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أكدت من جانبها في وقت سابق أنه سيتم اتخاذ إجراء صارم وفقا لسيادة القانون ضد أي عنصريين ويمينيين متطرفين يقومون بهجمات على اللاجئين. وقالت في العاصمة الألمانية برلين: «ليس هناك تسامح تجاه من يشككون في كرامة الأشخاص الآخرين» وتابعت «نحن نحترم الكرامة الإنسانية لكل الأشخاص». وحذرت ميركل المواطنين من المشاركة في المظاهرات ذات الخلفيات العنصرية واليمينية المتطرفة، وأضافت: «لا تتبعوا من يدعون لمثل هذه المظاهرات». وأشارت المستشارة خلال المؤتمر الصحافي الصيفي التقليدي في برلين إلى أنه غالبا ما تكون هناك أحكام مسبقة وكراهية في قلوب من يدعون لمثل هذه المظاهرات، وأوصت ميركل بالابتعاد عنهم.
لكنها أكدت أيضا أن ألمانيا، في «وضع جيد» رغم أعمال الشغب المعادية للأجانب، فعدد من يقدمون يد المساعدة «يفوق بمرات عدد من يحرضون على كراهية الأجانب» ولذلك فإن المستشارة الألمانية «فخورة وممتنة» لمن يساعدون حسب تعبيرها.
ونوهت ميركل إلى أن أزمة المهاجرين تضع ألمانيا أمام تحد كبير لن يحل قريبا. وقالت في المؤتمر الصحافي «نواجه تحديا وطنيا كبيرا. سيكون تحديا رئيسيا ولن يستمر لأيام فقط أو لشهور وإنما لفترة زمنية طويلة». وأضافت «الدقة الألمانية رائعة ولكننا نريد الآن مرونة ألمانية».
الحكومة الألمانية عدلت بناء على المعطيات الجديدة من الأرقام المسجلة بخصوص عمليات القتل التي طالت أجانب بدافع الكراهية، موضحة أن 75 شخصا قتلوا منذ عام 1990 على يد نازيين جدد، في 69 عملية. ويأتي ذلك ردا على الطلب الذي تقدم به حزب الخضر «معارضة» طالب فيه بتوضيحات بخصوص أعداد الضحايا والعمليات التي نفذت داخل ألمانيا بدافع الكراهية.
ومنذ سنوات، يدور جدل قوي في ألمانيا حول العدد الحقيقي لضحايا النازيين الجدد، إذ أن الأرقام الرسمية وإلى غاية اللحظة تشير إلى ستين عملية نفذها هؤلاء، قبل أن تعدل الحكومة لاحقا العدد إلى 69 عملية. بينما تقدر المنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني، العدد الحقيقي بضعف ما هو معلن عنه إلى غاية اللحظة.
وقامت الحكومة الفيدرالية وحكومة الولايات بإعادة التحقيق في جرائم قتل أو محاولات قتل لم تكشف ملابساتها بعد، وعددها 3300 حالة ما بين عامي 1990 و2011. وعلى ضوء ذلك أعلن المكتب الفدرالي لمكافحة الجريمة أن 15 حالة تمت بدوافع عنصرية، أضيفت إليها حالتين وقعتا في الأعوام الأخيرة، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 17 عملية.
وأمرت السلطات بإعادة فتح التحقيقات بعد أن تمّ الكشف عن خلية «النازيين الجدد السرية»المعروفة باسم «إن.سي.يو» المتهمة بقتل عشرة أشخاص من أصول أجنبية وشرطية ألمانية بين عامي 2000 و2007.
وأخفقت الشرطة والمخابرات الألمانية لسنوات في الوصول إلى الخلية السرية، ولم يتسن لها ذلك إلا نهاية عام 2011 حين تمّ القبض عن المتهمة بياته تشيبه، المتهمة الرئيسية في قضية «خلية النازيين الجدد السرية» ويعتقد أنها الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة بين ثلاثة آخرين. وتخضع بياته تشيبه إلى المحاكمة في ميونيخ منذ السادس من أيار/مايو عام 2013 وإلى اليوم.

محاولة تفجير المركز الإسلامي

ولعل الحادث الأكبر الذي حصل مؤخرا ضمن سلسلة معاداة الأجانب في ألمانيا كان الهجوم في تشرين الأول/أكتوبر على المركز الإسلامي في مدينة دريسدن معقل اليمين المتطرف وحركة بيغيدا، ومحاولة تفجيره، حيث قررت السلطات الألمانية تعزيز حمايتها لمؤسسات إسلامية في دريسدن بعد انفجار عبوتين ناسفتين بدائيتي الصنع في المدينة الواقعة في شرق البلاد. وفي سياق متصل، قال هورست كريتشمار، قائد شرطة دريسدن، في بيان «على الرغم من أنه ليس لدينا إعلان مسؤولية حتى الآن (عن التفجيرين)، فإننا يجب أن نتحرك على أساس أن الدافع هو الخوف من الأجانب». وأضاف أن الشرطة تعتقد أن هناك صلة بين الهجوم واحتفالات مقررة مطلع الأسبوع المقبل في المدينة بمناسبة ذكرى إعادة توحيد ألمانيا في الثالث من تشرين الأول/أكتوبر 1990. وتابع أنه سيجري توفير الحماية على الفور لثلاثة مساجد ومركز اجتماعي للمسلمين ومصلى.
وبعد قليل من انفجار المسجد لحقت أضرار بالمركز الدولي للمؤتمرات نتيجة لانفجار عبوة بدائية الصنع وجرى إخلاء حانة فندق قريب. وقال محمد دميرباس، إمام المسجد الذي تضرر، إن الجالية المسلمة تتوقع هجوما ما منذ فترة طويلة. وأضاف «سبق أن كسرت ألواح زجاجية أو رُسم على الجدران (غرافيتي). لكن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها شيء مثل هذا. ونأمل أن تكون الأخيرة ونواصل العيش بسعادة في دريسدن».
ودريسدن هي مهد حركة «أوروبيون وطنيون» ضد أسلمة الغرب (بيغيدا) المناهضة للإسلام التي كانت مسيراتها الأسبوعية تجتذب نحو 20 ألف شخص في مطلع 2015 عندما كانت في أوج شهرتها.

هجمات على ملاجئ للاجئين

وأدى تدفق نحو مليون مهاجر على ألمانيا العام الماضي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية خاصة في شرق ألمانيا حيث وقعت هجمات كبيرة على ملاجئ للاجئين. وزاد الدعم لحزب البديل من أجل ألمانيا الذي يقول إن «الإسلام ليس متوافقا مع الدستور» بسبب سياسة الباب المفتوح التي تنتهجها المستشارة أنغيلا ميركل تجاه اللاجئين.
وشدد وزير المالية الألماني فولفغانغ شيوبله في مؤتمر سنوي عن الإسلام قبل أيام على أن الإسلام ينتمي إلى ألمانيا. مكررا وجهة نظر عبرت عنها ميركل في 2015 قبيل مظاهرة لحركة «بيغيدا» في دريسدن.
وقبل عامين وفي تشرين الأول/أكتوبرانطلقت أول مسيرة نظمتها حركة «بيغيدا» في معقلها في مدينة دريسدن الواقعة في ولاية ساكسونيا شرق ألمانيا. وما ترتب آنذاك عن «مسيرات ليلية» بدت عفوية، بات اليوم تقليدا تنظمه الحركة مساء كل اثنين، لكن، وفي الذكرى السنوية الثانية لانطلاقها، بعد أن قررت سلطات المدينة تنظيم مجموعة من الفعاليات تحت شعار «دريسدن، اكشفي عن وجهك!» الداعية لنبذ العنف والكراهية ودعم التسامح والحوار، في رسالة واضحة أرادت سلطات المدينة توجيهها إلى «بيغيدا».
وتشهد أعداد المتعاطفين مع هذه الحركة القومية المتطرفة ضد ما تسميه «أسلمة أوروبا» تراجعاً قوياً بعد أن بلغ ذروته بداية عام 2015 مع تسجيل مشاركة نحو 25 ألف متظاهر في مسيرات الاثنين، وهو العام ذاته الذي شهد قدوم أكثر من 800 ألف لاجئ إلى ألمانيا.
وازداد تراجع مناصري الحركة بعد أن استقبلت جموع أعربت عن تعاطفها مع الحركات القومية واليمين المتطرف المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس يواخيم غاوك بصيحات الاستهجان والكلمات النابية، وذلك لدى وصولهما للمشاركة في الاحتفالات الرسمية للوحدة الألمانية في الثالث من الشهر الجاري، والتي اختيرت دريسدن مقراً لها.
وأسفرت تلك الأحداث عن صدمة داخل الرأي العام الألماني ضد الحركة التي تعتبر نفسها بأنها «صوت الشعب» محذرة من «خطر» الأجانب و»المد» الإسلامي و»تواطؤ ديكتاتورية ميركل» مع هذا المخطط. ورغم أن بعض المئات فقط ما زالوا متعاطفين مع «بيغيدا» إلا أنهم أظهروا خلال السنتين الأخيرتين وفاءهم للحركة عبر المشاركة بشكل دوري في المسيرات التي تنظمها.
وتشهد دريسدن أيام الأحد إجراءات أمنية مكثفة تفاديا لصدامات قد تحدث بين مناصري ومناوئي حركة «بيغيدا».
وقاد تحقيق مثير أجراه فريق من مراسلي صحيفة «دي فيلت» الألمانية بقيادة رئيس تحريرها شتيفان آوست إلى معطيات جديدة في قضية ما بات يعرف بخلية النازيين الجدد المتهمة بقتل تسعة أشخاص من أصول مهاجرة وشرطية ألمانية. إذ من المرجح أن عضوين في الخلية الإرهابية اختفيا عن الأنظار للعمل في شركة متخصصة في هدم الأبنية في مدينة تسفيكاو شرقي ألمانيا.
حيث أكد مراسلو الصحيفة الألمانية أن أوفه موندلوس كان يعمل باسم مستعار بين سنوات 2000 و2002 في قسم الخدمات في الشركة التي تعود ملكيتها لرالف مارشنر. مارشنر كان من النازيين الجدد وفي الوقت ذاته كان يعمل مخبرا لدى هيئة حماية الدستور الألمانية (المخابرات الداخلية) وقدم لها معلومات عن نشاطات اليمين المتطرف.
في تلك الفترة تم كشف الستار عن خمس جرائم من مجموع عشر جرائم ارتكبت بدوافع عنصرية، اعترفت الخلية الإرهابية بارتكابها من خلال فيديو مصور نشر في الرابع من شهر تشرين الثاني/نوفمبر2011. تم العثور في اليوم نفسه على جثتي أوفه بونهاردت وشريكه أوفه مونلدوس في سيارة محروقة متفحمة في مدينة أيزناخ. رجح المحققون آنذاك انتحار الشريكين لتجنب القبض عليهما بعد عملية سطو فاشلة على أحد البنوك.

صمت الحكومة
لحماية «هيبة الدولة»

بآته تشيبه هي العضو الثالث والمتهمة الرئيسية في القضية، لا تزال تمثل إلى اليوم أمام المحكمة العليا في ميونيخ. تشير شكوك عديدة أن تشيبه عملت أيضا في شركة هدم الأبنية التي كان يملكها المخبر النازي. لكن تحقيقات الصحافيين بشأن ذلك لا تزال ضبابية، ما يعني أن هذه «الشكوك يمكن أن تكون صحيحة ويمكن أن تكون خاطئة أيضا» حسب شتيفان آوست رئيس تحرير «دي فيلت» في حديثه لإذاعة «أم دي آر» الألمانية. آوست أنتج فيلما وثائقيا بعنوان «تعقيدات خلية النازيين الجدد» بثته مؤخرا القناة الألمانية الأولى «إي آر دي».
وهذه هي المرة الأولى التى يتم فيها الحديث عن صلة تربط أوفه مونلدوس بالمخبر النازي. الغموض يلف مجريات القضية، لأن هناك شكوكا بتدخل أطراف سياسية فيها. وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزير قال في إجابة عن سؤال وجهته له صحيفة «دي فيلت» إن الحكومة الألمانية لا تدلي بأي معلومات عن المخبرين «حماية لهيبة الدولة». كما أن رئيس هيئة حماية الدستور هانز غيورغ ماسن أشار إلى أنه لا يوجد ما يفيد بعمل موندلوس لدى المخبر مارشنر.

علاقة غامضة بين هيئة حماية الدستور والمخبرين

هذه المعطيات الجديدة أو الإشاعات تصب في اتجاه أن الدولة كانت على علم بخلية النازيين الجدد أكثر مما كانت تدعي. وما يعزز هذه الفرضية هو أن كل محاولات التحقق من وجود دور ما لهيئة حماية الدستور باءت بالفشل، سواء في لجان التحقيق المنبثقة عن البرلمان الألماني أو في قضية خلية النازيين الجدد.
من جهة أخرى، تثير حالة مخبر آخر مزيدا من الفضول، إذ أن المدعو أندرياس ت يعتبر قائدا للمخبرين النازيين. أندرياس كان حاضرا عند إطلاق النار على خالد يوزقات، أحد ضحايا الخلية الإرهابية في محل خدمة الانترنت الذي كان يملكه في مدينة كاسل. أنكر أندرياس في البداية معرفته بمكان الجريمة، لكن ذلك لم يمنع الشرطة من فتح تحقيق معه واتهامه بالضلوع في قتل يوزقات. معطيات هامة قد تكشف عن خيوط جديدة في القضية، بيد أنها بقيت طي الكتمان بين دفات محاضر هيئة حماية الدستور في مقاطعة هيسن.

ألمانيا: عامان على إنطلاقة «بيغيدا» وتقرير حكومي يؤكد إرتفاع جرائم كراهية الأجانب بنسبة 116 في المئة

علاء جمعة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية